راي رئيسي

الحوار الوطني الجديد في مهب الريبة وتصاعد الاحتجاجات وضيق الآفاق

لا جديد في الأفق يشي بانفراج للوضع الخانق الذي تمرّ به البلاد، فالاحتجاجات الاجتماعية تتصاعد، والوضع العام ما يزال يسير في نسق تصاعدي نحو حالة من الانفلات، والوضع السياسي ما يزال في تشنجه وتهارجه ومزايداته، في ظل حكومة عاجزة عن مواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة من حيث إعداد التصوّرات، ومن حيث التركيبة الضعيفة المرتبكة، ومن حيث القدرات التواصلية التي من شأنها تخفيف الضغط عليها وعلى التونسيين الذين يمرّون بظروف صحيّة ونفسية صعبة للغاية فقدوا خلالها أحبّة كثيرين، واقتصادية قاهرة تتميز بارتفاع صاروخي للأسعار، وكذلك في ظلّ وضع غير مسبوق في علاقة بميزانية الدولة وقانوني المالية الأصلي والتعديلي خلف جدلا وتنازعا شديدا بين الحكومة وبين والبنك المركزي بلغ حدّ تبادل الاتهامات دون أن تتضح معالم الخروج من عنق زجاجة هذه الأزمة، ودون أن تعثر مؤسسات الدولة على مخارج قانونية براغماتية مما يزيد في تعميق جراح البلاد خاصة والسنة تشرف على نهايتها، وكذلك من حيث القدرة على حلحلة الملفات الحارقة التي ورثتها من الحكومات السابقة لاسيما منها المديونية ومعالجة معضلة الفقر وتردي الأوضاع التنموية في بعض الجهات التي ما تزال في ذيل الترتيب من حيث مؤشرات التنمية منذ 2010، تشكو لربها سوء حالها، وتنتظر أن ترفع عليها حكومات ما بعد الثورة ضيما مسلطا عليها من قبل دولة الاستقلال التي ما يزال بعضهم يسبح بحمدها ويثني على مكاسبها، ويقدّس مجاهدها الأكبر.

في ظلّ ذلك صدرت خلال الأيام القليلة الماضية دراسة أنجزها كل من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنظمة محامون بلا حدود بهدف معاينة وتحليل العوامل التي تدفع الشباب إلى تبنّي أفكار التطرّف العنيف في السياق التونسي خلال السنوات التسع الماضية التي شهدت خلالها انتقالا ديمقراطيا أعادت فيها تشكيل مؤسسات الدولة وعملت على إرساء دولة القانون، وقد اختار القائمون على الدراسة العينة من أربعة أحياء تختلف من حيث المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية وهي أحياء المروج والكبارية والمنزه وسيدي حسين.

وأفادت الدراسة أن حوالي 70%من الشباب يعتبرون أن صوتهم غير مسموع وأن حوالي 51% من المستجوبين يعتقدون أنّهم مضطهدون في بلادهم، كما أن أكثر من 54% منهم يعتقدون أنّهم معرضون للتمييز في بلادهم .

وتعتقد نسبة هامة من الشبان المستجوبين )حوالي 74%( أن صوتهم غير مسموع في إشارة تتجاوز الجانب الاقتصادي والاجتماعي لتكون تعبيرة سياسية في حين يرى قرابة 55% أنّهم لا يحظون بالاحترام والاحتقار الطبقي مما يثير لديهم جرحا معنويا أكثر وجيعة من الواقع المرير الذي يعيشونه.

ولعل أكثر المؤشرات قربا من المجال السياسي غياب العدل، إذ يعتقد 82.4% من المستجوبين اعتقادا جازما في عدم المساواة بين التونسيين أمام القانون حيث تسود الوساطة والرشوة والزبونية والمحاباة، كما يعتقد 82.6% منهم أنهم يعيشون في مجتمع غير منصف لا تطبق فيه القوانين على نحو عادل على الجميع ويرون أن الديمقراطية الناشئة ليست سوى ديمقراطية لتزيين الواجهة وأن مجلوباتها لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفي علاقة بموضوع العنف المجتمعي بينت الدراسة أن 70% من الشبّان يعتقدون أن المجتمع مصدر للعنف في حين يعتقد و77% منهم أن التونسي عنيف بطبعه، ويعتبر 57.7% من المستجوبين أنفسهم ضحايا لعنف الدولة.

من جانب آخر تشير الدراسة إلى أن 55.2% من العينة المستجوبة يعتبرون أنه ليس لهم اعتبار في بلادهم، ويرى 60.5% منهم أنهم مهمشون، و51.6% منهم أنهم مضطهدون و 54% أنهم معرضون للتمييز و 62% منهم أنهم معرضون للحرمان، و 70.49% منهم أنهم لا يتمتعون بنصيبهم من الثروة الوطنية، و 60.15% منهم أنهم معرضون للمظالم و56.76% منهم أنهم يتعرضون الى عدم المساواة .

ومن المؤكد أن مؤشرات أخرى بالغة الأهمية وردت بهذه الدراسة تدفع الطبقة السياسية إلى إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها، وتعديل عقارب ساعتها على نبض الشارع التونسي من خلال التعبيرات الدالة التي تشير إلى أن 82.4% من الشباب ينظرون إلى الدولة والمجتمع كبيئة معادية، ويعتقدون جازمين أن الدولة لا تكتفي بعدم أداء وظيفتها فحسب، بل أنها تعمل عكس الاتجاه الصحيح الذي يجب أن تشتغل ضمنه، وأن المجتمع مصدر للعنف والانقسام والعروشية.

إن أهم ما تؤكد عليه النتائج الصادرة عن الدراسة يتمثل في حالة الضيق والإحباط السائدين في صفوف الشباب الذين ترسخت لديهم قناعات تتعلق بوجود بون شاسع بين الطبقات الاجتماعية في مستوى الحظوظ والظروف والعدل والإنصاف، كما يؤمنون إيمانا قطعيا بوجود شرخ عميق بين الحكام والمحكومين.

ويمكن من خلال كل ما سلف من نتائج وإحصائيات أن نفهم الأسباب العميقة لحالة الإحباط العامة التي يعيشها الشباب التونسي والتي تدفعه عشر سنوات من الثورة أن يعود من جديد للاعتصام والاستعصاء ورفض الوعود المقدمة من قبل السلطة، وأن يفقد ثقته نهائيا في “الأحزاب التي وعدته المرة تلو الأخرى خلال حملاتها الانتخابية بتحسين أوضاعه ثم أخلفت وعدها متعللة بصعوبة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد حينا، وبعدم قدرة الدولة على الانتداب حينا آخر، وبأزمة الكورونا حينا آخر .

لأجل ذلك فإن تصاعد الاعتصامات والاحتجاجات وغلق مواقع إنتاج الغاز والمحروقات بكل من القصرين وقابس والصخيرة، واستعداد بعض الولايات للقيام بإضرابات عامة للمطالبة بالتشغيل والتنمية لا يمكن إلا أن يكون متساوقا مع ما أكدت عليه دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنظمة محامون بلا حدود من قناعات باتت راسخة أكثر من أي وقت مضى في عقول شباب تونس الذين عيل صبرهم ولم يعد يسعهم الاستماع إلى وعود ولا إلى خطابات ولا إلى تحاليل سياسية واقتصادية وحديث “فلاحي” .

ويبدو أن الاتحاد العام التونسي للشغل واستشعارا منه لحساسية الأوضاع، وتحسبا منه لمزيد تعكرها والدفع به إلى الواجهة خلال الشتاء الاجتماعي الحار الذي ينتظر البلاد تزامنا مع الذكرى العاشرة للثورة، وكذلك حرصا منه على تأكيد دوره الوطني الذي بات باهتا منذ تولي قيس سعيد مقاليد الرئاسة واختياره الانتماء إلى “حزب الاتحاد “، ودعما منه للرئيس الصامت الحاضر الغائب الذي أخفق المرّة تلو الأخرى في أن يكون مصدرا للتجميع والوساطة ومنبعا للحلول التي تخرج البلاد من أزماتها المتعددة، قرّر أن يتقدم بمبادرة لم يكشف بعد عن فحواها ومضامينها وخطوطها العريضة التي لم يرشح عنها أكثر من كونها دعوة لحوار وطني جديد يشرف عليه الرئيس.

ولسائل أن يتساءل عن مدى قدرة المبادرة التي يدعو الاتحاد من خلالها إلى حوار وطني، وعن مضامينها السحرية التي يمكن أن تخرج البلاد من ازماتها المتعددة الأوجه، وهل أن الرئيس سعيد الذي لاهم له سوى محاربة الأحزاب وترذيلها واستبعادها وسحب البساط من تحتها سيكون هذه المرة قادرا على التجميع؟ وأي جدوى لحوار تشارك فيه أحزاب متنافرة تشهر في وجوه بعضها سيوف العداء والحقد والكراهية والتنافي؟ وأي فلسفة وحكمة تجعل المشرف المفترض على هذا الحوار الوطني الجديد يستثني بعض الكتل البرلمانية الوازنة على غرار قلب تونس وائتلاف الكرامة؟ وما سيكون موقفه من دعوة مجلس شورى حركة النهضة إلى “حوار اقتصادي واجتماعي وطني لا يستثني أحدا وتكون نتائجه رافعة أساسية للخروج من الأزمة ومعالجة المشكلات الحقيقية التي يواجهها اقتصادنا”؟ وهل ينجح الاتحاد العام التونسي في الحد من منسوب انعدام الثقة بين مؤسسات الحكم وبين الأحزاب وكسب رهان تجميع الجميع على طاولة حوار فاعل ومجدي قد يكون الفرصة الأخيرة للبلاد للخروج من الأوضاع الخطيرة للغاية التي تمر بها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق