راي رئيسي

الحوار الوطني..
بين مبادرة الاتحاد وشباب قيس سعيد..

رغم مضي أربعة أشهر على طرح اتحاد الشغل مبادرته للحوار الوطني إلا أن المشهد ما زال يراوح مكانه بسبب تردّد رئيس الجمهورية في تحمّل مسؤوليته التي شرفه بها التونسيون وشرفه بها اتحاد الشغل أيضا حين ائتمنه على مهمّة تاريخية لإخراج البلاد من أزمتها السياسية والاجتماعية بسبب الخصومات بين الأحزاب وأصحاب المصالح.

رئيس الجمهورية يريد حوارا وفق رؤيته هو ووفق حساباته أو ربما حسابات مستشاريه، فهو لا يكف عن السباحة في عالمه الخاص ينسب لنفسه فيه نقاوة وصلاحا ينفيهما عن غيره ممن يصفهم دائما بالمنافقين دون أن يدلّ التونسيين عليهم ودون أن يقدّم ملفاتهم للقضاء.

الرئيس قيس سعيد مشكلته مع النظام البرلماني يراه مكبلا لسلطته بل ويرى رئيس البرلمان شجرة عالية وارفة تحجب عنه الرؤية أو تحجبه عن أن يراه العالم.

تأكيد قيس سعيد في كل مناسبة على وجود رئيس واحد للدولة يمثلها في الداخل والخارج يكشف عن هذه “العقدة” التي تحكم علاقته برئيس البرلمان، رغم ما يبديه الغنوشي دائما من تقدير لدور منتظر لرئيس الجمهورية في توحيد التونسيين وفي تمثيلهم في الخارج.

مسيرة 27 فيفري كانت حدثا مفصليا في المشهد السياسي التونسي وكانت رسالة للداخل وللخارج مفادها أن حركة النهضة تظل المنصة الصلبة الثابتة التي تقام عليها المشاريع الوطنية ولا يمكن تجاوزها أو التفكير في عزلها عن الساحة التونسية، تلك المسيرة عدلت من مواقف عديد الأطراف والشخصيات الوطنية، ولكنها أيضا أشعرت خصوم النهضة بحجمهم الحقيقي حين أرادوا تسيير مظاهرات في شوارع العاصمة ففشلوا ولعل من بين تلك المحاولات ما تابعناه على الصفحات الاجتماعية من دعوات إلى مسيرة لإسناد الرئيس قيس سعيد ولكنها لم تحدث وهو ما يجعل كثيرا من المراقبين يتساءلون إن كانت شعبية قيس سعيد هي شعبية حقيقية على الأرض أم في العالم الافتراضي؟

وهنا يحق لنا التساؤل أيضا عن الشباب الذي يريد قيس سعيد محاورته؟ هل هو متأكد من كونه زعيما ورمزا للشباب التونسي؟ هل هو متأكد من كون الأحزاب الأخرى وخاصة حركة النهضة ليس لها جمهور شبابي؟، وقد تابعنا إشراف رئيس الحركة على أنشطة شبابية لطلاب الجامعة كما تابعنا إشرافه على مؤتمر حاشد لشباب الحركة.

لا أحد من السياسيين يعترض على تشريك الشباب أو يشكك في الحاجة الأكيدة إلى دوره الريادي في الإصلاح والابتكار، ولكن المشكلة هي في “وهم” من يزينون للرئيس أنه رمز للشباب التونسي وأنه بالاشتغال على مفردة “شباب” سيُحرج خصومه ومنافسيه وأساسا “الشيخ” راشد الغنوشي الذي أصبح مناضلو حركته ينادونه “الأستاذ” انسجاما مع مدنية الدولة وأشواق الثورة.

صفحة الرئاسة التي نشرت يوم الخميس 25 مارس بيانا حول اعتزام الرئيس إطلاق حوار تكون فيه مشاركة واسعة للشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي اضطرت لحذفه بعد ارتفاع عديد الأصوات تتهم الرئيس بمحاولة الانقلاب على مبادرة الحوار الوطني ومحاولة تحويل وجهة الحوار من حوار مع الأحزاب والمنظمات إلى حوار على مقاس “شهوة” الرئيس وحساباته الانتخابية للدورة القادمة يستعجل كسبها ولم نكسب منه شيئا لحد الآن.

أمين عام اتحاد الشغل نورالدين الطبوبي أعلن في حوار تلفزي مساء الجمعة أن رئيس الدولة قبل بالمبادرة كاملة وأن الحوار مع الشباب سيكون ضمن المبادرة،

والمطلع على نص المبادرة يجد أنها لا تسلم ملف الحوار لرئيس الدولة وحده وإنما تدعو إلى “هيئة حكماء” من شخصيات وطنية كما ورد في نص المشروع:

“وتبعا لذلك، يقترح الاتحاد العام التونسي للشغل على  السيد رئيس الجمهورية إرساء هيئة حكماء-وسطاء (من كافّة الاختصاصات) من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية. وتتولّى الهيئة التي لا يمكن لأعضائها بأيّ حال من الأحوال تحمّل مسؤوليات سياسية أو الترشّح للانتخابات المقبلة، إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر والتّحكيم بين كلّ الأطراف المعنيين بالحوار وفق روزنامة معقولة ومسقّفة زمنيا.

كما تعمل الهيئة على تلخيص كافّة التصوّرات والمقترحات العملية القابلة للتطبيق والصادرة عن مختلف الأطراف المعنية في كلّ المجالات في شكل تأليفي يحمل رؤية واضحة وأهدافا دقيقة ومحدّدة في الزمن بعد إنجاز:

  • مصفوفة أوّلية تبرز مختلف المقترحات والتوافقات والاختلافات
  • مصفوفة للتّوافقات ومدّة الإنجاز وتحديد الأطراف المسؤولة عن الإنجاز
  • مصفوفة الاختلافات واقتراحات الهيئة لتجاوزها وعقد اجتماعات مع المعنيين بالأمر
  • عقد اجتماع موسّع للتوافق النهائي والمصادقة على الشكل التأليفي وإعداد مصفوفة الحوار النهائية
  • إعداد استراتيجية تواصل واتّصال من أجل تبنّي مواطني للمخرجات
  • وضع الأسس الأوّلية لصياغة عقد مجتمعي جديد يحدّد الحقوق والواجبات لكلّ الأطراف ولكلّ المواطنات والمواطنين”.

بهذا المعنى فإن رئيس الدولة سيتحرك مع “هيئة الحكماء” ضمن رؤية متكاملة تشمل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للبحث عن حلول مستعجلة تخرج البلاد من أزمتها الحقيقية غير المسبوقة في مختلف المجالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق