راي رئيسي

الخطاب الشعبوي واستقالة المثقفين

من شهد الجامعة التونسية منذ بداية السبعينات حتى نهاية الثمانينات، أي طيلة عقدين من الزمن الجامعي، يعلم أن طالب العلم يومها وفي مختلف الشعب كان يمثل شخصية وطنية من حيث وعيه ومن حيث التزامه بقضايا وطنه وشعبه، كانت ساحات الجامعات والكليات منابر حوار فكري سياسي وإيديولوجي، كانت فضاءات للثقافة والفنون والإبداع، وكان الطالب التونسي حين يعود إلى مدينته وقريته يُعاملُ معاملة الكبار والعلماء وأصحاب المكانات العالية، وكان الطالب يتصرف بمسؤولية واتزان متساميا عن العبث والسخف واللغو، كانت جملة “انضبط يا زميل” أشبه ما تكون ببطاقة حمراء تُرفع في وجه كل طالب لا يلتزم وقار طالب العلم ومهابة مرتاد الجامعة التونسية.

الجامعة التونسية هي التي أنتجت سياسيين من طراز رفيع كما أنتجت مثقفين ذوي مستويات عالية وهي التي تخرج منها مناضلون ارتقوا بالوعي الشعبي وواجهوا الاستبداد والظلم ومحاولات التشويه القيمي والأخلاقي.

بعد 1991 بدأت هجمة نظام بن علي الأمنية على المجتمع التونسي بدءا من الجامعة مرورا بدور الثقافة والمسارح ودور الشباب ناهيك عن المساجد وكل فضاءات الأفكار والمعاني، كانت الهجمة شرسة على منابت الوعي وقلاع المعرفة، كان الهدف إفراغ الشباب من الوعي وصرف اهتمامه عن القضايا الوطنية وإلهاؤه بالسخف والعبث واللغو واللاشيء.

استعان نظام بن علي ببعض من النخبة الجبانة الانتهازية في جريمة ما اصطلح عليه بـ “تجفيف الينابيع” ينابيع الفكر والمعنى والجمال والفن والإرادة والعزم والشجاعة، كان الهدف تنشئة جيل من الفارغين التافهين لا يهتمون إلا بالملذات ولا تعنيهم قضايا وطن أو مشاغل أمة.

عمل النظام على صناعة “رموز” من الحمقى وروّج لهم وأعلى من شأنهم وأغدق عليهم من ميزانية وزارة الثقافة ومن قوت الشعب حتى يجعل منهم مثالا يغتر بهم ضعاف الأنفس وفاقدو الوعي فيعملون جهدهم على أن يكونوا مثلهم فيحظون بالتكريم والتبجيل لدى سلطة تستثمر في الغباء والتفاهة والسخف.

إن المستبد يخشى العلماء والمثقفين بل ويكرههم ولا يحب رؤيتهم أو سماع أصواتهم لأنه يشعر أمامهم بالجهل والعجز فيحتقر نفسه ويسارع بدعوة المتملقين المنافقين يزينون له جهله ويشوهون صورة العلماء والمثقفين، يقول عبد الرحمان الكواكبي: “والمستبد كما يكره العلم لنتائجه يكرهه لذاته، فهو لا يحب أن يرى وجه عالم ذكي، وكلما وقعت عيناه على عالم احتقر نفسه، وإذا ما احتاج لمثل الطبيب أو المهندس يختار المتصاغر المتملق”.

بعد عشرين سنة من التفريغ والتجفيف والتجهيل والتتفيه، وفي غياب جيل الحركة الطلابية الأولى وجيل الدعاة ورواد الفضاءات الثقافية والتعبدية، نشأ جيل أو جيلان ممن لا يعرفون عن تاريخ النضال شيئا ولا عن هويات المناضلين.

صارت البلاد مهيأة لكل اختراق فتسلل إلى المشهد السياسي أدعياء بل وحتى أغبياء وغير أسوياء يبالغون في رفع الشعارات الجميلة ويدعون الشرف والفضيلة والنقاوة، شخوص من النكرات لا يعلم الناس عنهم سوءا ليس لأنهم كانوا مستقيمين بلا أخطاء، بل لأنهم كانوا لا يفعلون شيئا فكانوا هم الخطيئة ذاتها.

تسلل الخطاب الشعبوي إلى الساحة وأغرى كثيرا من محدودي الدخل المعرفي ومن القاصرين عن الحركة الذهنية ومن ذوي الاحتياجات المعرفية، أصبحوا كما أعمدة الدخان يحجبون قامات من المناضلين ومن ذوي التجارب والمواقف ممن خاضوا طويلا معارك التحرر ومعارك الأفكار والمعاني ودفعوا من أعماهم ومن سلامتهم البدنية أثمانا لا يدركها إلا من اشتاق إلى الحرية.

تتحمل النخبة التونسية اليوم مسؤولية تسلل الخطاب الشعبوي إلى الصفوف الأولى واحتلال أصحابه مواقع التأثير في مسار التجربة الديمقراطية يصبغونها بأوهامهم وادعاءاتهم وعقدهم النفسية بل ـ وهو الأخطر ـ بأحقادهم.

مطلوب من نخبتنا التي ناضلت طويلا ضد الاستبداد والتفاهة أن تناضل اليوم ضد الشعبوية وأصحابها فهم أخطر من الاستبداد على الوعي وعلى بناء دولة الحرية والعدالة والمعرفة وعلى التجربة الديمقراطية.

مطلوب من نخبتنا المثقفة ألا تترك لهؤلاء الشعبويين مزيدا من الفرص للهيمنة على وعي الناس وللاستثمار في “نقاوة” زائفة يدعونها وليس في تاريخهم ما يشفع لهم بذلك لأنهم ببساطة لم يكونوا يفعلون شيئا، فإذا ادعوا أنهم بلا أخطاء فقد علمنا أنهم كانوا الخطيئة ذاتها حين سكتوا حيث كان يجب أن يتكلموا وحين قعدوا حيث كان يجب أن يقوموا من أجل تونس ومن أجل التونسيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق