راي رئيسي

الدبلوماسية المتعثرة في تونس !

د. ابراهيم العمري

Ibrahim.omri@yahoo.fr

 

لم تلعب الدبلوماسية التونسية حاضرا وماضيا دورا فاعلا لأسباب موضوعية (صغر حجم الدولة والوزن الاقتصادي…) وأسباب ذاتية وهي الأخطر وهي العلاقات المتوترة مع الأجوار والمحيط العربي في عهد بورقيبة المزدري لكل ما هو عربي وإسلامي والمرتمي في أحضان فرنسا مذ قيادته لشق من الحركة الوطنية، والاستثمار في ظاهرة الإرهاب من طرف المخلوع ليوطد علاقته بالغرب وخصوصا فرنسا ولولا أحداث 11 سبتمبر 1991 لما شلت دبلوماسيته بحكم دكتاتوريته التي يزدريها الغرب ولو ظاهريا في ذلك الوقت.

أما بعد الثورة فالأمر لم يتطوّر كثيرا ولكن شهدت الدبلوماسية على امتداد 9 سنوات حركية معينة نظرا لتفاعل الغرب وبعض الدول العربية والإسلامية مع الثورة التونسية لخصوصيتها السلمية ودور الشعب (دون قيادة النخب الفكرية والسياسية) في إحداث التغيير على نحو لم ينظر له المفكرون سابقا أو طبقا لنماذج مسبقة الواردة في الفكر السياسي العلماني المدعي امتلاك نظريات التغيير الاجتماعي والسياسي. ولكن السنة الأخيرة – أي السنة العاشرة للثورة – فإنّ الدبلوماسية تعطلت نهائيا وكأنها متأثرة بالوضع الداخلي للبلاد الذي شلّته التحركات النقابية العشوائية التي تمارسها منظمة كانت ذات صيت عالمي وذلك إمعانا في معاقبة الشعب على القيام بثورة تقض مضاجع قوم أمعنوا في التملّق لبن علي حتى الصمت.

 

الدبلوماسية في عهد بورقيبة خاضعة لنزواته الشخصية

كما ذكرنا آنفا أنّ الدبلوماسية في ذلك العهد كانت مرتبطة كل الارتباط بفرنسا حيث كان ولاء بورقيبة الأعمى لها يجعله يعلن عن تغيير الوزراء من فرنسا وهذا له كل المعاني والدلالات كما أنّه عادى الجزائر وليبيا الكبريين وظلّت الدبلوماسية متوترة مع البلدين وبلغت أقصى درجاتها في أحداث قفصة 1980 حيث أرسل كومندوس (متكون من عناصر قومية تدربت في معسكرات القذافي وفي الجبهة الشعبية الفلسطينية بقيادة جورج حبش) من مخابرات البلدين وبعض البلدان الأخرى الغربية لتوجيه صفعة لبورقيبة حتى يلزم حدوده (كان الانقلاب مبرمجا في عهد بومدين بالتنسيق مع القذافي ولكن بوفاة بومدين أقتصر على توجيه الإنذار دون علم الرئيس بن جديد ولكن بعلم القذافي حيث لم يرسل المدد من البلدين كما كان متفقا عليه في البداية)، أمّا على مستوى المنطقة العربية فقد كان بورقيبة يعتبر أنّ العرب هم همج ومتخلفون فأدار لهم ظهره وولّى وجه نحو فرنسا التي يعتبرها الامتداد الطبيعي لتونس فربط تجارتنا الخارجية بها أولا ثم بالدول الأوربية الأخرى وهي قارّة لم تعد مستهلكة، حيث كان يقول: “إن مرسيليا أقرب لنا من بغداد أو دمشق أو القاهرة وأنّ اجتياز البحر المتوسط أيسر من اجتياز الصحراء الليبية” وقد احتدّ الصراع بين بورقيبة وعبد الناصر حول القضية الفلسطينية بعد تصريح بورقيبة بموقفه من قرار الأمم المتحدة عدد 242 القاضي بتقسيم فلسطين فخرجت مظاهرات في 28 أفريل 1965 في القاهرة استنكرتً تصريحات بورقيبة وهاجم عبد الناصر باسم العروبة بورقيبة والحال أنّه كان يفاوض الصهاينة سرّا فردت تونس بمظاهرات مماثلة من أهم شعاراتها “يا جمال أرجع يزيك راهي تونس فاقت بيك” و”تتغنون بالوحدة وتشتتون الصفوف” و”حطمت الآمال بنفاقك يا جمال”.

لقد ظلّت الدبلوماسية في عهد بورقيبة مرتبطة بنزواته الشخصية أكثر منها دبلوماسية تراعي مصلحة البلاد وتحقيق مكاسب للشعب التونسي وما سماها دبلوماسية الحياد في مواقع لا يجب فيها الحياد هي تعني العجز عن اتخاذ المواقف الضرورية التي تعبّر عن موقف الشعب الفعلية.

 

دبلوماسية بن علي والاستثمار في الإرهاب

حوصرت دبلوماسية بن علي كما حوصر نظامه السياسي بالخصوص بعد حملة الاعتقالات الواسعة في التسعينات الأمر الذي جعل بعض وزرائه (منهم عبد الله القلال وزير الداخلية آنذاك) ممنوعين من دخول الدول الأوربية بحكم صدور أحكام قضائية ضدّهم ولم يتمكن النظام السياسي من ربط علاقات على النحو الطبيعي إلا بعد أحداث 11 سبتمبر وتفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك سنة 1991 التي وجهت فيها أصابع الاتهام إلى رعايا خليجيون ممّا جعله يقدّم نفسه أنه يقاوم الإرهاب في تونس ويحمي ظهر أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد فندت هذه الادعاءات من خلال تحرّك الكثير من التيارات السياسية في تونس على مختلف مشاربها على المستوى الدولي وعن طريق رفع قضايا في محاكم حقوق الإنسان الدولية والهيئات الحقوقية المختلفة مماّ جعل علاقات بن علي تتراجع إلى مربع أشبه بالمحاصرة ما عدا فرنسا التي ساندته حتّى آخر لحظة من حكمه مقدمة كل الدعم للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والامتيازات التي منحها إيّاها.

أما فيما يتعلق بموقفه من غزو العراق فإنّ موقفه المتشبث بالشرعية الدولية وأنّ تونس مع موقف الأمم المتحدة فإنّ تلك المنظمة الدولية كانت ولازالت مرتهنة لدى الغرب عامة والصهاينة خاصة وأن موقفها كان يعني غزو العراق وبالتالي التشبث بالشرعية الدولية لا معنى له وهو محاولة لمخادعة الشعب وليس موقفا مبدئيا.

لم تكن الدبلوماسية التونسية نشيطة رغم محاولته الانفتاح على بعض الكفاءات لأنّ العوامل الموضوعية فضلا عن تلك الذاتية والوضع الذي عاشته البلاد من اغتيالات وقتل قرابة 400 ضحية واعتقالات ناهزت 60 ألف فرد حسب المعطيات المسجلة في دفاتر هيئة الحقيقة والكرامة ألقت بظلالها على العمل الدبلوماسي. فالنظام السياسي الديمقراطي تفتح له آفاقا رحبة ضمن المنظومة الدولية التي اتجهت في العقود الأخيرة إلى تكريس حقوق الإنسان والعكس صحيح حيث حوصرت العديد من الأنظمة الفاشية دبلوماسيا بسبب انتهاك حقوق الإنسان والحريّات العامة داخلها حتى أصبحت القروض المالية من الدول أو المؤسسات المالية الدولية مرتبطة بمدى احترام الدولة المقترضة لتلك الحقوق الأمر الذي جعل المخلوع يلجأ إلى تدليس المعطيات وتقديم أرقاما وهمية للجمعيات أو الانفتاح على بعض أحزاب المشتقة من حزب الدستور أو ذات التوجه القومي (الاتحاد الوحدوي الديمقراطي برئاسة عبد الرحمان التليلي وحزب الوحدة الشعبية) والحزب الشيوعي التونسي (الذي أصبح التجديد ثمّ المسار الذي قاده سمير بالطيب وزير الفلاحة السابق) كديكور ليبرز وجود معارضة (وهو الذي منحها مقاعد في البرلمان لأنها عجزت عن ذلك بمفردها).

 

الدبلوماسية متعثرة بعد الثورة

لم تستثمر الثورة جيدا في العلاقات الدولية لا سيما وأن كثيرا من الدول خصوصا الغربية حاولت إنجاح التجربة والاستثمار في تونس وربما يعود ذلك إلى قلة التجربة لأن النظام السياسي القديم لم يسمح للمعارضة بالمشاركة في الحياة السياسية الفعلية والترشح للانتخابات بصفة طبيعية لتتدرب على العمل المؤسسات الحكومية حتى أنها لمّا تولّت السلطة وجدت نفسها تتخبط في التجربة والخطأ ولكنها رغم ذلك خطت بعض الخطوات في مجال الدبلوماسية الاقتصادية وجلب الاستثمارات التي أفشلتها التحركات النقابية وأطردتها للانتصاب في دول أخرى.

وإذا كانت الدبلوماسية تعاني أصلا من عوائق منذ 1956 فإنها في السنة العاشرة من الثورة قد عرفت تعثرا ملحوظا بحكم التركيز على الصراعات الداخلية.

كما أنه حسب المعلومات الواردة في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي (التي أصبحت عنصر تسريب للمعلومات) أنّ وزير الخارجية غير متحمّس وأنّ تولّيه وزارة الخارجية تحت إلحاح شديد ربما لكونه من المنظومة القديمة ولا يستقيم ممارسة نشاط دبلوماسي في أطار سياسي مغاير (ثورة) أو لمرض أو أي سبب آخر ممّا يجعلنا نتساءل هل تونس على هذه الدرجة من العقم حتى تتوقف دبلوماسيتنا وتتعطل مصالح الدولة وهل تونس خالية من الكفاءات؟ ومهما كانت المبرّرات فإنّ الدبلوماسية تعود إلى صلاحيات رئيس الدولة طبقا للفصل 77 من الدستور حيث يتولّى تمثيل الدولة ويضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية وبالتالي مهمة تنشيط الدبلوماسية هي رهينة الإيمان بهذه الصلاحية على النحو الذي يكفل حضور الدولة الدائم في المحافل الدولية بأعلى درجات التمثيل في الحالات التي تقتضي ذلك وهوما جعل الشعب يتساءل عن غياب رئيس الدولة في قمم عل درجة عالية من الأهمية (القمة الإفريقية الأخيرة) أو غيرها من القمم الأخرى الهامة أو لا يقتنص فرص الاستثمار في علاقات الجوار على غرار الغياب شبه الكلي عن الملف الليبي والحال أن دولا أخرى (مصر) أسرعت الخطى وغيرت مواقفها من النقيض إلى النقيض للفوز ببعض الحصص للمشاركة في إعادة إعمار ليبيا، وقد كانت تمثّل فرصة لحل جزء من أزمتنا الاقتصادية الهيكلية.

 

ما هي نتائج الدبلوماسية التونسية في فترة الرئاسة الحالية؟

سأقتصر عن سرد النتائج الاقتصادية بحكم الظرف الاقتصادي المتردي الذي تعيشه البلاد والمتطلب لبذل أقصى الجهد لتجاوزه:

  1. عدم الاستفادة من المصالحة في ليبيا والحصول على حصص في إعادة بناء ليبيا وهي الامتداد الطبيعي والاستراتيجي لنا وقد سبق تاريخيا أنّ استفادت اليد العاملة التونسية كثيرا من الفرض التي أتاحتها ليبيا لنا رغم توتر العلاقات السياسية بين القذافي وبورقيبة.
  2. فتح أسواق جديدة بالخصوص في إفريقيا لأنّ هذه السوق الواسعة تسمح لنا بتحقيق مبادلات تجارية أعلى من تلك التي نحققها في السوق الأوربية التقليدية
  3. توتر العلاقات مع المنظمات المالية الدولية قد تؤدي إلى توقف التمويلات التي تحتاجها البلاد لتسيير دواليبها لاسيما أن الميزانية تحتاج إلى تمويل من هذه المؤسسات عن طريق الإقراض.

إن وضع البلاد يحتاج إلى ضم الجهود بين كل مؤسسات الدولة رئاسة وحكومة ومجلس النواب للخروج من وضع صعب للغاية على كل المستويات والذات الاقتصادي منها لزرع الأمل في نفوس الناس وتحقيق انتظارات الشعب في التنمية العادلة والمتوازنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق