الافتتاحية

الدرس الأمريكي..
ما الذي ننتظره من الانتخابات الأمريكية؟

ما يلفت الانتباه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي سماها ترامب وحتى منافسه بايدن بانها أهم انتخابات في تاريخ أمريكا.. اللافت فيها التركيز الشديد للقنوات العربية من الجزيرة إلى آخر القنوات المحسوبة على دولة الإمارات العربية المتحدة.. وكأن الانتخابات الأمريكية شأن عربي داخلي ..

وقد بدا واضحا أيضا التنافس الخفيّ بين هذه القنوات، قائم بين من يدعمون بايدن ومن يتمنون فوز ترامب، وكأن الانتخابات الأمريكية ومخرجاتها سواء فاز هذا أو ذاك، سيكون فيها أيّ تغيير جذري، في السياسة الخارجية الأمريكيّة، وكأن المنطقة ستصبح جنّة لو انهزم ترامب أو فاز بايدن.. في حين أن الثابت السياسي الوحيد في السياسة الخارجية لأمريكا هي مصالحها فقط مهما اختلف الرؤساء أو الأحزاب سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية..

صحيح أن السياسات الأمريكية مؤثرة إن لم تكن محدّدة في المنطقة، ولكن هذا لا يعني أنها ستتغير بتغير اسم ساكن البيت الأبيض.. أو على الأقل هي لن تتغير بالشكل الذي يتصوّره البعض، فالذي يصنع السياسات في الولايات المتحدة ليس الرئيس ولا البيت الأبيض، إنما هي مراكز البحوث والدراسات أو ما يسمّى بالـ THINK TANK.

وقد يحدث تغيّر جزئي ومحدود في بعض الملفات ولكن القضايا الكبرى تبقى محلّ إجماع، سواء كان الرئيس ترامب أو بايدين.. ونفس الشيء يقال في الكثير من الملفات الأخرى بما في ذلك ملف دعم التحوّل الديمقراطي في المنطقة ومساندة الثورات العربية، فالواضح رغم بعض الغبش الذي شاب الموقف الأمريكي في بعض المواقع والأماكن، هو مواصلة أمريكا دعمها للربيع العربي، وللتحوّل الديمقراطي في المنطقة..

بل لعل بعض ما وقع زمن أوباما ينسف ذلك التقسيم التقليدي الذي يقدّم الديمقراطيين على أنهم أنصار الربيع العربي فيما الجمهوريون أعداؤه، فما ينساه هؤلاء هو أن إسقاط الرئيس محمد مرسي رحمه الله كان في زمن حكم أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون.. وليس في عهد الجمهوريين.. ولكن الجمهوريون في المقابل انتصروا إلى حكومة الثورة في ليبيا مقابل فرنسا وروسيا والإمارات ومصر، كما واصلوا دعمهم إلى الآن للتجربة التونسية.. ما يعني أن ملفات كثير ستكون محكومة بالاستراتيجيات الكبرى لأمريكا وليس لمن يسكن البيت الأبيض.

علاوة على ذلك كان البعض ينتظر أن يكون قدومُ ترامب مقدّمة لنهاية تجارب الإسلام السياسي في الحكم بعد ثورات الربيع العربي، وتصنيف بعضها كحركات إرهابية وربما شن حرب على تركيا..

لكن الحاصل منذ أربع سنوات حكم لترامب، كان مختلفا، فرغم الضغوط الرهيبة التي مورست عليه لم يصنف ترامب الحركات الإسلامية ذات النفس الإخواني حركات إرهابية، وبدل شن حرب على تركيا بدا متحالفا معها في العديد من الملفات وأبرزها الملف الليبي، وقضية النزاع في شرق المتوسط في البداية على الأقل.. وغيرها من الملفات..

نقول هذا الكلام ونحن الآن لم تعد تفصلنا سوى سويعات عن إعلان النتائج، ولعلها تصدر والجريدة تحت الطبع، وبغض النظر عن الفائز، فإن ما يجب التأكيد عليه هو أنّ تغيير أوضاع عالمنا العربي لن يكون مرهونا بشخص الفائز برئاسة البيت الأبيض، بل بإرادتنا نحن في النهوض الحضاري وفي الانتقال الديمقراطي وفي التحوّل من دول “نائمة” إلى دول نامية بالفعل..

والأهم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتأثيراتها علينا، هو مدى تضرّر صورة الديمقراطية الأمريكية خاصة والغربية على وجه العموم.. لا فقط لأنها باتت تفرز شعبوية أضحت هي نفسها تهديدا للديمقراطية الغربية.. حتى بات البعض يتحدّث عن أزمة في الديمقراطية الغربية.. بينما نحن نستعد لولوج عصر الديمقراطية..

ولكن لأنها باتت تمثل تهديدا لواحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم..

فاليوم هناك حديث عن محاولة “سرقة” الانتخابات وهي تترجم بلغتنا تزييفها… وهناك تهديد من الطرفين باللجوء إلى القضاء.. ومخاوف كبيرة من نزول المسلحين والمتظاهرين إلى الشوارع احتاجا على محاولة سرقة الانتخابات كما قال ترامب..

ومن قبل وقع نفس التراشق بالتهم في الانتخابات الأخيرة سنة 2016، وتم الحديث عن اختراق روسي للانتخابات واتهام شركات بالتأثير على الناخبين وفُتح في ذلك تحقيق انتهى بمحاكمة للرئيس الترامب في مجلس النواب..  ولولا أن كانت موازين القوى في مجلس الشيوخ لصالح الجمهوريين لربما تمت محاكمة الرئيس وعزله من منصبه..

صحيح أن هذه الظواهر لم تخرج بعد عن السيطرة ولا زالت أحداثا معزولة ولكنها تتطور من انتخابات إلى أخرى وقد تتحوّل إلى أعمال عنف تهدد وحدة الولايات المتحدة الأمريكيّة وأمنها..

علينا نحن أن نراقب التطوّرات في هذا الجانب كما أعتقد، أي من منطلق صعود الشعبوية في بلادنا وفي العالم وتهديدها لتجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي.. وما يبشّر به البعض من موت السياسة والسياسيين والدخول في عالم الكومونات أو السوفياتات أو اللجان سواء كانت شعبية أم لا..

المطروح علينا النظر والتأمل في مسار التحوّلات الديمقراطية في العالم وكيفية الاستفادة منها للتوقّي من هذه الظاهرة..

اليوم وحتى في حال فوز بايدن، فإن ترامب ترك بصمة عميقة في السياسة الأمريكية وخاصة في الشارع الأمريكي، ولا يظن أحد أن خسارة ترامب حتى وإن حصلت ستكون نهاية للنهج الذي اختطه لنفسه وصنع من خلاله تيّارا كبيرا في الولايات المتحدة الأمريكية يعتبره مبعوث العناية الإلاهية والرسول المُخلّص لهم من كل شرور السياسة والسياسيين..

نفس الخطاب ونفس الآليات للترويح التي نشاهدها في تجربتنا ومن خلال الصعود القوّي للشعبوية في بلادنا.. القائم على طهورية زائفة وعلى فكرة الشخص المخلص من أوحال السياسة والسياسيين الذي يأتي من خارج الطبقة السياسية والمبشّر بجنة لا برلمان فيها ولا نواب ولا أحزاب ولا دستور إلا ما كتب على “النصب”..

ما يؤكد أن الشعبوية خطر يهدّد كل بلدان العالم، ويهدّد بناها السياسية والاجتماعية وربما الفكرية والثقافية، وهو خطر يجب التصدّي له بكل الوسائل السلمية الممكنة، وعلينا أن نستفيد من تجارب دول العالم في التصدّي لهذه الظاهرة..

والواضح أن معالجة هذه الظاهرة سيكون صعبا، ولا خيار آخر للتصدّي لها غير المزيد من الديمقراطية.. والتمسّك بها والعض عليها بالنواذج.. وهذا هو الدرس الأمريكي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق