راي رئيسي

الدين والسياسة: متى نهدم سجن الإغريق؟

لست من مطمئنا للحقيقة المدرسية التي تؤكد أن ميلاد الفلسفة كان في أثينا، وأنّ حكماء الإغريق أول من تفلسف، رغم الهيمنة الخالدة لحيرتهم على حاسّة التفكّر ومقاربات تعقل العالم كما تعرضها سرديّات الفلسفة قديمها وحديثها.

نحاول رفع الغطاء عن حجم التسلط المعرفي أو ما يحلو لنقديات ما بعد نيتشه بتسميتها بإمبريالية المعنى في العلاقة بحدود الفصل والوصل بين السياسة والدين.

سؤال الدين والسياسة هو في الجوهر سؤال بحث في الماهية الإنسانية (من أنا). وقد مارست الفلسفة الإغريقية على حدوده سلطة مرجعية قاهرة لتعقل السؤال من خلال فصلها المنهجي بين الذات والموضوع، لتؤسس بالنهاية “لقالب الثنائية” كبنية ذهنية ثابتة في تعقل الوجود والموجود.

كانت المانوية التي فصلت بين عالم النور والظلمة مقدّمة لم تكتفي باستغراق التفكير في الوجود بل تعدّت ذلك لتستوعب التفكير في التاريخ.

تداعت من ثنائية النور والظلمة ثنائيات الواجد والموجود، والخير والشر، والروح والجسد، والمقدس والمدنس، والمطلق والنسبي، والسالب والموجب، والحرية والضرورة، والعقل والغريزة، والفرد والجماعة، وما ثنائية الديني والسياسي. سوى حلقة في سلسلة الثنائيات التي تداعت تباعا من طرافة مقترح الفصل بين الذات والموضوع.

إنّ طرح إشكالية الديني والسياسي والبحث عن ممكنات منهجية أخرى لاستيعابها خارج القوالب الذهنية التي أسس لها العقل الإغريقي، طموح نظري مشروع اشتغلت عليه الفلسفة قديما وحديثا، ولكنها في تقديري فشلت في تجاوز القالب الإغريقي الذي بقي يمارس هيمنة معرفية، تعبر عنها نصوص فلسفة ما بعد الحداثة بإمبريالية المعنى، في إشارة إلى ضرورة مغادرة مربّع التمركز حول العقل الإغريقي والأوروبي في مرحلة تالية.

الغريب وربما الصادم أن محاولات فكّ الارتباط بالقالب الإغريقي، انتهت إلى تشظّي المعنى، وتشريد الدلالة في أفق عدمي يبحث عن المعاني في أخاديد البوهيمية وتقويض مبدأ الحقيقة ذاته، على ما حفلت به كتابات ما بعد الحداثة منذ نيتشه إلى اليوم.

ثنائية الديني والسياسي وبقطع النظر عن شرعية ومشروعية القول بالفصل أو الوصل، ليست إشكالية كونية عامّة على ما يروّجه “العقل المتوسّطي” أو مركز أديان التوحيد. فشعوب أقاصي شرق آسيا وحضاراتها، كما الفضاء الإفريقي الأسود، وأمريكا الجنوبية لم تعرف هذه الإشكالية. فالبوذية مثلا تستنكه الوجود في قالب دائري متوالد جوهره تجاوز فكرة البداية والنهاية والفصل بين الذات والموضوع.

يبدو لنا هذا المدخل في استعادة إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي كحقل تأويلي جديد، جوهره محاولة الفكاك من سلطة فكرة “الثنائية” ذاتها، دون السقوط في فخ فلسفة وحدة الوجود. ففلسفة وحدة الوجود تأسست في مسار الحوارية والسجال مع مقدّمة الفصل بين الذات والموضوع، وما تداعى منها من ثنائيات الفلسفة المتوسطية.

وحدة الوجود مذهب فلسفي يقول بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق، وهو صورة هذا العالم المخلوق، فلا وجود للمادّة وظواهرها بذاتها بل هي مجرّد صورة تعكس حضور الله في المرئي والمحسوس وهي فكرة قديمة أعاد إحياءها بعض المتصوفة من أمثال: ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والتلمساني والذين تأثروا بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة وفلسفة الرواقيين.

ويمكن اعتبار سبينوزا وهيغل أبرز من انتظم في هذه المدرسة من فلاسفة التنوير الأوروبي.

هذه الفكرة هي بالنهاية محاولة متجددة في تركيز قالب الثنائية في أفق الوحدة والدمج وليست تجاوزا لمحنة التناظر بين الذات والموضوع.

ضمن هذا السياق برزت الفلسفة السياسية “يتيمة الحيّ” بدون أب سرعان ما انقضّ عليها العقل العملي وروّضها إبستمولوجيا في قالب ما سمّي تجاوزا بالعلوم السياسية.

هل نخطأ التأويل إذا قلنا أن الفلسفة السياسية لم تكتب بيانها وانتهت قبل أن تبدأ؟

أرسطو في تقديري هو من يقع عليه وزر موت الفلسفة السياسية في مهدها صبية. فقد اغتالها يوم صنّفها ضمن العملي والتطبيقي رغم أنه ومن منظور أنطولوجي أوّل من فتح شهيّة العقل للتفكّر “في” السياسة يوم كتب أن “السياسة لغة”، ولا أدري هل هرب بعدها من قلة حيلة أو من حكمة إلى سؤال الموجود الاجتماعي، وحوليّات السياسة بدل مواصلة مغامرة التفكير في الجوهر السياسي.

لعل بروز ما سمّي بالعلوم السياسية التي اشتغلت على إحصاء وترتيب الأنظمة السياسيّة، وعلم الاجتماع السياسي الباحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية، ليس سوى إفرازا ونتيجة لما بعد هروب أرسطو من صداع التفكير “في” السياسة واستقراره على أرض التفكير “حولها” أو في محيطها الذي يبقى بالنهاية محيطا أفلاطونيا بامتياز.

بالعودة الآن إلى إشكالية علاقة الديني بالسياسي نعتمد على عنصر مكوّن في الإشكالية وهو المتصل بالقالب الإغريقي الذي فرض علينا ثابت الثنائيات في تشكل بنية تفكيرنا في هذه الإشكالية.

كل الرهان في تقديرنا لتفكير مغاير في الديني والسياسي هو التحرّر من تلك البنية الذهنية التي نحملها المسؤولية المعرفية عن النهاية الحزينة التي انتهى عندها التفكير في السياسة والدين إلى أفق دائري مزعج ينتهي من حيث بدأ. فعلوم الدين والسياسة لم تفعل بالنهاية سوى إعادة ترتيب عناصر الإشكالية وتوزيعها بين غرف الفصل المنهجي بين ما يتعلق بالرمزي والمادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق