راي رئيسي

الرئيس المدهش!

الفيديو لم يتجاوز الست وثلاثين ثانية نشره موقع الرئاسة ثم سرعان ما سحبه، وفيه ورئيس الجمهورية قيس سعيد يسلم مدير التشريفات رسالة مطوية مختومة بالشمع الأحمر ومكتوبة بالخط الكوفي.

اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلا مع الفيديو الغريب العجيب وكانت جل التعليقات ساخرة مما اقترفه سيادته، من زلة تواصلية جديدة أضرت كثيرا بصورته وهيبة الدولة.

قيس سعيد ومنذ توليه مقاليد قرطاج يثبت أنه عاجز على القيام بمهامه كرئيس، هذه الخلاصة المفزعة يكاد يجمع عليها كل المتابعين في الداخل والخارج.

وبالعودة لأصل مضمون “الرسالة التاريخية” فقد رد فيها على مراسلة لرئاسة الحكومة تدعوه إلى استدعاء الوزراء الذين أجازهم البرلمان لأداء اليمين الدستوري بعد أكثر من أسبوعين من الانتظار، دعوى رئيس الدولة تقول أن هناك وزراء فاسدين، ورد القصبة وباردو كان أن ليس من دوره ولا من َوظيفته أن يحكم على الوزراء بالفساد، وأن رئيس الدولة بعد أن حاول السيطرة على الجهاز الأمني لبس جبة القاضي وأصدر أحكامه جزافا بدعوى امتلاكه لملفات أمنية. وللخروج من هذا المأزق الذي استغرب له ومنه المراقبون الجديون ليوميات الحالة التونسية سارع المشيشي بعد طول انتظار إلى إقالة خمسة وزراء محسوبين على الرئيس في ضربة استباقية موجعة، واستعمل آلية تسيير الوزارات بالنيابة في انتظار ايجاد حل لأزمة التحوير الوزاري.

تذكير كرونولوجيا الأحداث كما تتالت منذ 26 جانفي تاريخ تصويت البرلمان بأغلبية مريحة وقد كانت قصة الرسالة المسمومة واستعمال الرئيس للمساجد وزيارته الشعبوية للأسواق من بعض بهارات المشهد الموبوء بعمق القطيعة بين الرئيس ورئيس الوزراء الذي اختاره وعينه ثم تخلى عنه بعد يوم فقط، بعد أن تأكد أنه لن يكون الرجل المناسب للعب دور الوزير الأول، ليتحكم من خلاله في مفاصل الدولة ضمن برنامجه الانقلابي على المنظومة القائمة.

شخصية الرئيس العدوانية والمهوسة بالطهورية واحتكار السلطة أعادت للساحة  السجال حول برنامجه الانقلابي على السائد الدستوري والسياسي، باستعمال السيستام  واحتكار تأويله للدستور مستفيدا من ثغرة غياب المحكمة الدستورية.

وكان قبل ذلك قد راهن على امكانية استعمال الجيش والمؤسسة الامنية لتنزيل برنامجه المسمى بحكم الكونتات .

لم يفهم ولم يستوعب الرئيس إلى حد الساعة أنه انتخب في إطار نظام سياسي قائم وراسخ وقابل للتعديل من داخله من خلال آليات دستورية وتمشي سياسي واضح، وأن زمن استعمال أدوات الدولة للانقلاب على المنظومة والنظام.

محنة الدولة والسياسة قصة حزينة وقد تتحول إلى خطر سنتابع فصوله في السنوات الثلاثة القادمة ويمكن أن تنتهي بإسقاط السقف على الجميع أو بسحب الثقة من الرئيس الذي أمعن في دفع ديمقراطيتنا إلى أفق المسخرة.

قيس سعيد ومن خلال المؤشرات الظاهرة من سلوكه السياسي سيواصل محاولاتَ الانقضاض على الحكم كل الحكم، حتى وإن كلّف ذلك البلاد الدخول إلى المجهول، فهو يتحرك بقناعة صوفية على أنه مبعوث العناية الالاهية، وهذا الايمان الصوفي بالرسالة والوظيفة تجلّى عندما ردد أكثر من مرة أنه مستعد للشهادة من أجل “شيء ما”  لا يعلمه إلا الراسخون في العلم وسيادته، وقلة من الأولين من حوارييه وثلة من اللاحقين  في ديوانه العلي..

164 مليار من مليماتنا هي الميزانية التي طلبها رئيسنا الزاهد ليتجاوز بذلك كل الرؤساء الذين سبقوه ولا ندري لماذا طلب هذا المبلغ والرجل جمد تقريبا نشاطه الخارجي وشل ديبلوماسيتنا، بعض المراقبين أكدوا أن مديرة الديوان تستعمل تلك الأموال لشراء ذمم الاعلاميين والمدونين وصفحات الفايسبوك الشهيرة، وقد سربت مكالمة تدعو فيها نادية عكاشة أحد المدونين للتهجم على موظف في وزارة الخارجية، ممّا يؤكد أن تلك الأموال تستعمل في أغراض لا علاقة لها بدور ووظيفة رئيس الدولة.

الغريب والمستغرب أن أحزابا كانت في الأمس القريب محترمة تؤيد وتدافع بشراسة على الرئيس رغم أن القاصي والداني اليوم يعلم أن أداءه منذ توليه لمهامه كان كارثيا. وهو ما يحيل على عمق الأزمة الأخلاقية للحياة العامة، ومن ورائها ومن تحتها موت السياسة، وموت كل المعاني النبيلة التي أسست لها.

ليس من الصدفة أن تتعاضد جهود عبير موسى رئيسة الحزب الحر الدستوري التي لا تعترف بالثورَة ولا بدستورها، مع سعي الرئيس المواظب في تشليك الدولة وتخوين الجميع ونعتهم بالفساد على ما جاء في رسالته الغريبة للمشيشي، فمشهد العبث يعمم منهجيا على كل مربعات الحكم، والبلاد على كف عفريت، والجميع عاجز عن تقديم الحلول للورطة التاريخية التي مكنت سعيد من الوصول للرئاسة بشرعية انتخابية وشعبية فاقت السبعين بالمائة.

لا أحد يملك حقيقة ما جرى مع تسلل سعيد من شباك الشعبوية إلى قرطاج، ولكن ما صدر عنه ومنه منذ انتخابه يعزز حجج القائلين منذ انتخابه بأن تسلل سعيد كان مبرمجا ومخططا وموجها، لضرب السلم الأهلي ونسف المسار السياسي الذي أفرزته الثورة.

ولكن ما يحدث هذه الايام من مهازل يصنع يومياتها الرئيس تحديدا تجعلني اتحمس لفكرة البحث عن أقوم الطرق الدستورية  لعزل الرئيس، فوجوده في قرطاج خطر على الدولة ومصيبة على الديمقراطية تهدد بجدية نسف أسس اجتماعنا السياسي الذي يغبطنا عليه أشقاءنا العرب في المشرق والمغرب.

صعود بايدن وخروج الحالة الليبية من أخاديد التحارب إلى أفق السلم والاستقرار قد تساعدنا في الاشهر القادمة لمعالجة سليمة لحالة رئيسنا الذي لم نطالبه إلى حد الساعة إلا بالالتزام بالدستور، وأن يقوم بوظيفته في حدود الصلاحيات الممنوحة له وهي صلاحيات حيوية واستراتيجية، ولعل ما أقترفه سعيد إلى حد اليوم يفيدنا في تغيير المنظومة الدستورية الهجينة والمرهقة، ومراجعة النظام السياسي وتركيز المحكمة الدستورية، ضرورة قصوى وأم الاولويات التي يجب الاشتغال عليها في الأسابيع القادمة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق