راي رئيسي

الرئيس المعارض!

عند تدشينه للمستشفى المتنقل بقبلي كان المفترض والمنتظر أن يوجّه الرئيس تحيّة تقدير لدولة قطر التي تبرّعت مشكورة بالمستشفى المتنقل. كما كان منتظرا أن تكون كلمة الرئيس في سياق صحّي يشكر الجهاز الحكومي ويُشير للإخلالات إن وجدت ويقترح مخرجات أو حلول للوضع الاستثنائي الذي تعيشه البلاد خلال وبعد موجة الوباء. وأن يهنّئ الشعب وكل المتدخّلين على قرب نهاية محنتنا مع الوباء بشهادة مشرّفة هذا ما كان منتظرا من أي رئيس عادي بمعنى غير موهوب وغير استثنائي.

كتبت منذ شهرين أو يزيد أن قيس سعيد يرفض أن يكون رئيسا، فلا أدري حقيقة لماذا ترشح للمنصب وهو مذ تولّيه عهدته الرئاسية بوكالة حوالي ثلاثة ملايين ناخب، لا يكف عن ترذيل المناصب والكراسي لابسا جبة الزهد والتعفف والورع المخاتل. ولا يترك فرصة تمرّ دون أن يوجه قصفه، الثقيل تعبيرا والركيك نبرةً، للنظام السياسي الذي يتربع على قمته، وللمنظومة الدستورية التي اوصلته لرئاسة يقول عنها ببساطة باهتة، أنها ابتلاء إلاهي تستوجب الصبر عليها استدرارا لعطف الجمهور علّه ينقذه من ورطة الكرسي الوثير.

لعبة سمجة حدّ الركاكة يصرّ الرئيس على تكرارها بصفاقة متحيّل لعوب.

خطاب قبلي الذي خلّف عاصفة من ردود الأفعال لم يشذّ عن القاعدة ففي كل مرّة يتكلّم الرئيس يثبت شذوذ الرسائل التي يطلقها يمينا ويسارا.

القلّة القليلة التي مازالت ترى في قيس سعيد رئيسا كانت تنتظر منه أن يضع النقاط على الحروف في موضوع علاقته بالحملة المسعورة الداعية لإسقاط التجربة وأن يتبرّأ بوضوح وحسم والصوت العالي من الدعوات الصادرة في الأسابيع الأخيرة لحلّ البرلمان وإسقاط الحكومة، ومركزة السلطة بيد الرئيس. أي ببساطة نسف منظومة الثورة ومنجزها الدستوري السياسي.

كانت تلك القلّة التي ما زالت تتوسّم فيه خيرا كانت تنتظر الرئيس أن لا يتبرّأ فقط، بل أن يدين بقايا الانقلابيّين بأذرعتهم الداخلية والخارجية ويهدّدهم بالمتاح الدستوري والقانوني وأن يطمئن التونسيين أن الدولة والنظام أرسخ من أن تهتز لصيحة الديكة المذبوحة وأن قناعة الرئيس الانتخابية بتغيير النظام السياسي لا علاقة لها بأي دعوة للفوضى وتندرج في سياق مغاير لرغبات قوى الردّة والتآمر على أمن واستقرار البلاد.

الرئيس المغترب في مخيال الطهورية لم يقصر في كتابة صفحة جديدة من كرّاس الخيبة، وشذ عن المأمول والمعقول فصدم الجميع بجملة انقلابية قاتلة انتصر فيها لمطلوب المشروعية على حساب مبدأ الشرعية. وقال “لا شرعية من دون مشروعية” ليستعيد قصدا أو من غير قصد الشعار الذي ردّده رموز اعتصام الرحيل زمن حكم الترويكا الذي كاد أن يعصف بالتجربة والمسار لو لا لطف الله وحكمة قلّة من النخب.

سنحاول بداية رصد معاني الشرعيّة، والفرق بينها وبين المشروعية، لأن جزء كبيرا من الرأي العام استشكلت عليه جملة الرئيس وحاول البعض امتصاص معنى الانقلابية وفسخ الموجود السياسي في حوامل الجملة القاتلة.

الشرعيّة تتصل دائما بالانطولوجي أو التأسيسي أي بمبرّر وجود الحال أو الفعل. مفهوم الشرعية في الفقه الدستوري برز كترجمة لكلمة Legitimacy، بالإنجليزية ومدار المفهوم يتكثف عند الأسس التي تعتمد عليها الهيئة الحاكمة في ممارستها للسلطة. ومعنى حق الحكومة في ممارسة السلطة وتقبُّل المحكومين لهذا الحق.

الأصل اللاتيني لكلمة “Legitimacy” هو “Legitimus” وقد استخدمه الرومان بمعنى التطابق مع القانون، وتطوّر مع عصر النهضة ليعبّر عن العقل الخلاق والوعي الجماعي. ويعتبر “جون لوك” أول من استخدم مفهوم الشرعية كأساس لتحليل ظاهرة السلطة. أما في العصور الحديثة فقد تطوّر ليحيل على اختيار وتقبل المحكومين للحكام والنظام السياسي، وهكذا برز عنصرا الاختيار والرضا كعناصر أساسية لمفهوم الشرعية، ولقد طرحت العديد من التعريفات لمفهوم الشرعية ضمن مدار فكرة الطاعة السياسية، أي حول الأسس التي على أساسها يتقبل أفراد المجتمع النظام السياسي ويخضعون له طواعية.

أمّا المشروعية في القاموس القانوني فتعني “legality” أي خضوع نشاط السلطات الإدارية ونشاط المواطنين للقانون الوضعي.

القاموس القانوني لا يوضّح ما نحن بصدده، فمقصد الرئيس نجده في تأويل عالم الاجتماع ماكس فيبر في الموضوع حيث يركز الأخير في كتابه “العالم والسياسي” على البعد الوظيفي للمفهوم المتصل بمعنى المردودية والنجاعة، لا معنى المطابقة مع القانون.

فالرئيس إذا يقول أن لا شرعية بدون مشروعيّة أي بدون أداء وظيفي ناجع وناجح لذلك لوّح بمبدأ سحب الوكالة الدستورية للشرعيات القائمة بما فيها الشرعية النيابية بدالة ومعيار المشروعية والقدرة ولنجاعة.

ماذا تعني الترجمة السياسية المباشرة القول لا شرعية بدون مشروعية وأنّ من أعطى الوكالة من حقه سحبها.

الرئيس عند هذا الحدّ يلبس جبّة المعارض الراديكالي للجهاز التنفيذي ويلبس بزّة الانقلابي على البرلمان الذي أفرزه.

لن نستسهل الربط بين دعوة الرئيس لسحب الشرعية عن الشرعية القائمة بدالة ضعف المردودية والنجاعة ودعوة جيوب الردّة وأذرع التآمر الدولي والإقليمي على أمن البلاد واستقرارها لأن ذلك يعني ببساطة تجريم الرئيس واتهامه بالتآمر على الثورة والدولة. ولكن نسجّل أنّه أنعش بجملته البائسة صفوف الانقلابيّين وصعّد من جاهزيتهم السياسية للانقضاض على الموجود السياسي.

وهذا ما يفسّر الردود العاصفة على خطاب الرئيس فوقع في ساعات قليلة أكثر من نصف مليون مواطن على عريضة تطالب بسحب الوكالة عن الرئيس وإقالته من منصبه.

ورغم أنّ جزء من النخب يحصر الحماس لتلك الدعوة في جمهور الاسلاميّين فإنّ ذلك لا ينقص من عمق الرسالة السياسيّة للمبادرة خاصة إذا استحضرنا الاستهداف المباشر لحركة النهضة ورمزها من طرف أنصار الرئيس من جهة ومن الآلة الدعائيّة الضخمة للحزب الدستوري الحرّ المتحمّسة زعيمته للانتقام من الإسلاميّين وشطبهم من خارطة التواجد في مجتمع الحكم. فحركة النهضة هي العمود الفقري للمنظومة السائدة بعد الثورة ممّا جعلها في مرمى نيران. كل الاستراتيجيات الناشطة على عنوان إسقاط المسار. وفي هذا السياق لا يضعف من دلالة الرسالة السياسية من وراء الدعوة لسحب الوكالة من الرئيس كون جمهور الإسلاميّين الأكثر تحمّسا للمبادرة ولعلّ من النباهة أن نشير في هذا السياق السجالي أن الجمهور الأكثر اندفاعا وحماسة في الدفاع عن الرئيس ليس من ناخبيه بل من أتباع عبير موسي والحزب الحرّ الدستوري. فمن كان يتصور أن تصل السرياليّة العبثية إلى حدّ تكريم الفضيلة للرّذيلة في محفل الرقص على نخب الحقد الإيديولوجي الأعمى.

خطاب الرئيس في قبلي كان خطيئة سياسية موصوفة عمّقت القلق على أمن البلاد ومستقبلها وشرّعت للشكوك حول الرجل الغامض الذي لا يفوت فرصة دون أن يذكّرنا أنّه المضاد السياسي للنصاب الدستوري القائم وأنه مشروع نقيض للنظام السياسي في تونس الجديدة. فالرئيس بقدر ما أبان على قدرة سياسيّة ضعيفة في الحكم يبدو أنه مصرّ على أن يبقى المعارض الأكبر والوحيد لمنظومة حكم صعد على أساسها للحكم وكان من المفترض أن يجسدها في أعلى هرمها، فاختار أن يرذّلها وحرّض على إسقاطها.

تونس الاستثناء يحوّلها الرئيس المعارض إلى تونس الشذوذ.. ولا يبالي..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق