راي رئيسي

الرئيس المعطِّل واللاّديمقراطي !

بعد رسالة رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس نواب الشعب حول المحكمة الدستورية مساء السبت 03 أفريل 2021، وتصريحاته بعد يومين بالمنستير، في ذكرى وفاة الرئيس الحبيب بورقيبة رحمه الله تعالى يوم 06 أفريل، وفي ضوء التسريبات الجديدة المنسوبة لمايا القصوري، يتبيّن بما يقطع الشك باليقين، أنّ الرئيس قيس سعيّد مُعطّل لدواليب الدولة وذا نزعة رئاسوية وثقافة لا ديمقراطية، بما يجعله تهديدا حقيقيا للجمهورية. فقد أفصحت الرسالة والتصريحات على طعن الرئيس سعيّد أصلا في شرعية مسار إرساء المحكمة الدستورية، حين حكم على “المجلس النيابي” بالخرق الواضح للدستور ووضْع نفسه في “موقف دستوري مستحيل”. وهو لا يرى إمكانية لإرساء هذه المحكمة التي انقضت آجالها طبق الدستور الحالي، وصارت في نظره “محكمة لتصفية الحسابات”. وجوهر رسالة الرئيس غير المصرّح به، أنّ المحكمة الدستورية مرفوضة ولا مجال لإرسائها، لأنّها في مؤدياتها محاولة للحدّ من سلطات رئيس الجمهورية واحتكاره لتأويل الدستور وإرادته في إدارة كل شؤون الحكم من قصر قرطاج، كما تؤكد التسريبات، وقد تكون أداة لعزله.

لن نتوقّف كثيرا عند شكل الرسالة والمعجم القرآني والأدبي الذي استند إليه الرئيس سعيّد. ونكتفي بالإشارة إلى ما شدّ انتباه كثير من الناس في صيغة التحيّة مطلع الرسالة وختامها. فقد وضع الرئيس سعيد نفسه في مقام النبيّ عيسى ابن مريم الذي نطق في المهد “السلام عليّ…” ووضع مخاطبه في مقام فرعون الذي حيّاه النبيّ موسى بعبارة “السلام على من اتّبع الهدى”. والتي اعتبرها بعض علماء المسلمين تحية المسلم لغير المسلمين. ولا يتيح المجال التوقّف عند بنية خطاب الرئيس المتذبذبة بين المنزع الحرفي الظاهري في التعاطي مع النصوص الغالب عليه، وبين النزعة المقاصدية التي يذكّر بها أحيانا للمزايدة على خصومه. ونهتمّ أساسا بالمضمون السياسي للرسالة والتصريحات.

فقد استند رئيس الجمهورية إلى النقطة 5 من الفصل 148 من الدستور في باب الأحكام الانتقالية، لينتهي إلى أنّ آجال إرساء المحكمة المحدّدة بسنة بعد انتخابات 2014 انقضت. وحمّل المسؤولية بوضوح إلى مجلس نواب الشعب وحده، ولمن فوّتوا الآجال واهتموا بـ “التوافق” وكانوا في “نوم أو تناوم” لمدّة ستّ سنوات. واعتبر المجلس في “موقف دستوري مستحيل”. وهذا الموقف الجذري في رفض المحكمة الدستورية أصلا كان يفترض استعمال رئيس الجمهورية لحقّه في الطعن بعدم الدستورية في مشروع القانون، لا في ردّه إلى المجلس لقراءة ثانية وتعزيز المصادقة عليه بثلاثة أخماس الأعضاء. وقد أشار مختصّون في القانون الدستوري إلى أنّ رسالة الرئيس تتعلق بقانون المحكمة الدستورية عدد 50 لسنة 2015، والحال أنّ المعروض عليه للختم والنشر تنقيحات 25 مارس 2021، التي لم تتناولها رسالته.

وقد جاءت تصريحات رئيس الجمهورية في المنستير يوم 06 أفريل 2021 لتفصح بأكثر وضوح عن الخلفية السياسية التي حكمت موقفه في الرفض والردّ، والتي أقرّ بها، وليست الأسباب الدستورية والقانونية التي يتعللّ بها. فهو يعتبر استعجال إرساء المحكمة في هذه المرحلة استهدافا لشخصه وموقعه. فهي “محكمة تصفية حسابات” لا يحتاجها الشعب الذي يريد “محكمة محاسبات” كما ورد بالتصريحات. فالرئيس مسكون بهوس “عزله” ولا يريد تمكين “خصومه” من أداة دستورية أساسية في الغرض. والرئيس أيضا يستفيد من احتكاره لتأويل الدستور، ويطوّع النظام شبه البرلماني إلى نظام رئاسوي يجمع فيه كافة السلطات.

فهو القائد الأعلى للقوّات المسلحة التي أرادها عسكرية وأمنية، ولم يحصل له ذلك. وهو مُشبع بحكومة الرئيس، التي يعيّن فيها الشخصية الأقدر على هواه، ولا يكترث بإرادة الأغلبية البرلمانية، ليكون رئيس الحكومة أشبه بالوزير الأول في حكم ما قبل الثورة. وقد جرّب ذلك مع الفخفاخ ثم مع مشيشي كما تؤكد التسريبات المنسوبة لمايا القصوري. وفي حين زيّنت له بعض الأحزاب “حكومة الرئيس” وصارت حزاما له في البرلمان، تصدّت له الأغلبية البرلمانية، لتعيد الأمور إلى نصابها الدستوري. وحين نجحت الاغلبية البرلمانية في استعادة المبادرة، استشاط رئيس الجمهورية غضبا وصعّد في استهداف البرلمان والحكومة التي تدعمها الأغلبية.

ففي أكثر من خطاب يستهدف رئيس الجمهورية مجلس نواب الشعب بالتلميح أو التصريح. وقد تضافرت المؤشرات على تقاطع أجندة قرطاج مع أجندة إرباك البرلمان من داخله واستهداف استقراره. سواء بأعمال رئيسة الكتلة الفاشية أو بمحاولة سحب الثقة من رئيس المجلس، كما دلّت تسريبات النائب محمد عمار. أو من خلال الدعوات الشعبوية والتحرّكات الموجّهة من أجل حلّ البرلمان، والتي تكرّرت أمام رئيس الجمهورية، ولم يعلّق عليها في أية مناسبة، بل تمّ نشرها بالموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية. وجاءت آخر محاولات الإرباك وأخطرها بتعطيل التحوير الوزاري الذي زكاه البرلمان، وبردّ مشروع تنقيح قانون المحكمة الدستورية، وربط ختمه ونشره بشرط مستحيل التحقّق.

تبيّن أكثر من أيّ وقت مضى أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد قادر على تعطيل دواليب مؤسسات الدولة، بما يخوّله له الدستور من صلاحيات، وبما منحه لنفسه من امتيازات باحتكار تأويل أحكام الدستور. وهو علاوة على صفته معطّلا يكشف يوما بعد آخر عن صفته لا ديمقراطيا. ولذلك يتبرّم من توزيع السلطة عموديّا وأفقيّا ويرفض تعدّد الرئاسات ويحنّ إلى حكم رئاسوي سابق لم يسجّل له أيّ دور في مقاومة استبداده حتى قيام الثورة عليه. والرئيس سعيد الذي لم يٌعرف له نضال من أجل الحريات والديمقراطية من أي موقع قبل الثورة، حين ذكر محطات مضيئة للرئيس الأسبق المرحوم الحبيب بورقيبة في ذكرى وفاته، وهي كثيرة فعلا، لم يستوقفه تعديل الدستور على مقاس بورقيبة وإقرار رئاسته مدى الحياة في 1975 وتعطيل الانتخابات والتداول واغتيال روح الجمهورية. ولا غرابة في ذلك، فالرئيس سعيد لم تكن تعنيه الديمقراطية في السابق ولا أظنه كذلك اليوم.

حين يستند رئيس الجمهورية إلى أحكام انتقالية في الدستور زائلة بطبعها، ويرهن إرساء المحكمة الدستورية بتعديل النص الدستوري الذي يشترط وجود المحكمة ذاتها لإتمامه، وحين تتأخر المحكمة الدستورية المؤهلة حصريا لحسم الخلافات في الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية، فهو فعلا يذهب بعيدا في تعطيل الدولة، لكنه لن يقدر مقابل ذلك على الفعل الإيجابي لتغيير الوضع. وهذا حال فاعلين سياسيين واجتماعيين عديدين، وأحد عناوين المأزق السياسي ببلادنا.

أن يكون رئيس الجمهورية الذي يتربّع على أعلى هرم الدولة معطّلا لدواليبها، ومنحازا للمعارضة ضدّ حكومتها، ومتبرّما من السياسة والسياسيين، فهذا وضع سريالي بلا شكّ. ومع ذلك قد يكون متفهّما من قبل البعض. لكن أن يصير رئيس الجمهورية، حسبما رشح من معلومات من مصادر متقاطعة، مفسدا لزيارات خارجية لرئيس الحكومة أو لوفود حكومية على غرار ما حصل مؤخرا بفرنسا أو ليبيا أو قطر، فهذا أمر خطير في تهديد المصالح التونسية لا يقبل سكوتا أو تهاونا في المعالجة يما يلزم. فإذا اجتمع التعطيل الداخلي مع الخذلان الخارجي، لا يبقى من جدوى لسؤال “وين ماشين؟” لأننا نكون قد وصلنا فعلا. وربي يقدّر الخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق