راي رئيسي

الرئيس في حيرة من أمره

نشرت صفحة رئاسة الجمهورية يوم الثلاثاء 14 سبتمبر الجاري تسجيلا مصورا للقاء السيد قيس سعيد بثلاثة من رجال القانون حدثهم عن الحكومة وعن الفاسدين والخونة وعن جهده هو في محاولة إنقاذ البلاد من الوباء الصحي والسياسي.

قيس سعيد تحدث لوحده ولم نسمع رأيا لأي واحد من ضيوفه “الكبار” بل ولم نسمعه يطلب رأيهم إنما كان فقط يطلب تزكية أحدهم لما يقوله هو، بدا قيس سعيد متوترا جدا وفي وضعية “شجار” كعادته دائما، حيث اجتهد في نفي ما يقال عنه من كونه “في حيرة من أمره” فظل يردد كل مرة أنه “ليس في حيرة من أمره” وإن إبطاءه في تكليف رئيس حكومة إنما يعود إلى ضرورة وجود برنامج للحكم.

وهنا سيتساءل أي عاقل إن كان قيس سعيد قد أقدم يوم 25 جويلية على ما أقدم عليه دون رؤية ودون برنامج؟ وحول إن كانت أفعال قيس سعيد كلها أو أغلبها لا تقوم على المبادرة والتأسيس والإبداع وإنما تقوم على الانفعال ورد الفعل، وهو ما يسهل الانتباه إليه حين نتابعه كل مرة وهو يرد على ما يقال عنه في صفحات الفايسوك أو ما يصرح به بعض السياسيين في وسائل إعلام  كما حصل مع الأمين العام للتيار الديمقراطي.

ونشرت صفحة الرئاسة نصا إعلاميا جاء فيه:”وأشار رئيس الدولة، بالمناسبة، إلى أنه من المهم تشكيل الحكومة ولكن أيضا من الضروري وضع تصوّر للسياسة التي ستتبعها هذه الحكومة لخدمة الشعب التونسي، كما أكّد رئيس الدولة على أنه ليس من دعاة الفوضى والانقلاب، وجدّد التزامه باحترام الحريات والحقوق وثباته على المضي في المسار الواضح الذي رسمته إرادة شعبية واسعة”.

كلام قيس سعيد دائما عن “مسار واضح  رسمته إرادة شعبية واسعة” هو كلام مخادع أو هو عملية تلبيس على الناس، فالجمهور الذي خرج يوم 25 جويلية كان في حالة احتجاج على وضعه الاجتماعي وعلى فشل أحزاب حاكمة في حل مشاكله الصحية والاجتماعية، ولم يكن لدى ذاك الجمهور رؤية للنظام السياسي المنشود ولا موقف من الدستور ولا “مسار واضح” يدعو قيس سعيد إلى التزامه.

“توتر” قيس سعيد و”حيرته في أمره” يعودان إلى كونه لم يفعل شيئا ملموسا يقنع به من خرجوا يوم 25 جويلية، ولم يتقدم عمليا لا سياسيا بتكليف رئيس حكومة ولا اجتماعيا بحل مشاكل الناس المعيشية ـ ما عدا ما أشرف على تلقيه من مساعدات خارجية في الملف الصحي ـ ، وهو يشعر بضغط داخلي وخارجي يدعوه أصحابه إلى الخروج من الوضع الاستثنائي نحو المسار الديمقراطي الذي “جمده”، كأن قيس سعيد، بل إنه فعلا يشعر بكونه “تورط” أو ورطوه في مسار ظنه سهلا فتفاجأ بتعقيداته ومخاطره، وهو لا يأمن طريق “العودة” ولا يثق بحظوظ نجاحه خاصة وقد عبر عن “رهاناته الخاسرة” على أناس ظنهم صادقين فاكتشف أنهم منافقون ولا تعنيهم إلا الكراسي.

في خطابه الأخير بدا قيس سعيد في وضعية المدافع عن نفسه، وليس في موقع الفاعل المبشر بما هو أفضل وأنفع، بل كعادته كان يبرر ما أقدم عليه ويحمل المسؤولية لأطراف لا يدل عليها وإنما يصمها ـ كعادته ـ بالنفاق والخيانة والفساد ليبرر أيضا عدم قبوله الجلوس معهم في حوار من أجل الخروج من المأزق.

كان يمكن لقيس سعيد توفير وقت ثمين للتونسيين حين يكف عن اجترار خطاب الاتهام ويذهب مباشرة بالملفات الحقيقية إلى القضاء لمحاسبة المجرمين والفاسدين والخونة والعملاء، غير أنه ، كما لو أنه يستثمر في خطاب الإدانة، يستمر في توزيع التهم دون تسمية المتهمين وهو ما يسمح للخيال الشعبي باستحضار أسماء وكيانات يسحب عليها تلك التهم ويتخذ منها مواقف، وخذا طبعا ـ بالحساب السياسي ـ يصب في صالح قيس سعيد سواء قصد أو لم يقصد.

إن أسوأ من كون قيس سعيد “في حيرة من أمره ” هو كونه لا يستمع لغيره ولا يثق بناصح ولا يستفيد من نقد بل يمضي حيث تحدثه نفسه و رما حيث تشير به عليه غرف خفية.

هذا “الصمم” القيسي يهدد مستقبل البلاد والعباد باستمرار حالة “الاحتباس” السياسي وما يترتب عنها من تعطيل مصالح الناس ومستقبل بناتنا وأبنائنا بل والأجيال القادمة دفعة واحدة.

ولعل أخطر ما استجلبته ظاهرة “قيس سعيد” هي قاموس السباب والشتائم والتحريض والتفرقة بين التونسيين والاشتغال على شرخ المجتمع التونسي بين “نحن” و”هم” بما يعني توصيف المعركة على كونها معركة بين الخير والشر أو بين الصالحين والفاسدين أو بين الوطنيين والخونة، دون تنسيب ودون احتمال توزع مقادير الخطأ والصواب بين الجميع.

لست لأدري من ينتج مفردات خطاب قيس سعيد؟ ولست أدري ما قول القانون في من ينحت مفردات خطابه من كتل الأحقاد والكراهية وفي من يحرض على العنف وحتى الاقتتال باستعمال مفردات “الحرب” و”الجبهات” و”النصر” و”القتال” و”غسالة النوادر” و”التطهير” و”مجاري الصرف الصحي” وهي مفردات لا تُفهم لدى جمهور الغاضبين إلا على كونها دعوات لممارسة “الانتقام”و “الاقتحام” و”الصدام” وهي بنظر القانون ترقى مسؤولية صاحبها إلى مستوى تهمة “الجريمة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق