راي رئيسي

الرئيس في فرنسا.. الزيارة الورطة

هل من المشروع أن نسأل لماذا كلّما تكلّم الرئيس أو بادر أو مارس بشكل عيني مهامه الدستورية يثير عاصفة من ردود الأفعال لدى الرأي العام بين مناصر و معارض؟

زيارة الصداقة والعمل لفرنسا لم تشذّ عن القاعدة، بل ستبقى في ذاكرتنا الوطنية كعلامة فارقة على فرادة الرئيس قيس سعيّد وغرابة منطوقه وسلوكه.

وبقطع النظر عن الجانب البروتوكولي الشكلي للزيارة، الذي رأى فيه جزء من الرأي العام في الداخل والخارج دون المأمول والمقبول، فإنّ ما جاء على لسان الرئيس من مواقف في المؤتمر الصحفي المشترك والحوار الذي أجراه مع قناتي فرانس24 العربية والفرنسية، أثار زوبعة من ردود الأفعال تجاوزت حدودنا لتشمل الجارين الليبي والجزائري، بل أن رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري وفي ندوة صحفية عقدها يوم أمس ردّ بصفة مباشرة على ما جاء على لسان الرئيس التونسي خلال زيارته الباريسية.

حيث سجّل استغرابه من غمز قيس سعيّد في شرعية حكومة طرابلس المنبثقة كما قال عن أشهر من المفاوضات بين كل أطراف الصراع الليبي في ما سمّي بمسار الصخيرات. كما ردّ على مبادرته بتجميع القبائل الليبية لكتابة دستور جديد. حيث ذكر المشري، إن القبائل في بلاده “ليست طرفا سياسيا”، و”لا يمكن تطبيق التجربة الأفغانية في ليبيا”.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده المشري في طرابلس منذ قليل، ردّا على تصريحات قيس سعيد، بوجوب البحث عما اعتبره “شرعية دائمة” بدلا من “المؤقتة” لحكومة “الوفاق الوطني” في ليبيا، “القائمة على الشرعية الدولية”، ودعوته إلى دستور تضعه القبائل على الطريقة الأفغانية.

وأوضح المشري أن “القبيلة في ليبيا مظلة اجتماعية، وليست طرفا سياسيّا، ولا يمكن تطبيق تجربة أفغانستان في البلاد”.

وأضاف: “شرعية حكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا) نتجت عن حوار بين رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري، الأربعاء، إن القبائل في بلاده “ليست طرفا سياسيا”، و”لا يمكن تطبيق التجربة الأفغانية في ليبيا”.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده المشري في طرابلس، ردّا على تصريحات للرئيس التونسي قيس سعيد، بوجوب البحث عما اعتبره “شرعية دائمة” بدلا من “المؤقتة” لحكومة “الوفاق الوطني” في ليبيا، “القائمة على الشرعية الدولية”، ودعوته إلى دستور تضعه القبائل على الطريقة الأفغانية.

وأوضح المشري أن “القبيلة في ليبيا مظلّة اجتماعية، وليست طرفا سياسيّا، ولا يمكن تطبيق تجربة أفغانستان في البلاد”.

وأضاف: “شرعية حكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا) نتجت عن حوار بين الليبيين استمر عدة أشهر (…) والذي يعرقل الانتخابات هو من حاول الاستيلاء على السلطة بالقوّة (في إشارة للجنرال الانقلابي خليفة حفتر)”.

وتابع المشري: “لا نحتاج إلى كثرة المبادرات، بل نحتاج إلى تفعيل الاتفاق السياسي (…) وبسط سيطرة حكومة الوفاق على كامل التراب الليبي، وتفعيل الاتفاق السياسي”.

وخلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإثنين، شدد سعيّد في كلمته على ضرورة أن يكون الحل في ليبيا “ليبيّا ـ ليبيّا” مجدّدا رفض تونس تقسيم البلد الجار.

واعتبر سعيد أن “السلطة القائمة في ليبيا تقوم على الشرعية الدولية” لكنه أردف بالمقابل أن “هذه الشرعية لا يمكن أن تستمر لأنها شرعية مؤقتة، ويجب أن تحلّ محلها شرعية جديدة تنبع من إرادة الشعب الليبي”.

وتطرّق سعيّد في هذا الخصوص إلى المبادرة التي قادها شخصيّا بجمعه أكثر من 35 من زعماء القبائل الليبية في قصر قرطاج (ديسمبر 2019)، ودعوته لهم لوضع دستور شبيه بالدستور الأفغاني يكون بمثابة “محطة انتقالية” يقرّرها الليبيون، دون تدخل جهة خارجية.

نكتفي على هامش السجال الدائر حول ما صدر عن الرئيس قيس، بالتأكيد على الحساسية العالية للوضع في ليبيا والكلفة المستقبلية الغالية للمواقف السائبة وغير المسؤولة، فما صدر عن الرئيس وبقطع النظر عن مضمون الأفكار السطحيّة والبعيدة عن الحقيقة السوسيولوجية، والأبعد عن الحقيقة السياسية في ليبيا اليوم، هو الإشارات الحمراء لمؤشر فقدان البوصلة في السياسة الخارجية للدولة التونسية، فعدم خبرة الرئيس معلومة وبارزة منذ زمن للقاصي والداني، ولا تبرّر لوحدها الغياب الفضائحي لموقف تونسي واضح، من ملف إقليمي حارق، تتقاطع على صفحاته كل عناوين أمننا القومي.

المقلق هنا وتحديدا هو أن الرئيس يتعامل مع ملف ليبيا بسطحية مفزعة، تعكس غياب هندسة واضحة لسياستنا الخارجية، وعجزا ديبلوماسيّا فاضحا في التعاطي مع الملف الليبي المتحرّك في كل الاتجاهات، باستثناء اتجاه مصالحنا العليا والحيوية. ولعل الوقت قد حان، ليستدعي البرلمان وزير الخارجية ويسائله عن أسباب المحصول المخجل لأداء الديبلوماسية التونسية منذ تولّي الرئيس لمقاليد قرطاج، وللاستفسار عن سرّ البهتة والاضطراب في التعامل مع الملف الليبي، والذي انعكس على ما صدر عن الرئيس في باريس من مواقف مهزوزة وضعيفة لا تليق بتاريخ ديبلوماسيتنا العريقة.

النقطة الثانية التي أثارت ردود أفعال غاضبة في عمومها تعلّقت بموقف الرئيس من مطلب الاعتذار عن الحقبة الاستعمارية الذي أثاره مشروع اللائحة البرلمانية منذ أيام قليلة في تونس، وَقد صدم الرئيس الجميع بما فيهم الصحفي الفرنسي ذاته، عندما أجاب أن الاعتذار يعني الاعتراف أو الإقرار بالذنب والتهمة، ولأن فرنسا لم تستعمر تونس كما فعلت مع الجزائر بل وقعت معها وثيقة حماية فلن يطلب الاعتذار.

لا أحد صدّق ما سمعت أذنيه على لسان الرئيس بل أن إصرار المحاور الفرنسي على تدقيق السؤال وإعادته بصيغ مختلفة وصلت إلى حدّ تذكيره أن هذا المطلب أقرّه الرئيس الفرنسي نفسه.

إلحاح الصحفي في السؤال وتدويره، كان في ذاته استهجانا لموقف غريب وشاذ، خطورته ليس في سقوط صورة الرئيس لدى الرأي العام العربي والوطني الذي أعجب بطهوريّة قيس ومبدئيته الصلبة التي سوّقها عن نفسه في ما يسميه بحملته التفسيرية إبّان انتخابه وبعده. بل أن كل الخطورة في اعتداء الرئيس العنيف والمجاني على التاريخ، وتحديدا على حق الذاكرة، التي أقرّها، وكتب فيها، وناضل من أجلها، مثقّفون وسياسيون من داخل فرنسا نفسها، منذ سارتر وفانون بالامس، وصولا إلى ماكرون اليوم الذي أقرّ بواجب الاعتذار عن جرائم دولته الاستعمارية في الجزائر.

فمطلب الاعتذار في ذاته لم يعد محلّ نقاش عند المعتدي نفسه، فضلا عن الضحية، فكيف وبأي حجة سيبرّر سعيّد سقطة سياسية وأخلاقيّة وتاريخيّة بهذا الحجم، وفي موضوع على غاية من الحساسية لدى الشعوب المغاربية التي أعحبت بطهورية خطابه؟؟

قيس سعيّد الذي استمد شرعيته من الغموض الممزوج بفوائض الثورية والطهورية والمبدئية الجامحة، برز في باريس وكأنّه يريد الانتقام من جبة الأخلاق التي تزين بها لحصد ثلاثة ملايين ناخب، والمصيبة أنّه مزّق جبّة الأخلاق، ولم يرتدي معطف المصلحة، لأنّ هذا الموقف الغريب حدّ الشذوذ صدر عنه مجانا، ودون مقابل أو مصلحة، ودون طلب من أحد، ودون مناورة من أجل هدف أهم وأعظم من عنوان حق الذاكرة.

في باقي الملفات التي تحدث فيها الرئيس، اقترف عدّة أخطاء تواصليّة ومضمونيّة جلّها اتصل بغياب معايير الفصل بين التجاذبات والخصومات الداخلية، وواجب الرئيس في الحديث باسم الجميع لأنّه بالأساس رمز للوحدة الوطنية ووحدة الدولة.

قيس سعيّد في فرنسا عمّق القلق من هشاشة الوضع السياسي في ظل مشهد برلماني رثّ، ومركب حكومي غير متجانس، ورئيس حكومة تلاحقه شبهة فساد جديّة، ومرشحة للتحوّل إلى فضيحة مدويّة، ومع رئيس بدون بوصلة، ولم يتقن منذ بداية عهدته سوى إثبات عدم أهليّته السياسية لتولّي منصب رئيس الجمهورية يصبح المشهد أقرب إلى سريالية عدمية ستعصف بالموجود عاجلا أو آجلا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق