الافتتاحية

الرئيس من باريس.. أزمات في كل الاتجهات..
كيف تحولت زيارة كان يفترض أن تكون تاريخية إلى زيارة فاشلة؟

أكثر من صدمة، وأكثر من أزمة خلقتها زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا، وتصريحاته التي أطلقها في كل الاتجاهات والتي لم تكن موفقة في الغالب..

أول تلك الأزمات التي فجّرها الرئيس خلال زيارته إلى باريس كانت مع أهلنا وأشقائنا في ليبيا، الذين اعتبروا تصريحاته تدخلا في شؤونهم الداخلية واصطفافا مع طرف دون آخر، علاوة على ما في تدخله من “عدم ادراك” لتفاصيل المشهد الليبي، وخاصة عند حديثه أو مقترحه بأن تكتب القبائل الليبية الدستور..

وكأن الرئيس لا يعلم أن هناك لجنة منتخبة في ليبيا اسمها “لجنة الستين” مكلفة بكتابة الدستور.. إضافة إلى ذلك فإن الحديث عن كتابة القبائل للدستور وضرب مثال على ذلك باللويا جيرغا الافغانية، عودة بليبيا إلى وضع ما قبل ظهور الدولة ومحاولة للبحث عن حلول للدولة الليبية في مكونات تمثل بنية ما قبل تشكل الدولة.

سياسيا واستراتيجيا كانت هذه التصريحات خطأ بيّنا، لأنها تعادي الطرف المنتصر في ليبيا والذي سنكون مرغمين على التعامل معه مستقبلا، وهي خطأ لأنها تعادي الطرف الذي يسيطر على الجانب الليبي من حدودنا، وهي خطأ لأنها تعرض مصالح تونس المستقبلية للخطر.. وهي خطأ لأنها تضع كذبة الحياد فيما يتعلق بالشأن الليبي بين معقفين، وهي الكذبة (الحجة) التي على أساسها أُنتقد رئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي بعد اتصاله بالسراج.. وهي خطا لأنها تضع تونس (عكس إرادة أغلبية التوانسة) ضمن محور الشر الذي يستهدف الثورة والانتقال الديمقراطي في المنطقة..

ردة فعل الأشقاء الليبيين كانت قوية ورافضة ومستنكرة لهذه التصريحات وأكدت في أغلبها على عدم إدراك القيادة التونسية لتفاصيل وحقائق المشهد الليبي، ووصلت ردة الفعل تلك حد المطالبة بسحب السفير وغلق الحدود..

وضع مأزقي وضعنا فيه رئيس الجمهورية بسبب مواقفه وتصريحاته التي خالفت ثوابت السياسة الخارجية التونسية وخرجت عن الحياد المزعوم أو الظاهر على الأقل، وهو ما سيجعل من  محاولات التدارك صعبة إن لم تكن مستحيلة.

2

وإلى جانب الأزمة مع ليبيا، أثارت تصريحات الرئيس حول الاحتلال الفرنسي لبلادنا رجة قوية وردود فعل غاضبة لدى شرائح واسعة وفئات كثيرة من المجتمع التونسي.. وخاصة اعتباره  أن الاستعمار الفرنسي لبلادنا لم يكن احتلالا بل كان حماية.. ودفاعه المستميت على حق فرنسا في عدم الاعتذار، بحجة أن الذي يعتذر يقيم الحجة على نفسه، وأن لا فائدة من الاعتذار بعد ستين سنة.. وأنه علينا النظر إلى المستقبل بدل الالتفات إلى الوراء..

موقف قوبل باندهاش حتى من المذيع الفرنسي الذي حاول الدفاع عن ضرورة قبول فرنسا مبدأ الاعتذار عن جرائمها في حق مستعمراتها، ولكن رئيسنا أصرّ على الدفاع عن فرنسا واستمات للأسف الشديد في سبيل ذلك، رغم أن شعار “استعادة السيادة الوطنية كاملة غير منقوصة” كان أحد شعاراته التي رفعها في حملته الانتخابية.

موقف رأى فيه التونسيون تبنّيا للقراءة الفرنسية، الاستعمارية، التي روج لها المعمّورن في  البداية، ولكن الجميع تبيّن فيما بعد زيف هذه الادعاءات. وحجم التضحيات والشهداء الذين قدمتهم تونس طوال فترة الاحتلال الفرنسي لبلادنا وحجم النهب الذي تعرضت له ثرواتنا بيّن للجميع كذب هذا الادّعاء.

واستدعت تصريحات الرئيس ردود فعل ساخرة كالمطالبة بإلغاء الاحتفال بعيد الاستقلال، إذ لا معنى للحديث عن استقلال في ظل الحماية، وهناك من دعا إلى الغاء الاحتفالات بعيد الشهداء والجلاء وغيرها..

تصريحات الرئيس، لا تبرّؤ فرنسا الاستعمارية، من ماضيها “الدموي” في حق مستعمراتها، فقط، بل هي تكاد تجرّم المقاومة ضد المستعمر، لأنه واذا ما أخذنا الأمر من جانب قانوني صرف، يصبح أي عمل وخاصة المسلّح منه، ضد “الحماية” التي انتصبت بمفاعيل اتفاقية رسمية بين البلدين، جريمة، ويصبح الشهداء خونة، ويصبح كل تاريخ تونس النضالي من أجل الاستقلال، موضع تشكيك ومساءلة.

3

وإلى جانب ليبيا ومسألة الاحتلال الفرنسي، أثار الرئيس في زيارته إلى فرنسا، جملة من القضايا الداخلية، كتغيير النظام الرئاسي، واتهام بعض الجهات بأنها توتطأت مع تدخل خارجي محتمل.. وهي قضايا تتعلق بالشؤون الداخلية للبلاد لم يكن مقبولا من باب “الأعراف”  الدبلوماسية، الخوض فيها خارج البلاد..

وهو ما يطرح أكثر من مشكل، أولا لأن هناك من يرى في هذا الأمر استقواء بالخارج وبقوة أجنبية على شركاء الوطن وعلى جزء من أبناء هذا الشعب يمثلون مكونا رئيسيا فيه.. ثانيا لأن الرئيس بهذا الخطاب وهذا الموقف، أعلن صراحة أنه لا يرغب في أن يكون رئيسا لكل التونسيين، وكان خطابه مقسما ولم يكن مجمعا.

نعلم جيدا أننا كتونسيين مختلفون حول الكثير من القضايا، من النظام السياسي إلى النظام الانتخابي، وصولا إلى تصورنا للأحزاب ولدور الساسة والسياسة حاضرا ومستقبلا.. كما نعلم جيدا أننا متصارعون حول جملة من القضايا التي تهم تونس والمنطقة من الجوار الليبي إلى سوريا والعراق واليمن، ولكل منّا تمثُّله الخاص لقيم الديمقراطية والحرية وصولا إلى الموقف من الربيع العربي وما يسمى بصراع المحاور الذي يشق المنطقة…

نعلم هذا جيدا، ولكن هذه قضايا داخلية تدار وتحل داخليا، وليس من المقبول أن يقع تناولها أمام أنظار العالم فيما يشبه نشر الغسيل الداخلي أو الاستقواء بالمحتل القديم على جزء من أبناء هذا الوطن..

4

الرئيس أعطى – أو هكذا يعتقد – أنه أعطى لفرنسا كل ما تطلبه، من رفض  طلب العفو إلى إنكار تاريخها الاستعماري إلى تمجيد رئيسها وكتاباته وقراءاته، ولكنه لم يعد منها بشيء.. لا استثمارات ولا وعود بالاستثمار، ولا أي مكسب حقيقي..  والحديث عن القطار فائق السرعة الذي يربط بنزرت بأقصى الجنوب أشبه بالنكتة.. فالعارفين بحقيقة الشبكة الحديدية يعلمون أنها متهالكة، ولا تصلح للقاطرات البخارية، فما بالك بالـــ (TGV) .

نحن مجرد (RFR) أو القطار الذي يربط تونس ببعض الضواحي الجنوبية الغربية بالعاصمة، والذي لا يتجاوز طوله 30 كلم تقريبا، لازلنا منذ نحو 10 سنوات نعاني مشاكل انجازه ولم يكتمل بعد .. فمن سيصدقنا عند الحديث عن قطار فائق السرعة من بنزرت إلى بن قردان..

أعتقد أن ما تبحث عنه فرنسا ليس شخصا يصبح رقما في سلسلة طويلة من “أصدقائها” الذين خدموها بإخلاص وتفان أكثر من إخلاصهم لبلدهم، هي تبحث عن أشخاص أو قوى قادرة على أن تحكم البلد وتضمن استقرارها وسط هذه الفوضى العارمة التي تضرب المشهد وتهدد بأن تُلحق تونس بالحريق العربي.

وفي فرنسا عقلاء، لم ينكروا هم أنفسهم تاريخهم الاستعماري، ولا أعتقد أنهم يبحثون عمن يقنعهم بأنهم لم يكونوا دولة استعمارية.. لذلك لا أتصور أنهم كانوا فرحين بما سمعوا .. نعم فرنسا تبحث عن تشكيل جبهة قوية للتصدي لما تعتبره توسعا تركيا في المنطقة.. ولكنها لا تبحث عن تابعين يستمدون منها القوة والمشروعية ويستقوون بها على شعوبهم…

الرئيس أعطى فرنسا كل هذا وأكثر، في مقابل ماذا؟

لا شيء للأسف غير تحويل زيارة كان يفترض أن تكون تاريخية إلى زيارة فاشلة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق