راي رئيسي

الرئيس: هدفه واضح .. وطريقه مسدود

تتعمق مع مرور الأيام الأزمة السياسية التي تتوزع عنواينها بين الاجتماعي والسياسي والمالي، ولكن تتكثف معانيها ومحاميلها في حجر الرئاسة.

فالرئيس المحمول لقصر الرئاسة بشرعية انتخابية تاريخية، لم يخذل القلة القليلة التي نبّهت إلى شعبويته وعدم وكفاءته وخطره على السياسة والدولة عشية تخميرة الملايين يوم انتخابه وابتهاجهم بدخول “ابن الخطاب” لقرطاج.

أغرقت الساحة الإعلامية بالحديث عن أزمة الرئاسات الثلاثة وشذوذ الديمقراطية التونسية بتكشفها المبكر على حجم الثغرات الدستورية في نظامها السياسي الذي قُدّ على مقاس فكرة تذرير السلطة بين البرلمان ورأسي التنفيذي.

صحيح أن نمط النظام البرلماني المعدّل الذي اختاره وهندسه في حاجة إلى مراجعة عاقلة منذ بروز ممكنات انفتاحه على تنازع الصلوحيات بين الرئاسة والحكومة سواء في العهدة التأسيسية بين المرزوقي والجبالي أو في العهدة الانتخابية الأولى بين السبسي والشاهد.

ولكن لا أحد تخيّل أن توترات تنازع الصلوحيات يمكن أن يشلّ تماما أجهزة الدولة ويفجّر أزمة دستورية حادّة تهدّد بنسف الموجود السياسي وتفتح المسار الانتقالي الصعب على مجاهيل الفوضى وأفق اللادولة.

هذا كله أو جلّه صحيح وواضح ولا يناقشه عاقل، الغير صحيح والملتبس هو في القول بأزمة الرئاسات الثلاث، فالأدقّ والأصحّ بجرد العيني والملموس هو أنّنا أمام أزمة الرئاسة.

فالرئيس منذ تولّى زمام قرطاج لم يفعل سوى تشويه المؤسسة والاعتداء الصارخ المفضوح على أبجديات ممارسة الحكم من أهم وأخطر موقع سيادي في الدولة.

بدأ بتقسيم مواطنيه ونخبهم إلى شرفاء يمثلهم، وخونة سيقصفهم بصواريخه، وجاب ثكنات الجيش والأمن شرقا وغربا لاستعطافهم وإغرائهم بالتورّط في معاركه ضد طواحين الريح، وتعالى عن رموز الدولة والأحزاب وأمعن في ترذيلهم واستصغارهم وتحقيرهم بالصوت والصورة، واحتكر التأويل الشاذ للدستور بشهادة المختصين، والامتناع عن القيام بأبجديّات واجباته الدستورية برفضه إجازة الوزراء والتوقيع على القوانين المصادق عليها من البرلمان، وتعطيل تشكيل المحكمة الدستورية بحجة واهية على ما جاء في رسالته الشاذة، ونصّب نفسه القائد الأعلى لكل حملة السلاح ولا ندري ما حاجته للجيش والداخلية والديوانة.

وفي الأثناء اختار للمرّة الثانية رئيس وزراء ثم انقلب عليه بعد يوم واحد ودعا الأحزاب لعدم التصويت لحكومة اختارها ديوانه، واستعمل الإعلام الأجنبي لتشويه صورة البلاد وتقديمها كغابة ومرتع لعصابات المافيا والفساد، وعطّل كل دعوات الحوار، فعل كل هذا وأكثر ولم نسمع من رئاسة الحكومة أو البرلمان ولو كلمة تنتقده أو تتعرّض له بسوء، ومع هذا تصرّ جحافل المحللين على توصيف الأزمة على أنّها أزمة “الرئاسات الثلاثة” مما يرجح التأويل القائل أنّها متواطئة مع رغبة سعيد في احتكار السلطة والاستفراد بها، وتنصيبه طاغية جديدا على رقاب البلاد والعباد.

الحقيقة التي تنز من جرح الأزمة هو أنّ مؤسسة الرئاسة اليوم رهينة رغبة سعيد في احتكار السلطات الثلاثة والتحكّم الكامل في أجهزة الدولة وتوظيفها لتنزيل مشروعه المجالسي المعلن.

التشخيص السليم للأزمة هو الخطوة الأولى لتجاوزها، هذه بديهة لا ندري لماذا يقفز عليها غالبية المتحدثين فيها، بل والمعنيين بها، وكأن المخاتلة والتحايل على الحقيقة ومعطيات الواقع أصبح منتوجا تونسيا خالصا يشترك في براءة اختراعه الجميع.

آخر خطوات الرئيس كانت دعوة كل من مرّ على القصبة بعد الثورة لاستشارتهم أو لإعلامهم بمفهومه للحوار كآلية وحيدة ممكنة لحل ما يسمى بأزمة الرئاسات.

لم يفوت الرئيس المناسبة ليسجّل على صفحته كلمته الافتتاحية للاجتماع، وقد صدم مرّة أخرى المتابعين في الداخل بإعلانه أن هناك من زار دولة أجنبية ليطلب تصفيته واغتياله، كانت هذه كالعادة “مزحة ثقيلة” هي الثالثة من جنسها بعد قصة الخبز والظرف المسمومين، ولا ندري إذا كان الرئيس لا يعي حجم الفضيحة أم أنّه يتعمد في كل مرّة لعب دور الضحية المستهدف من شياطين الإنس والجن، أم أنّه أصبح دمية في يد خفية تعبث بصورته ووظيفته لغاية العبث بمصير البلاد و التجربة.

الأهم من مسخرة محاولات اغتياله، هو أنّه أفصح لأوّل مرّة عن سقف وشروط الحوار المستعد لرعايته، فمطلوب الحوار ببساطة هو تغيير الدستور “الذي أكله الحمار” وتغيير القانون الانتخابي لتنزيل مشروع الحكم المجالسي الذي يسكنه ويبشر به كنظرية عالمية ثالثة أو عاشرة لإنقاذ البلاد والبشرية من حماقة الديمقراطية وجحيمها الماثل.

ما يلفت الانتباه هنا أن الرئيس في هذا بقي ثابتا على قناعاته وحاول بكل المتاح إنجاز طموحه للانقلاب على المنظومة، ولعلّه قد ملّ مراودة وإغواء “القوى الحاملة للسلاح”، ويرى اليوم أن الوقت مناسبا ليفرض إرادته كأمر واقع بعد أنّ نجح في ترذيل خصومه واستعرض قدراته الدستورية في النفاذ من الممرّات الدستورية الضيقة لتعطيل أجهزة الحكم وشلّها يشجعه في هذا صمت وتواطئ غالبية مجتمع النخبة التي تجمع على أن حكم طاغية أحسن من وجود الإسلاميّين في المشهد.

وإن كان الحوار قد أصبح اليوم مطلبا دوليا وداخليا ملحّا ولا مهرب منه، فقد أفصحت قريحة الرئيس المخاتلة على تنصّله من المسؤولية السياسية والأخلاقية برفض اليد المدودة لمن جعلهم خصومه، فأعطى الإشارة لقبوله بمبدأ الحوار للطبوبي، ثم أفصح عن حقيقة مطلوبه من الحوار وهو أساسا و تحديدا أن يكون آليّة تنزيل لرغبته المتجدّدة وقناعته الثابتة وتصميمه المواظب على نسف الديمقراطية التمثيلية بدستورها ونظامها السياسي ونصابها الحزبي.

تتعمّق القناعة أنّ الحلّ الوحيد الممكن ليس في البحث عن مخرج من الأزمة، بل في البحث عن الممكن والأنجع لمنع تحوّلها إلى مأزق تاريخي للتجربة والمسار، وذلك بالبحث عن آليات تعايش مع الأزمة وتقليص كلفتها إلى نهاية العهدة الرئاسية. فغياب المحكمة الدستورية، وضعف الوعي العام بخطورة الرجل على المنظومة يجعلان التفكير في إزاحته بالدستور أو الشارع أمرا معقّدا إن لم يكن مستحيلا.

يبقى الحل الثالث أو “نصف الحلّ” يكمن في مقاطعة القصبة وباردو لقرطاج، والاكتفاء بإرسال القوانين للختم وليواصل في الحالة رفضه القيام بواجبه فقد تتوسّع القناعة ويتعمق الوعي بعبثية وسديمية استراتيجية سعيد ومن ثمة إجباره بالاحتجاج الالتزام بحدوده أو الرحيل.

نعلم ونعي أن مقاطعة رئيس الدولة مخالف لنواميس الدولة، ولكن سيكون من السهل تفهم هذا في مواجهة جريمة الاعتداء الفاحش على دستور البلاد، والرغبة في الانقلاب الناعم على المنجز السياسي للثورة.

أما الحوار فيبقى مطلوبا شرط أن يكون بين الرئيس ورئاسة مجلس النواب والحكومة، وتحت إدارة طرف ثالث تتوفر فيه شروط الاستقلالية والمصداقية والقيمة الاعتبارية ومن الأنسب أن يكون اتحاد الشغل بشرط أن يكون الحوار دون شروط ولا إملاءات مسبقة، ودون هذا فلا حاجة لديمقراطيتنا الجريحة لمضيعة الوقت وتعميق جراحها بالتذاكي المخاتل والتحايل البائس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق