الافتتاحية

السيادة للشعب..
بين الشعبوية والديمقراطية كآلية وحيدة للحكم الرشيد..

“الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء” الفصل الثالث من الباب الأول من الدستور التونسي”

 

 

يبدو أن هناك حاجة للتذكير بجملة من المبادئ الأساسية التي توافقت عليها البشرية ونص عليها الدستور التونسي، خاصة بعد تصاعد الحديث عن السيادة للشعب أو إعادة هذه السيادة للشعب في مغالطة تبدو واضحة للتغطية على الخروقات الجسيمة للدستور وللإيهام بأن ما يقع اتخاذه من إجراءات استثنائية يحظى بمقبولية واسعة لدى الشعب التونسي..

والسؤال هو من قرر أن هذه الاجراءات هي تعبير عن سلطة الشعب؟ من يستطيع أن يحدد ماذا تريد هذه السلطة؟ وكيف يمارس الشعب سلطته؟

في تقرير عن الشعبوية نشر في جوان الماضي على موقع (DW) الألماني الشهير قدم التقرير تعريفا لهذه الظاهرة يقول إن “الشعبوية هي أحد أشكال العمل السياسي الذي يقوم على تفسير القضايا العامة بشكل درامي، محملا النخب الحاكمة مسؤولية المشاكل السياسية والاجتماعية. أما الهدف من ذلك فهو تغيير موازين القوى المهيمنة على السلطة”.

ويضيف الموقع “يحاول الشعبويون الاقتراب من الناس من خلال خطب ووعود تحرك المشاعر وتثير المخاوف. كما يقدّمون في خطبهم حلولا بسيطة لمشاكل سياسية واجتماعية معقدة معتمدين على شعارات براقة مثل  “نحن الشعب” و”كل السلطة للشعب” وغير ذلك.

وهذا التعريف يقدم توصيفا دقيقا للشعبوية وأدواتها وأسلوب خطابها كما بدت في السنوات والفترات الأخيرة..

في الولايات المتحدة الأمريكية، حاول دونالد ترامب وتحت شعار “أمريكا أولا” أو “make america great again” حاول اقتحام الكونغرس ونجح في ذلك وكاد ينقلب على النظام في أمريكا.. وكل ذلك باسم السيادة للشعب.

الغريب أن ترامب كان يفعل ذلك وهو خاسر للانتخابات بمعنى أن غالبية الشعب سواء كانت أغلبية نسبية أو مطلقة، كانت ضده.. ورغم ذلك نجح في إقناع عدد من الأمريكيين بأن ممارسة سيادة الشعب تتم عبر الانقلاب على نتائج الانتخابات واقتحام الكونغرس بتلك الطريقة المهينة لصورة أمريكا باعتبارها واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم..

ولولا أن كان للولايات المتحدة مؤسسات ومجتمعا مدنيا راسخا في الديمقراطية لوقع فيها ما وقع في غينيا مؤخرا، وكل ذلك باسم السيادة للشعب..

نعم السلطة للشعب، ولكن كيف يمارس الشعب هذه السلطة؟

الدستور التونسي وكل الأعراف والقوانين حددت كيف يتم ذلك، حتى لا نقع فيما وقعنا فيه في بلادنا من شعارات “الشعب يريد”، والدستور ما كتبه الشباب على الجدران، وغيرها من الشعارات التي يقع استعمالها لتمرير أجندات لا علاقة لها بإرادة الشعب.. بل أكثر من ذلك، قد تستعمل هذه الشعارات للانقلاب على الإرادة الحقيقية للشعب التي عبر عنها في آخر انتخابات كانت حرة ونزيهة بشهادة الجميع.

الشعب في دولة ديمقراطية حقيقية، يمارس سيادته بالقانون وفي كنف احترام الدستور، وذلك عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع وعبر “ممثليه المنتخبين” وليس عبر الاحتكام للشارع للإيهام بأن “الشعب” مع هذا الخيار أو ضد ذاك الخيار..

ما عدى ذلك فإن السيادة للشعب تظل كــــ”الهيولى” كلمة غائمة عائمة تماما مثل شعار “الشعب يريد” والدستور المكتوب على الجدران، وتكون قابلة لأن تُشحن بأي مضمون حتى وإن كان في جوهره انقلابا على سلطة وإرادة الشعب..

وهذا أخطر ما في الخطاب الشعبوي الذي يهدف إلى التلاعب بالعقول والأفكار، والتأثير على الناس وسلوكاتهم، وبدل الانكباب على المشاكل الحقيقية، يتم توجيه الأنظار إلى قضايا هامشية، وشغل الناس بالتفاهات، وصنع بطولات زائفة، عبر حرب غالبا ما تكون موهومة على الفساد أو على المنظومة السياسية الفاسدة…

ولا يهم إن تبين لاحقا أن بعض تلك البطولات “ليست إلا غزوات وهمية” مثلما حدث مع مصنع الحديد أو بعض مخازن البطاطا، فالشعبوية غير معنية بالحقيقة، بقدر ما هي معنية بخلق الانطباع (l’impression) وفي كل مرة تفتعل بطولة جديدة، كي تشغل الناس بها، وتضيع الحقائق خلفها..

والهدف من وراء كل ذلك الإيهام أو الإيحاء، بأن هذه إرادة الناس ورأي الشارع، ولكن الحقيقة أن الشارع شوارع، ولا توجد أدوات لقياس خيارات الناس وتوجهات الرأي العام غير صناديق الاقتراع.. ورغم ما قد يشوب العملية الانتخابية من نقائص، ورغم ما قد يكون لنا من ملاحظات عن “الديمقراطية” وخاصة في شكلها الغربي، إلا أنها كانت ولا تزال أرقى ما توصّل إليه العمران البشري من أدوات للفصل في مسألة الحكم والتداول عليه..

إن أخطر ما في الشعبوية، كما يرى عدد من الباحثين، هي مقاربتها “التبسيطية في استخدامها لمفردة “الشعب”، وادعاؤها أنها صوت وضمير هذا “الشعب”، فضلاً عن احتكارها لتمثيله من دون مراعاة قواعد التفويض والتعاقد السليم، وتركيزها على خطابٍ عاطفيٍّ، بدل الاحتكام إلى آلية واضحة ومتفق عليها وهي آلية الانتخابات وصناديق الاقتراع”.

والخطاب الشعبوي إضافة إلى أنه خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو ليبدو على أنه سائد، من دون أن يكون مفيدا، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية.

وما نراه من تخبط في معالجة أزمة المالية العمومية والاحتكار ومحاربة الفساد في بلادنا أمثلة على ذلك.

صحيح أن الشعبوية المعاصرة هي في أحد أوجهها نتاج لأزمة الديمقراطية بشكلها الليبرالي الأكثر توحشا وهو العولمة، وهي في بلادنا نتاج الأزمة التي عاشها الانتقال الديمقراطي منذ عشر سنوات، ولكنها تظل وفي جوهرها ضرب لمفهوم العقد الاجتماعي وللديمقراطية كآلية لتنظيم حياة الناس وتأسيس الحكم الرشيد… وهي في الأخير محاولة لاغتصاب السلطة باسم سلطة الشعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق