راي رئيسي

السياسة الخارجية.. وهم الحياد المخاتل

عادت من جديد ثنائية الاصطفاف والحياد للحضور بقوّة في السجال السياسي اليومي بين مكوّنات المشهد الحزبي والبرلماني من جهة، ولدى الرأي العام في منصات التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، تزامنا مع جلسة “مسائلة” رئيس البرلمان.

القصّة بدأت على إثر مكالمة هاتفيّة هنأ فيها زعيم حركة النهضة السراج رئيس مجلس الحكم المعترف به دوليا بانتصاراته الميدانية الأخيرة في الحرب الليبية – الليبية، فأطلق خصومه ضدّه حملة إعلاميّة داخليّة وخارجيّة، استعمل فيها المباح وغير المباح من قاموس الشتيمة لتشويه الغنوشي وإبراز موقفه على أنّه اصطفاف مباشر ومجاني وعمالة مفضوحة للحلف القطري التركي الداعم لحكومة السراج سياسيا وعسكريا، وخيانة مبدأ الحياد وثوابت الديبلوماسية التونسية، والتأكيد على فكرة منزع الغنوشي لافتكاك المبادرة من الرئيس قيس سعيّد لدكّ إسفين الخلاف بين مؤسسة الرئاسة والبرلمان.

لن نقف هنا على خلفيات تلك الحملة الممنهجة والموجهة من غرف التآمر العربي على الديمقراطية التونسية الناشئة، فهذا أصبح معروفا وبارزا لكل المتابعين للحالة التونسية، وما الحملة الإعلاميّة المسعورة التي قادها الإعلام الخليجي المصري ضد زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان، سوى التعبير المباشر عن حجم المراهنة على فكرة إلحاق تونس بدورة الفوضى والمباراة بالدم، التي أتت على دول الثورات العربية، وتركتها لمجهول التحارب الأهلي والخراب العام.

لا يهمنا هذا البعد الواضح في تحليل ملف سياستنا الخارجية فقد تناوله الجميع وأصبح حقيقة معلنة ولا يستحق سجالا ولا إثباتا، ما يهمنا هو أن “نهز بجذع الشجرة” مراجعةً لبديهة مقدّسة في كل التحاليل المتصلة بالديبلوماسيّة الرسميّة، ومدارها فكرة الحياد وعدم التدخّل في شؤون الدول الشقيقة والصديقة.

ينسب أغلب المحللين لبورقيبة مفخرة الحياد والصفر مشاكل في سياستنا الخارجية. فهل كان العهد البورقيبي وما بعده محايدا في سياسته الخارجية؟

تاريخ ديبلوماسية دولة الستقلال يكذّب هذه المسلّمة التي ارتقت إلى سلم البديهة ولنتذكّر أن تونس في فجر الاستقلال كانت أوّل دولة اعترفت باستقلال موريطانيا مثلا رغم حساسية المملكة المغربية يومها من ذلك الاعتراف، ولنتذكّر أنّ بورقيبة قد اتخذ موقفا مناقضا للسائد العربي زمن هيمنة خطاب التحرّر الناصري من القضية الفلسطينية، ولنتذكر موقف النظام النوفمبري من حرب الخليج الأولى، وموقفه من حصار نظام القذافي خلال وبعد ما سمّي بأزمة لوكربي الخ…

الموقف الديبلوماسي الرسمي وفي كل الدول تحدّده ثلاث مسارات متكاملة، أولها الأمن القومي، والثاني المصلحة العليا، والثالث الانتصار لعقيدة الدولة، وحزمة المحدّدات تلك تتنزل دائما ضمن الحجم والموقع الجيوسياسي من لعبة المصالح والهيمنة والنفوذ في المربّع الإقليمي والدولي.

ضمن تلك العناوين الكبرى لأي ديبلوماسية مستقلة وسويّة تصبح “مسلّمة الحياد” مجرّد فكرة وليست حقيقة، فسياسات الدول تبنى على المصالح وحيثما برزت المصلحة يموت الحياد.

وبناء على السابق نقرأ الاداء الديبلوماسي الرسمي منذ تولي الرئيس الجديد في باب البهتة العجز، وشلل المخيال السياسي المتجمد على نهر فكرة الحياد المخاتلة. ففي الوقت الذي تتسابق فيه كل دول الجوار الليبي في الرهان المشروع على احد اطراف الصراع الليبي-الليبي، للتموقع لا حقا في خارطة المصالح الاستراتيجية، والاستفادة من مآلات ونهايات الحرب القائمة، تتثاءب الديبلوماسية التونسية على سرير فكرة الحياد العاجز على استباق المآلات، والتعاطي السويّ مع ملف استراتيجي حارق في دولة جوار تربطنا بها شبكة معقدة من العلاقات التاريخية والسياسية والحيوية.

ولقد كان استثناء تونس من الدعوة لمؤتمر برلين الذي جمع كل المعنيين الدوليين والاقليميين بالملف الليبي تعبيرا فاضحا عن هامشية ديبلوماسيتنا، وعجزها المشبوه، وغيابها المخجل عن مربع التأثير في صراع عسكري دولي على حدودها تترقب في انتظارية حائرة مآلاته، وهي تعلم، بل وتردد في كل مناسبة، ان امنها القومي على الميزان.

في مقابل عجز وبهتة ديبلوماسيتنا الرسميّة نشطت ديبلوماسية الأحزاب في الاصطفاف الفجّ وراء المحاور المتنازعة في الجوار الليبي. وإذا كان أغلب المتابعين والمحللين يروّج إلى أن هذا الاصطفاف من بدع ما بعد الثورة التونسية، فإن جرد التاريخ وحساب الحاضر يؤكّد حقيقة أخرى تقول أنّ المركب الايديولوجي والحزبي في تونس الحديثة، كان دوما منحازا، وبمواقف معلنة من الصراعات العربية الإقليمية والدولية، سواء بدالة المنظور الايديولوجي، أو بداعي المصلحة المباشرة.

التاريخ السياسي الحديث مثلا، يفصح على تكرار هذا الاصطفاف في مواقف الأحزاب والرأي العام في تونس، والمنطقة المغاربية عموما، وراء أطراف النزاع العربي-العربي في الشرق الأوسط، ويكفي أن نتذكر المواقف من الحرب المصريّة اليمنية، وحرب اليمن بين شماله وجنوبه، والحرب الأهلية في لبنان، وحرب الخليج الأولى والثانية، وصولا إلى الثورة السورية.

الاصطفاف الإيديولوجي انتظم تاريخيا ضمن عناوين التضامن القومي، أو الأممي، أو الإسلامي. فاصطفاف الناصريين خلف مصر عبد الناصر في حربها باليمن، أو في نزاعها مع السعوديين على قيادة الجامعة العربية، كان له معنى ودلالة سياسية وأخلاقيّة واستراتيجية من المنظور القومي. كذلك الأمر بالنسبة لمناصرة الخميني عند الاسلاميين، أو تبنّي موقف الأبيض في اليمن الجنوبي، والجبهة الوطنية في لبنان عند أغلب فصائل اليسار التونسي والعربي، فليس غريبا ولا من باب البدعة أو الشذوذ عن التاريخ والواقع أن نشهد اليوم مواقفا إيديولوجية أو حزبيّة منحازة لهذا الطرف أو ذاك في الجوار الليبي.

من هذه الزاوية يبدو النفخ في مزامير الحرب على رئيس البرلمان، واتهامه بالعمالة والمتاجرة بالمصالح العليا للدولة، صدى مباشرا لاختيارات إيديولوجية، ومصالح حزبيّة متشابكة مع المحور السعودي الإماراتي المصري الداعم للمشير حفتر. فدعوى الحياد في حقيقتها، وبجرد الموجود السياسي، تعني الانتصار للطرف المقابل، بل وتؤكد العديد من المعطيات والمؤشرات أن الاحتجاج على مكالمة الغنوشي للسراج، كانت مجرّد دعاية سوداء فجّة لتصفية منجز الثورة الدستوري والسياسي، على ما تبيّن من الحملة الاعلامية المكثفة لأبواق الإعلام الإماراتي والمصري في الأيام الأخيرة. وعند هذا الحدّ تفقد أدوات التحليل السياسي مشروعيتها أمام فوضى المعنى في فهم مواقف المعنيّين بالاحتجاج على موقف رئيس البرلمان.

الاقتراب من الراهن الوطني وتفاصيل تعاطيه مع الحرب في ليبيا، يحيلنا في حالة المناصرين للمحور الإماراتي – المصري على تناقض حدّي مفزع بين الموقع الايديولوجي والموقف السياسي.

وإلّا ما معنى أن يصطف يساري يبشر بالعدالة الاجتماعية هنا، ويناصر دول الكمبرادور المالي هناك؟!

وأية دلالة تنبجس من موقف ليبرالي حداثي يدافع بشراسة في تونس على حقّ المساواة في الإرث أو حقوق المثليين ويتخندق في ليبيا مع أنظمة تحرّم سفر المرأة من دون محرم ولا تسمح لها حتى بحق سياقة السيارة ؟!

ضمن أي أفق ستتأوّل اصطفاف المناصرين لسوريا بشّار باسم القوميّة العربيّة أو ما يسمّى بخط الممانعة، مع السعودية والإمارات والتي تقف في سوريا في صف الداعمين لسقوط بشار وتدعم حفتر في ليبيا؟!

الجديد في راهن انخراطنا في معارك الشرق الأوسط اليوم هو هذا الغياب الفضائحي للمعنى والدلالة. هو في غياب أي محتوى رمزي أو استراتيجي في تحديد الموقف والموقع من الأزمة الليبية اليوم. فالأطراف المساندة للمحور السعودي / الإماراتي يفصح خطابها عن مفارقة عجيبة لا يفسرها أو لا يبررها إلّا ساحر أو مجنون.

عمق التخارج بين معنى الالتزام في الموقف، وبين فوائض الانتهازية، لا يمكن فهمها إلّا في سياق أخلاقي فضائحي يستغرقه بوضوح فجّ معنى العمالة والاسترزاق.

لقد وجدت ريعية العقل السياسي الخليجي سوقا للاستثمار الأسود في قطاع كبير من نخبنا السياسية المحسوبة على الحداثة، وأثبتت تونس ما بعد الثورة ضعف ولائها للديمقراطية، وعدائيتها المرضية الخالدة للإسلاميّين.

في العداء للإسلاميّين قد يكمن بقايا المعنى في هذا التخندق الغريب مع المحور الإماراتي المصري في ليبيا.

الحرب مشتعلة في ليبيا وبقايا معناها ينز على سماء الخضراء بما ينشط همة التخلص بالحلول الاستثنائية من حركة النهضة.

يتأكد للمتابع والمعني بالحالة التونسية، أن خصوم النهضة لم ييأسوا من ممكن إزاحتها من المشهد على الطريقة المصرية.

في هذا المدار يمكن أن نلتقط المعنى السياسي وراء تخندق جزء من نخبنا في الصف الحفتري، وهو معنى يفصح على رغبة حالمة بممكن محو مسار ما بعد الثورة، وانتزاع تونس من أفق الحداثة السياسية، وتحريف مسارها نحو الديمقراطية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق