راي رئيسي

“الشتات” و”حصاد الشتات” لخديجة التومي..
حينما يكون السجن هدرا للحلم وكسرا للتاريخ

إن الحديث عن أدبية النص الذي يجعل من السجن موضوعا له لا اختلاف فيه بين الدارسين، ولكن الاختلاف في الشكل الأدبي الذي احتوى هذا الموضوع والذي يكاد يجمع أصحابه، على كونه رواية من خلال الإعلان عن ذلك على الغلاف، ولكن هذه الروايات تختلف باختلاف الراوي وجميعها تشترك في كونها تروي سيرة ذاتية أو غيريّة، على أن الحديث عن أدبية السيرة مازال طور الدرس وذلك لغياب تحديد للمقصود بها ولو بشكل حدسي يرصد موقعها في الخارطة الأجناسية المجاورة لها والمتداخلة معها تداخلا حدّ التماهي.

و”الشتات” هو العنوان الذي اختارته خديجة التومي لمؤلفها الأول، صدر عن مكتبة تونس، 2011، ثم ألحقته بحصاد الشتات، وقد صدر أيضا عن مكتبة تونس، 2013  و كذلك رواية آخر المورسكيات: قلب أندلسي، الصادر عن دار النشر للثقافة والعلوم، مصر: القاهرة، 2018.

ويظل كتاب الشتات هو المؤطّر لكتابات خديجة التومي من بعده. والشتات مصطلح حديث عرفه العرب مع بداية تهجير الفلسطينيين عن وطنهم ليحل محلهم اليهود. ولكن الشتات عند خديجة التومي يعني الشتات الأصغر الذي حلّ في عائلة التومي الصغيرة حينما قُيّض لها الجمع، حينما “طوّق الوجع أيام العمر.. وكان الشتات إلى الخليج.. واهب اللؤلؤ والمحار” ثم كان الشتات مرة أخرى حينما يزج بمعاذ في السجن بعدما زُفّ إلى زوجته عروسين كانا ، ولا يلويان على شيء غير الفرح المنقدح من لقاء ظل في أدراج الحلم يؤجله بعض العوز الماديّ، لم تحضر الدولة لمساعدة المحبين على اللقاء ولكنها حضرت لوأد هذا اللقاء الذي يُعدّ في عرفهم جريمة دفعت ثمنها كل العائلة، وقد كلّف العروس انتظار زوجها فترة من الزمن .. دون أن يوأد الحلم.

إن مؤلَّف “الشتات” لخديجة التومي، رغم وسمه بالرواية فهو جنس من التأليف في صميم السيرة، تنجزه زوجة سجين سياسي، لم تعايش تجربة السجن بقدر ما عايشت تجربة زوجها في سجنه المرّ بعد أن اختطفوه من حضنها فجأة على طريقة العصابات، وترك لها إرثا نفسيا ثقيلا وطّنت نفسها على تقبله أولا ثم تجاوزه ثانيا، وهي تصرّح بأنها “عاينت الواقع الذي عاشه الإسلاميون بكل مساوئه كما عاينت اعتقال زوجها الذي اعتقل بعد أسبوعين من زواجه. “فكانت بذلك نموذجا لزوجة سجين غادرها على إثر مداهمة على غير موعد. وما زال دويّ الصخب والسباب وجر الزوج من تلابيبه نحو سيارة سوداء رابضة في المنعطف المظلم يتردد في ذاكرتها.. كل ذلك الوجع المقيت لا يضاهيه عند الكاتبة سوى تنكّر الأهل والرفاق لها، فأصبحت وعائلتها في قطيعة مع الناس المحيطين بها.. الكل يتهرب منها ويتنكر لها، وكأنها تحمل وصمة عار، وهي تقرّ بأن مساهمتها تمثل بحثا في أسباب ولادة الإرهاب تحت سطوة من يمارسون الإرهاب على الشعب المستكين ويدعون محاربة العنف باستماتة.

وتهرع إلى روح أبويها تبثها لواعج الزمن القاني وفجائعه التي لم تنته بسجن زوجها، وما زالت تترى  “إلى روح أمي الطاهرة وقد سهرت الليالي ترقبني وأنا أقلب صفحات الكتب تدفع بي إلى النور بنظرات الطموح … إلى روح أبي الطاهرة وقد تملكته هستيريا ذات صباح خريفي حين قلب تربة حقلنا استعدادا للبذر ففوجئ بأشرطة الشيخ إمام وأبي دجانة وناس الغيوان وعشاق الوطن.. كنت خبأتها في رحم الأرض حذر مداهمات التفتيش المجنونة”.

هو كل ما تبقى من ذكرى نضالاتها الجامعية “حينما كانت الجامعات في غليان دائم.. تشابكت المذاهب والانتماءات واحتدّ الصراع بين كل الأطراف”.. حينها سيأخذها الحب إلى معاذ “حبّ تشوبه السياسة ولد وكبر في أرحام الثورة والمعاناة.. ذاك الحب البركان كان على وقع التحركات الطلابية والسهرات الملتزمة وأغاني الكدح والثورة”.. ولما كبرت آمال حوراء وأحلامها “جاءتها أولى رسائل الزوج المغدور معاذ من السجن”.. في ذاك الزمن الرديء منذ أن ركب البلد ظهر عفريت وأبى النزول”.. وتتكرر مأساة حوراء ومعاذ في “حصاد الشتات” في قصة محمد صالح الطالب الجنوبي في قسم العربية من دار المعلمين العليا وهو التائق إلى الفجر المضيء وقد أحاطت الظلمة بالوطن من كل الجهات الأربع. وقدحكم عليه بعشرين سنة سجنا نافذة في اليوم الثاني من زفافه “فلم يدخل القفص الذهبيّ بل قفصا حديديا رهيبا.. ثم “كان المنعرج على نفسية حوراء المتعبة أصلا، فضيعا” إنه الشتات، وتتواصل المحنة وتتعمّق المأساة حتى يكون الواقع في غرابته أشدّ وطأة وانكى من التخييل الجانح إلى الغرابة وهو الركن الواجب للسرد وأسّه المتين، وتنقلب الأدوار في شكل دراميّ متصاعد  يمتدّ إلى “حصاد الشتات في “حرب تجفيف المنابع ومنع العمل والدراسة وإقصاء المحجبات من الوجود الظاهر في المجتمع..” وهو ما تعبر عنه لورا بصيغة الماضي: “إنّ يزن وأباه رمز لأجيال محقت وسلبوا منها حقّ الحياة من أجل رأي مخالف وتوق إلى التحرر”

إن “الشتات” و”حصاد الشتات” للروائية خديجة التومي مسيّج بالسيرة الذاتية، ولكن رسم الحدود الصارمة التي تفصل بينها وبين المذكرات أو السيرة الغيرية والرواية خطّ فاصل بيّن وأن المسألة مسألة نسب. ومن السمات الواضحة أنها تنزع إلى الصدق وتسجيل الوقائع، ولكن دون أن نُقصي إمكانية التكتم أو الرقابة وهي في كل ذلك تحمل القارئ بعيدا في التخيّل والتخييل.  ولعل اتساع الفرق الزمني بين تجربة السجن والاعتقال السياسي وبين فترة كتابة الرواية وأحداثها، غالبًا ما تأخذ سنوات وهو واقع الحال في هذا النموذج إذ مثلت الثورة انبجاسا لفعل التذكر ومراودة التاريخ، وهو ما يفضي عادة إلى “نقص” في دقّة التحرّي، وتذكّر الأحداث والوقائع في تفاصيلها المرعبة، ونسبتها إلى أصحابها. وإن أدباء السجن غالبًا ما تكون روايتهم للأحداث التي عاشوها أو عاينوا أحبابهم خلف أسوار السجن، وشهاداتهم التي خطّوها بين دفتي رواياتهم وأعمالهم الأدبية، يعتورها بعض الدقّة في نقل الوقائع رغم حضور هاجس التأريخ ويبدو ذلك جليا في رواية آخر المورسكيات: قلب أندلسي، أو حتى روايتها الجديدة التي تتخذ من جزيرة جالطة بوابة للحلم والتأريخ.

إن تجربة السجن والنضال السياسي الذي تلبّس بالسرد عند خديجة التومي تظلّ تجربة ذاتية مثل كل تجربة إنسانية محضة، تخضع للعاطفة حبًا وكرهًا، وللتقدير إيجابًا وسلبًا. وإن أدب السجن في  ما كتبت خديجة يظل حقيقة منتقاة وجزئية، خاضعة للعامل الذاتي والانطباعي، وحتى للصنعة الأدبية، ولاعتبارات المحيط والمجتمع، وربما لغواية السوق والمردود المادي، علاوة على أنها تستند إلى ذاكرة مثقلة، أنهكها الزمن والمكوث سنوات في ظلّ الحيف وأعين القوّادة من رجال الحيّ والبوليس المنتشر في كل الأرجاء حتى خافها الناس وما عاد أحد من أجوارها أو أقرب الناس إليها يجرؤ على الاقتراب منها أو مدّ العون لها.

وفي أحايين كثيرة تصبح السيرة الغيرية في أدب خديجة التومي مجرد ذريعة لسرد سيرة الذات المنكسرة وهي تطوق إلى بناء عالم باللغة حينما عزّ واقعا .. في حبها وعذاباتها ولوعة الفراق والشتات الممضّ وفي تصدّع المجتمع وارتباك الحاكم وضياع الأمل الآسر. ولعل ما يميز هذه الأعمال هو ذلك العمل التوثيقي والإحساس بغبن التاريخ وقد غلب السّمت النضالي عن كلّ تفاصيله. وما نؤكّده أنّ مثل هذه الأعمال السردية سيذكرها التاريخ حتما لكونها جمعت بين السّمتين النضالي والإبداعي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق