الافتتاحية

الشعارت السياسية والمخاطر الحقيقية

خلف الشعارات السياسية وبعد أن “تذهب التخميرة” ستحضر القضايا الحقيقية التي علينا مواجهتها، بعيدا عن البروباغندا والتغنّي ببعض المنجزات الوهمية كزيت “الحاكم” الذي فقد من البلاد سويعات بعد ظهوره.. وبعد أن ننتبه من غفوتنا سنقف وجها لوجه أمام الحقائق الصلبة والقضايا الكبرى والمصيرية التي تهم بلادنا..

هذه القضايا هي اقتصادية بالأساس، ومنها القدرة الشرائية للمواطن، والتشغيل والتنمية الجهوية والإصلاحات الكبرى سواء تعلقت بالجباية أو بإصلاح المؤسسات العمومية المتعثرة أو مراجعة كتلة الأجور أو مراجعة الدعم للمواد الأساسية وغيرها.

وهذه القضايا لن يكون بالإمكان معالجتها ببعض المسكنات أو بعض الشعارات السياسية، بل بمواجهة التحديات التي تفرضها على بلادنا..

فالقدرة الشرائية لن تستعيد عافيتها ببعض الاجراءات التجميلية والترقيعية في علاقة بالتخفيض في الأسعار، بل بمراقبة حقيقية لمسالك التوزيع وكلفة الانتاج سواء لدى الفلاح أو المصنع، وكلفة المواد الأولية، ثم اتخاذ قرارات شجاعة تحدّد أسعار بعض المواد.. لا أن يكون الأمر ارتجاليا ويترك القرار لبعض الاجتهادات سواء من التجار أو الفلاحين أو الصناعيين، وهو ما ثبت فشله بدليل عودة بعض الأسعار إلى الارتفاع، فيما ظلت التخفيضات في بعض المواد الأخرى بلا معنى، لا تتجاوز 5 مليمات في سعر المواد مثلا..

ونفس الشيء يقال عن التشغيل ومحاربة الفساد، فالأمر يتطلب سياسات وخطط وإجراءات وقرارات واضحة، وليس مجرد دعوات تطلق على الهواء، قد تجد من يستجيب لها وقد لا تجد..

الحقائق الصلبة اليوم التي على بلادنا مواجهتها تتعلق بالتوازنات المالية المختلة وبانعدام السيولة الكافية لتغطية الأجور في الوظيفة العمومية.. وفي صعوبة توجهنا إلى السوق المالية العالمية للاقتراض في مثل الظرفية السياسية التي نعيشها..

فالشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي أمام بلادنا في أي مفاوضات قادمة وهي رفع الدعم عن المواد الاساسية بما في ذلك المحروقات، ومراجعة كتلة الأجور بما يعني تخفيض فاتورة رواتب موظفي الدولة ووضع سقف لهذه الرواتب لا تتجاوز نسبة 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 مقابل 17,4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2020، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية الخاسرة أو المتعثرة..

هذه الاجراءات القاسية والضرورية، ستكون كلفتها الاجتماعية كبيرة جدا، على المواطن الذي أمل في أن تتحسن أوضاعه المعيشية، وأمل في تخفيض حقيقي للأسعار بهدف تحسين قدرته الشرائية، ولكنه سيكون في الحقيقة أمام إمكانية للحد من أجره في مقابل ارتفاع كبير في الأسعار بسبب رفع الدعم وخاصة المحروقات.

تضاف إلى ذلك تحديات تسديد أصول وفوائد ديون بحوالي 14.625 مليار دينار تقريبا العام الحالي، دفعت منها أقساط إلى حد الآن ومازالت البقية تنتظر، علاوة على الحاجة إلى 18.525 مليار دينار تقريبا لاستكمال تمويل ميزانيتنا لعام 2021.

وإضافة إلى هذه الشروط ذات الطبيعة الاقتصادية، فإن التوجه إلى السوق المالية العالمية، لا يمكن أن يتم دون حكومة أو بحكومة ضعيفة وفاقدة لأية شرعية، كما أن التوجه إلى هذه السوق لا يمكن أن يتم دون خطة وضمانات واضحة لتطبيق الالتزامات التي ستُقدم عليها بلادنا..  ما يعني أن أول الشروط للخروج إلى السوق المالية العالمية هي تشكيل حكومة قوية ذات بعد اقتصادي، وتكون شرعية أي تستمد شرعيتها من المؤسسة التي انتخبها الشعب، وهي مؤسسة البرلمان، وأن تكون لها خطة واضحة للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد.

هذه هي التحديات الحقيقية وهذا هو الخطر الداهم الذي يتطلب معالجات علمية بحسابات دقيقة، لا خطابات رنانة وشعارات سياسية لدغدغة المشاعر.. وأي محاولة للمناورة والقفز على هذه الحقائق أو الالتفاف عليها سوف لن تزيد الأزمة إلا تعمقا والوضع سوءا..

هذا الوضع الدقيق للغاية يتطلب جهدا جماعيا وطنيا تشترك فيه كل القوى الحية في البلاد، من أحزاب وجمعيات ومنظمات وطنية إضافة إلى المؤسسات الرسمية، وأي محاولة لإنكار هذه الحقيقة هي محاولة للهروب إلى الأمام، وإمعانا في تأبيد الأزمة.

كذلك المحاولات الترقيعية كأن نلجأ إلى بعض الدول لسد عجزنا لهذا الشهر، أو هذه الفترة، لن يحل المشكل أيضا، لأن المطلوب هي اصلاحات هيكلية وايجاد حلول جذرية للأزمة الاقتصادية والمالية التي نعيشها، وهذه الأزمة لن تحلّ بالتسول أو بالهبات التي لا نعرف ثمنها وتكلفتها السياسية على بلادنا .

تونس تحتاج منا لحظة إدراك لحقيقة المخاطر التي تتهددنا جميعا ولا مناص من أن نتفق نحن التونسيون على خارطة طريق لإصلاح أوضاعنا الاقتصادية والسياسية قبل أن نتوجه إلى الخارج أيا كان..  وفي المقابل فإن أي دعوات للانفراد بالرأي وضرب الشرعية ورفض للحوار ستكون رسائل سيئة للصناديق الدولية ولسوق المال العالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق