راي رئيسي

الشعبوية القاتلة (الجزء الثامن)..
بؤس الشعبوية الصلبة وصعوبة النقد..

استعرضنا في الحلقات السابقة من هذه السلسلة نماذجا من أهم عناصر تشكل الخطاب الشعبوي الذي برز مع تعمق الازمة السياسية والاجتماعية قبيل وخلال وبعد انتخابات 2019، ذلك الخطاب الذي توزّعت مواقع انتاجه والاستثمار فيه بين قيس سعيّد وعبير موسي وسيف مخلوف، أي بين فاعلين موزعين على نقاط رخوة ورمادية في الخارطة السياسية تتقابل مشاريعها وتتناقض هواجسها وتتعاكس آفاقها في الظاهر ولكنّها تتّحد في بنية التفكير ومدارات الأثر العيني للخطاب والأداء والمآلات.

الشعبوية “إيديولوجيا صغرى” منطلقها بسيط غير مركب عنوانه الانحياز للشعب ضد النخب سياسية كانت أو اقتصادية، وجوهرها تقسيم حدّي للعالم بين منطقة النور ومنطقة الظلام (المانوية) وطموحها الإقناع أنّها تمثل منطقة النور والخير المطلق في مقابل أقلية الأشرار الفاسدة المتحكمة بمصير الأغلبية المقموعة بعنف مادي ورمزي ممنهج ومنظم (السيستام) واستحضر هنا جملة يردّدها قيس سعيد تكثف كل معاني الشعبوية ومحاميلها الفكرية والسياسية “الانتقال من دولة القانون إلى مجتمع القانون”.

في تقديري أن هذه الجملة هي أخطر ما ورد في قاموس الشعبوية بتليوناتها الثلاثة الموزعة بين أضلاع مثلث (قيس وعبير وسيف)، لأن دلالة الجملة تختزن كل معاني الانقلاب الشعبوي على أسس ومعمودية النظام الديمقراطي، وجوهره النظري كما تبلور مع فلاسفة العقد.

ما يمكن تسجيله في خلاصة مقاربتنا للظاهرة الشعبوية نكثفه في الملاحظات التالية:

أوّلا، إن نقد الشعبوية تمرين صعب، حيث يضيع خيط الفصل بين الإقرار بنبل فكرة التعبير عن هواجس وأحلام الشعب، وتجسيدها في مشروع يخترق العمودي والنخبوي واحتكار الأقليّة لموضوع الحكم من جهة، والمآلات الفاشستية للفكرة إذا استحضرنا واعتبرنا من التاريخ القديم والحديث بداية بديماغوجية ايكيلون في أثينا والقيصر يوليوس في روما، مرورا بشعبوية الثورة الفرنسية سيئة الذكر، وصولا إلى الخطابات النارية لايفيتا زوجة الزعيم خوان بيرون في أمريكا اللاتينية في ثلاثينات القرن الماضي، وتعريجا على ناصرية القوميين العرب في مصر الستينات، وصولا إلى شطحات ترامب واليمين الإسباني واليوناني في السنوات الأخيره. فالشعبوية تبدأ بدغدغة هواجس الجمهور وأحلامه بالحريّة والعدالة والمجد الوطني، وتنتهي دائما إلى مشاريع فاشية دموية تحتكر فيه السلطة أقليّة جديدة باسم الشعب تنفيذا لإرادته في الظاهر وقمعا لكل أشواقه بالحاصل والعيني والملموس.

ما أردت لفت النظر إليه هنا أنه من الصعب مواجهة ونقد الخطاب الشعبوي في بداياته لأنه يلتقط من هيكل أزمة الاجتماع السياسي عناوينه الكبرى ويختزلها في جملة بسيطة ومباشرة تقفز على كل تركيب منهجي لفهم عناصر الأزمة وتفاصيل حلولها الممكنة، فالتفصيل والأرقام والصرامة العلمية والمنهجية والعقلانية الهادئة ضديد الخطاب الشعبوي ومقتله، لذلك يقفز الخطاب الشعبوي على التفاصيل ويهرب إلى الانشائية الخطابية السائبة، ولنا في خطاب الرئيس سعيد مثالا ناجزا في حديثه المتكرّر عن الفساد والفاسدين، وعجزه بعد سنتين من الخطابية النارية عن الفساد والفاسدين عن تقديم مبادرة عينية أو تشريعية لمقاومة الفساد، أما عبير فلا يذكر الرأي العام حديثا لها عن برامجها الاجتماعية والاقتصادية رغم ثرثرتها وحجم حضورها الإعلامي اليومي. فالفواصل والتفصيل والعيني والملموس مقتل الشعبوية أو هذا ما أردنا التنبيه إليه في ملاحظتنا الأولى المتصلة بصعوبة نقد الشعبوية.

ثانيا، الشعبوية بنت الأزمة، فكلما تعمّقت حدّة الأزمات السياسيّة وتشابكت عناصرها يبزغ الخطاب الشعبوي، ليركب البطل المغوار “الحصان الأبيض” ويمتشق سيف فارس القبيلة المنقذ للشرف والمصير.

ليس من السهل ولا من السالك بل لعله من قسوة التاريخ أن تمتحن ديمقراطيتنا الغضة بسرطان الشعبوية في مرحلة بينية رخوة وهائجة ومتفلتة، فالنخب الجديدة التي تولّت تأمين العبور من زمن الاستعباد إلى زمن الحريّة، فشلت بهذا القدر أو ذاك في الإقناع بأن كلفة التاريخ “الطبيعية” تقتضي أن ندفع ثمن التغيير الجذري (جوهر الثورة) إمّا من أرواحنا ودمائنا أو من خبزنا وجوعنا، وقد تجنبنا كلفة الدم وكان يجب أن ندفع كلفة الخبز.

لم تكن هذه الفكرة من الوضوح الكافي لإدراجها في خطاب تواصلي يصارح الناس بتعقيد اللحظة وقسوتها، فسقط الجميع في كثيرا أو قليلا من الشعبوية، واستثمروا في وهم الوعود الانتخابية السائبة، لتتعمق القناعة لدى الشارع أن الجميع في الكذب والتزوير والفشل سواسية، ولتقفز “الشعبوية الصلبة” من هذه النافذة وتستثمر في يأس الناس من منجز الثورة السياسي والنخب التي ادارته.

ثالثا، تتجلّى الأزمة في الطرح الشعبوي، سواء في شقه اليميني أو اليساري، أنه أثناء إنتاجه لبروبغاندا الانحياز المباشر للشعب، يفرض تعريفات حاسمة لما هو هذا الشعب، بشكل مهموم بالنقاء والطهورية، فتختلط المعاني والدلالات في فوضى عامة خطورتها بالنهاية في تهيئة المناخ النفسي والسياسي لولادة “الشعبوية الصلبة” ونقصد بها تحَوّلها إلى إيديولوجيا واستراتيجيا ومن ثمة إلى ثقافة حكم.

الشعبوية كأيديولوجيا هي كل خطاب يستتبعه حراك ميداني محركه فكرة بسيطة ومباشرة تقول أن الفضيلة كامنة في البسطاء، الذين يشكلون الأغلبية المطلقة، وفي تقاليدهم ونمط حياتهم الجمعي، وعلى هذه الفكرة الأهلية أو العضوية المحافظة تحاول الشعبوية الصلبة حشد جمع هو في حقيقته فصيلا موتورا من الجمهور ضد مجموعة من النخبة أو “الآخرين” الذين يشكلون خطرًا على القيم العامة وهوية الشعب أو قوته ازدهاره.

والشعوبية كاستراتيجية: هي استراتيجية سياسية يحاول من خلالها الزعيم الفذّ/الملهم ممارسة السلطة بناء على دعم مباشر وغير مؤسسي من عدد كبير من الأتباع غير المنظمين.

أما الشعبوية كثقافة حكم فهي الاعتقاد بأن السياسة الحكومية يجب أن تمثل رغبات الناس وأن الناس لا يكونون أحرارًا إلا حين يتطابق القانون وإرادتهم وهذا ما عبر عنه قيس سعيد بضرورة النقلة من دولة القانون الى مجتمع القانون.

حاصل القول من كل السابق أن الشعبوية في تونس اليوم خطر داهم يوشك أن يعصف بالمركب وراكبيه في نصاب ديمقراطي غض وهش وإذا كانت الديمقراطيات العريقة تمكّنت بعد معاناة وبالحاصل على معالجة الظاهرة وقذفها في هوامش التأثير على المصير العام، فإنّ ديمقراطيتنا الوليدة تبدو مهيئة للالتفاف عليها بحبل الشعبوية المتنامية منذ الانتخابات السابقة وهو ما يستدعي منّا الانتباه أوّلا لحجم الخطر الداهم وضرورة اجتراح الممكن والفعال لتجاوز حدّة الأزمة العامة، فمن الأزمة وحولها تنتعش الشعبويات وتنمو بسرعة قد تتجاوز قدرة العقل على ضبط منازع الغريزة لافتكاك المبادرة ورمينا بقسوة في زمن التوحّش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق