راي رئيسي

الشعبوية القاتلة (الجزء السابع)..
السيادة الوطنية: حد الحقيقة وحدود الوهم!

تغذّى خطاب سيف الدّين مخلوف وصحبه من شعار السيادة الوطنية وكانت الشبيبة التي أسست ائتلاف الكرامة الأكثر حضورا ونشاطا أيّام حملة “وينو البترول” الشهيرة، وقد توّج خطابهم العنيف على هذا المحور بتقديم مشروع اللائحة الشهير الذي يطلب من فرنسا الاعتذار عن جرائمها زمن الاستعمار.

وللتذكير فإن الرئيس الذي يشاركهم الشعبوية المزايدة هو من أطلق رصاصة الرحمة على مشروع لائحة الاعتذار الشهيرة يوم صرّح في باريس أن فرنسا لم تستعمرنا وكنّا تحت نظام الحماية وقال جملته الشهيرة “من يعتذر يتهم نفسه”.

سنحاول في هذه المقاربة أن نساجل مضمون الشعار الذي يمثل إحدى أقانيم تأسيس شرعية ائتلاف الكرامة.

لا شكّ أوّلا في أن جزء كبيرا من النخب التونسية ومنذ توقيع وثيقة الاستقلال قد شكّكت في استكمال السيادة الوطنية. وذكر التاريخ أن الخلاف اليوسفي البورقيبي الدموي قد بدأ بتشكيك اليوسفيين في وطنية بورقيبة وتأكيدهم أن ما وقّعه مع منداس فرانس ليس سوى صفقة بيع للوطن وخيانة لدماء الشهداء.

فالدولة الوطنية من منظور أول معارضة للنظام البورقيبي ولدت منقوصة السيادة، ورسم مستقبلها لتبقى تابعة للمستعمر الفرنسي.

وقد تغذّى خطاب المعارضة الوطنية من اليسار إلى الإسلاميّين من هذه “المسلمة”، وعمل الجميع على أجندة تجاوز معطى الدولة الوطنية وإسقاط نظامها باعتبارها دولة تابعة ومنعدمة السيادة في الأقصى أو سيادتها منقوصة في الأدنى.

فملف السيادة الوطنية ليس جديدا ولا مستحدثا في السياق الثوري بعد 2011، بل كان أحد محاور خطاب المعارضة الوطنية في العهدين البورقيبي والنوفمبري على ما هو معروف ومتداول من الجميع.

الجديد بعد الثورة وفي زمن الديمقراطية هو أنّه أصبح من محاور السجال المفتوح في الفضاء العام، وتعمق أكثر باستحضار موقف الفرنسيين من الثورة، ودور “السفارة” ونخبها الفرنكوفونية في التشويش على العملية السياسية، وضرب المسار. وهو ما دفع بعض النخب المنحازة للثورة لرفع سقف المطالب المتعلقة بالعلاقة مع فرنسا، وفي مقدّمتها مسألة اللغة وملف عقود الملح والطاقة.

ضمن هذا السياق السجالي ارتفع صوت مخلوف وائتلاف الكرامة لتخلّص من وصاية فرنسا وأذنابها كشرط تاريخي ولازمة سياسية لإنجاز انتظارات الثورة.

إحدى مكامن قوّة الخطاب الشعبوي وتأثيره أنه غالبا ما ينطلق من مسلمات بسيطة و بديهيات لا يختلف حولها اثنان، فلا أحد يناقش معطى التلازم بين الاستبداد والتبعية في التاريخ الحديث للدولة الوطنية في الفضاء العربي.

فقد ولدت دولة الاستقلال بتشوهات تاريخية بارزة كان في مقدّمتها تبعيتها المفضوحة لمراكز صنع القرار الدولي، وكلّنا يذكر توزّع تبعيتها المعلنة إبّان الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

السيادة على القرار الوطني وتملك المصير ليست مجرد إرادوية سياسية مهما تدرجت في سلم الصدق وعمق الإحساس الوطني، بل هي في العمق والأساس موقع في خارطة القوة والنفوذ خارجيا تحدّدها القدرة على توظيف مكامن القوّة الرمزية والبشرية والمادية لدى الدول، وتصريفها في مشاريع انتاج مادي ورمزي ضمن رؤية استراتيجية للحضور الإقليمي والدولي. ودول ما سمي بالعالم الثالث أو الدول النامية ولدت في أغلبها معطوبة بمحدودية قدرة نخبها على التخطيط الاستراتيجي للتخلص أوّلا من إرث التبعية وللبحث ثانيا عن موقع محترم في دورة الانتاج العالمي.

وإذا دفعنا التحليل في اتجاه كوني سنكتشف سطحية وسذاجة شعار السيادة الوطنية باستحضار أزمة المفهوم مع مستجد لحظة العولمة.

فجوهر العولمة هو التبعية المتبادلة بين دول الهامش ودول المركز، وانهيار البورصة في سنغافورة أو دبي تسمع صداه وتقرأ تداعياته في نيويورك وباريس.

العولمة مع الثورة التواصلية وبروز تنظير النهايات من نهاية التاريخ عند فوكوياما إلى نهاية الجغرافيا عند كنييشي اوهماي k. Ohmae تتوارى سردية العلوم القانونية حول مفاهيم الدولة والسيادة الوطنية وتترنح مقولات القانون الدستوري علي تخوم الليبرالية الجديدة، حيث تهاوت تباعا دولة الأمن والسيادة، فدولة الحماية، ثم دولة الإنقاذ، وأخيرا دولة الأدنى الاجتماعي على نحيب بوردييه في آخر كتاباته حول نهاية الدولة /الامة.

فيوم التوقيع على العملة الموحّدة في الفضاء الأوروبي ماتت فكرة الدولة /الأمّة ومن تحتها ومن فوقها فكرة السيادة الوطنية كما نظر الفقه الدستوري في القرنين الثامن والتاسع عشر.

تبدو فكرة السيادة الوطنية من هذه الزاوية الكونية مضحكة من فرط سذاجتها بعدم استيعاب تسارع سقوط سرديات المجد الوطني في عالم شبكي جديد بصدد التشكل والحضور الثقيل بعيدا عن أقانيم فلسفة العقد والايفياتون الكلاسيكية والمفوتة.

وبالعودة إلى الجغرافيا الوطنية والسجالية المنفجرة حول مقوّمات السيادة، وتملك القرار الوطني في تونس ما بعد الثورة نذكر أن العالم الجديد بصدد البحث الشقيّ عن مفاهيم إجرائية يضبط بها تحول علاقتنا بالجغرافيا والزمن وفي مقدّمتها سقوط الحدود بين الدول واستحالة الرقابة على حركية التبادل للأفكار والسلع في عالم الانسان التواصلي الجديد هذا أوّلا. أما ثانيا، وبمجاراة فكرة السيادة فإنّ من المعلوم أن العالم اليوم تحكمه أنصبة امبراطورية متجاوزة لفكرة العرق واللغة والثقافة، ومركزة على فكرتي الانتاج والتبادل ومن ثمة الحضور في السوق العالمي المفتوح. وما ولادة الاتحاد الاوروبي عنا ببعيد، وهذا يدفعنا للقول أن طرح فكرة السيادة خارج عمقنا الإقليمي المغاربي أو العربي أو القاري الإفريقي يمثل دعوة شعبوية طهورية مفعمة بالحس الوطني بقدر ما هي ساذجة وبسيطة وطفولية بدون معنى ولا دلالة في أرض الواقع، وجرد الحساب على ارض الجيواستراتيجي ومعادلة الحضور والقوة والنفوذ في المحيط والعالم.

أزمة الخطاب الشعبوي في مدار فكرة السيادة الوطنية هو في كسله الذهني الذي لم يغادر عالم ما بعد الحرب العالمية الثالثة وفرازيولوجيا جيل الخمسينات والستينات حول التحرّر من الهيمنة الامبريالية كما برزت في قاموس تيتو وعبد الناصر ونهرو ولوممبا وكاستروبومدين وغيرهم.

يبدو خطاب مخلوف والعلوي والعفّاس تحت قبّة البرلمان ذات يوم عند تقديم لائحة الاعتذار خطابا صادقا وبريئا يدعونا للتخلّص من هيمنة فرنسا على قرارنا الوطني، ولكنه في الحقيقة والملموس يشوّش على أولوياتنا الوطنية وفي مقدّمتها التفكير الاستراتيجي الهادئ حول موقعنا الإقليمي والدولي من خارطة القوة والنفوذ في العالم، وإذا استحضرنا أننا نصارع من أجل تملك شرط الحرية والتخلّص من منظومة الاستبداد والفساد نستكشف حجم الوهم والطوباوية وأحيانا المزايدة بشعار السيادة الوطنية الجميل. (يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق