أهم الأحداثاخر الأخبارالافتتاحيةوطني

الشعبوية.. والثورة

صراع الماضي والمستقبل.. الديمقراطية كحتمية تاريخية

حالة الرداءة السياسية التي نرى أوجها منها في البرلمان وفي بعض المنابر الإعلامية والقنوات التلفزية، حالة عادية كانت موجودة منذ قيام الثورة وستتواصل إلى فترة من الزمن، ولكنها وفي جميع الحالات لن تؤثر في جوهر عملية الانتقال الديمقراطي وهي إلى زوال ولو بعد حين..

وهي في الحقيقة حالة عادية لأن كل ثورة تترافق مع ثورة مضادة، تمثل كتلة المصالح والزبونية التي بناها الاستبداد وحكم بها ومن خلالها، وهي تحاول جاهدة أن توقف الزمن والعودة به إلى الوراء، وهي في الآن نفسه تتمثل كل سيئات وسوءات الماضي الذي قامت عليه الثورة..

وهي حالة عادية أيضا، لأن كل الثورات تتعرض إلى مثل هذه المحاولات من الارباك وترذيل العملية السياسية وافتعال صعوبات اقتصادية وتململ اجتماعي، في محاولة لدفع الناس إلى الكفر بالمنظومة التي أتت بها الثورة، ومحاولة خلق حالة (مزعومة) من الحنين إلى الماضي..

للأسف هناك من سكت وتواطأ وربما صفّق لهذه الرداءة لأنها بحسب ظنهم تستهدف خصمهم السياسي، مثلما تواطؤوا وسكتوا على آلاف الاضرابات وقطع الطرقات وكل محاولات الارباك والفوضى التي عاشتها بلادنا بعد 2011، متناسين أن هذه الرداءة تستهدف كل الأطراف، وهي إذ توجه اليوم ضدّ طرف بعينه، فإنها ستأتي فيما بعد على الجميع.. وما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وتراجع انتاجية العامل التونسي إلى ما يقارب الصفر في بعض الحالات، إلا نتائج طبيعية وآثار مباشرة لذلك الصمت وذلك التواطؤ..

ويخطئ أكثر من يعتقد ان المستهدف هو طرف معين، ويتجاهل او يجهل ان المستهدف هي الثورة وأجواء الحرية والديمقراطية الي تعيشها بلادنا..

بالنسبة للمخلصين من أبناء الثورة والصادقين في الحفاظ على الثورة والانتقال الديمقراطي، سيكون عليهم تحمّل التعايش مع هذه الرداءة وبقايا الاستبداد لفترة معينة، وسيكون عليهم تقبل نتائج اللعبة الديمقراطية، حتى وإن استفادت منها بعض القوى الفوضوية والشعوبية إلى حين..  رغم ان البعض يدعوا الى ان تكون للديمقراطية انيابا تدافع عنها، وتضع حدا لحالة التسيب والفوضى التي تضرب اهم مؤسسة من مؤسسات الدولة.

لأن هناك من يريد أن يجرّ البلاد إلى حالة أبعد من مجرد التهارج السياسي، أي إلى العنف، ويلعب دور الضحية، ليوهم الناس بأننا قوم لسنا جديرين بالديمقراطية، وأن الديمقراطية لم تجلب لنا الأمن والاستقرار والعيش الرغيد، وأننا شعب لا يمكن أن يساس بهذا النظام السياسي الذي يقود أغلب بلدان العالم المتحضرة، والمسكوت عنه في هذه (النتيجة) أننا قوم لا نستحق إلا طاغية يحكمنا كما كان يُفعل بنا منذ الاستقلال إلى الآن..

ولكن الأكيد أن هذه الحالة لن تكون مؤثرة ولن تستمر..

أولا: لأنها مفتعلة وليست تعبيرة عن رد فعل اجتماعي شعبي، بقدر ما هي ظاهرة مدفوعة الأجر.. وقد صرّح بعض أعضاء المجلس التأسيسي أنهم كانوا يقبضون مقابل الفوضى التي كانوا يثيرونها في المجلس مثلما نرى اليوم.. ومثلما انكشف الآخرون وتحولوا إلى مادة للنكات سيتحوّل مهرجّو اليوم إلى مادة للتندر والسخرية وتلك بداية السقوط..

ثانيا: هي لن تستمر لأنها مكشوفة والجميع يعلم أنها تعمل بوضوح في خدمة أجندات إقليمية ودولية معادية لمسارنا الوطني الذي خطه شعبنا بعد الثورة.. لذلك ظلت هذه الظواهر منبتة، تنتفخ كالفقاعات لفترة من الزمن ثم تزول كأنها زبد من تحته ماء، وقد عايشنا العديد من هذه الحالات التي تطفوا على السطح بسرعة البرق وتزول بنفس السرعة أيضا ..

ثالثا: هي لن تستمر لأنها ضد مسارات التاريخ وسننه، وهي تحاول الوقوف بوجه هذه المسارات، وضد دخول المنطقة الزمن الديمقراطي والالتحام بروح العصر.. وهذه المحاولات ستبوء بالفشل، لأن للتاريخ أحكاما وسننا أكبر من طاقة البشر – وحتى الدول – على الوقوف بوجهها، لأنها مرتبطة بقوانين وميكانيزمات تتعلق بالحتميات التاريخية وبطبيعة نشوء واندثار الدول والحضارات أو الأمم، كما وصفها العلامة بن خلدون في كتابه المقدمة، واعتبر فيها الدول والأمم كائنات حية تولد وتنمو، ثُمَّ تهرم لتفنى مصداقا لقوله (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ)..

وما نشاهده اليوم في العالم كله وما يقرّه ساسة وعلماء غربيون هو أننا اليوم أمام تحولات جيو-استراتيجية كبرى قد تغير وجه العالم في غضون العشر سنوات القادمة.. وما يجري هنا أو هناك من محاولة لتعطيل أو افشال هذه التحولات، هي أشبه بمحاولة البعض الوقوف بوجه القدر أو الأجل.. لذلك لن ينجحوا وستجري سنن التاريخ عليهم كما جرت على الذين من قبلهم.

لذلك قلنا أكثر من مرة أن الذين يحاولون إثارة الفوضى وايقاف مسيرة شعبنا ومنطقتنا، يعيشون في الماضي، وهم محكوم عليهم بالفناء، لأنهم خارج الزمن الذي تعيشه البلاد ولا يدركون حجم التحولات الجيو-استراتيجية التي تُنبؤ بتغيرات كبرى وتبشّر بنظام عالمي جديد.. بعد ان بدأت تظهر للعيان نهاية وفشل النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على جملة من الشعارات والقيم التي استهلكت كلها ولم تعد قادرة على إلهام الشعوب التوّاقة نحو الحرية والديمقراطية..

فالليبرالية انتهت إلى عولمة متوحشة والديمقراطية الغربية انتهت إلى شعبوية، والشّرْعة الدولية لحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير المصير، كلها شعارات تبيّن زيفها عندما وضعت موضع اختبار سواء في فلسطين أو في غيرها من مناطق العالم.. ولم يعد أحد يؤمن بها أو يصدقها بما في ذلك الغربيون أنفسهم..

في هذا المستوى من القراءة تصبح بعض الظواهر المرضية في حياتنا السياسية مجرد كائنات مجهرية لا وزن ولا تأثير لها، وهي مجرد بقايا مرحلة من الماضي لا امل ولا مستقبل لها، وهي تعاند قدرها، ولكن سنن التاريخ وفعل الزمن فيها سيكون أمضى.. لأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق