راي رئيسي

الشعبويّة القاتلة (الجزء السادس)..
في محنة التناوب بين الثوري الأشعث والسياسي الأنيق!

يقدم ائتلاف الكرامة نفسه للساحة على أنّه الوريث الشرعي لعنوان الانحياز للثورة والدفاع عنها، وهو إذا كان يقصد أنّه تشكل بتجميع الشبيبة التي آمنت صدقا بالثورة وتصدّت في بداية الثورة لكل محاولات خطفها والانحراف بها عن مسارها، فهذا للأمانة والتاريخ صحيحا ولا إدّعاء فيه بجرد عيّنات معروفة من مؤسسي الائتلاف ومتابعة تموقعهم ومواقفهم منذ الثورة إلى اليوم.

فالقول أن ائتلاف الكرامة هو تجمّع سياسي ضمّ فاعليات شبابية ساهمت من خلال المبادرات الميدانية ومنصات التواصل الاجتماعي في الحراك الثوري أيّام الثورة وفي فضح استراتيجيات الالتفاف عليها في السنوات الماضية، وكانت في أغلبها في مقدّمة الصفوف للتعبير عن هواجس واستحقاقات التغيير المطلوب بعد الثورة، كل هذا وغيره لا يناقشه متابع صادق ولا باحث موضوعي.

المشكل السياسي ليس في سؤال الانتماء للثورة من عدمه وليس في صدقية ونزاهة سيف مخلوف ورفاقه، المشكل والعقدة في مطلوب السياسة من الفاعل الثوري في المرحلة البينية التي تعقب الثورة وتسبق استكمال بناء منظومتها الجديدة وتسييجها من ممكن الالتفاف والانقلاب عليها.

عند هذا الحد والنقطة نتكشف عن الجوهر الشعبوي في خطاب الائتلاف، الذي انتقل من رفاهة الشهادة على الواقع من الحقل المدني المفتوح إلى الحيّز السياسي المغلق.

على حدود السياسي في الحالة التونسية يستقبلك سؤال الممكن في لحظة تاريخية رمادية كان منطلقها ثوريا ومسارها إصلاحيا بامتياز.

فمعلوم ومتداول اليوم أن “حدث 14جانفي المجيد” قد تقاذفته استراتيجيات التسمية ولم تستقر إلى اليوم سوسيولوجيا السياسة على تكثيفه في عنوان مقنع، فبين من يعتبره انتفاضة ومن يصرّ على أنّه ثورة ومن تحمّس إلى اعتباره مؤامرة عبريّة، ضاعت التسمية والدلالة وتعمّقت الحيرة في فهم واستيعاب الزلزال التاريخي الذي أحدثه سقوط نظام المخلوع في ذلك اليوم السعيد.

بعيدا عن استراتيجيات التسمية التي تناولتها في مقالات سابقة في هذا المنبر وانحيازي إلى اعتبارها ثورة بملأ المعنى والدلالة، لنتفق أولا أنّ ما حدث يومها استثناء تاريخيّ لا يشبه ما قبله ولا ما بعده من نماذج الثورات في تاريخنا السياسي الحديث.

وما يهمنا في العلاقة بموضوعنا هنا هو التأكيد على فكرة بسيطة أصبحت اليوم من مسلمات قراءة الحالة التونسية، وهي التي تقول أن الثورة في تونس اختارت عدم تصفية القديم وتجنبت كلفة الدم لصالح فكرة معقدة تقول بممكن استيعاب القديم وجيوب القوى المضادة، باستبدال أدوات العنف الثوري، بأدوات المناورة السياسية والمراهنة علي الوعي العام بأنه مؤهل تاريخيا للحسم السياسي في القديم ورميه في هامش المسار السياسي المستتبع من اللحظة الثورية.

هل كان هذا الخيار مفلسا، والطريق خاطئا بعد تقييم حواصل عقد من المسار السياسي بعد الثورة؟

ليس من السهل ولا من السالك الإجابة بالتأكيد أو النفي، ولكن من الأكيد والواضح أن الثورة في تونس اختارت الانحياز إلى المزاج الإصلاحي التونسي الذي يبحث دائما عن نصف الحلّ على قاعدة نصف الموقف. بورقيبة (سياسة المراحل) كان حاضرا في القصبة 1و 2، بل وانتصر يوم انفض الجمع على فكرة المجلس التأسيسي. فيومها ماتت الثورة، وتركنا المصير لسؤال الحيلة والمناورة والمكر النبيل، لتتولّى السياسة صداع إدارة التعايش مع القديم بديلا عن تصفيته واقتلاعه من الجذور.

يومها اختار جمهور الثورة في غياب الطليعة، وبوعي أو بدونه، أن يقتصد في كلفة الثورة إلى الأدنى وولد ما سميّناه لاحقا بـ “الاستثناء الثوري التونسي” ومناطه مفارقة مرحة عنوانها ثوريّا وجوهرها إصلاحيّا بامتياز.

كان على حاسة السياسة في الحالة أن تتحمل ثقل مطمح الشارع الثوري في التغيير الجذري، وضغط التنزيل السياسي المحكوم بكوابح التشخيص الواقعي لموازين القوّة الماثلة بين الجديد والقديم وتشابك خيوطه بين العمق المخفي للعبة السلطة وسطحها البارز في مجتمع الحكم وامتداد ذلك بين الداخل الوطني والخارج الإقليمي والدولي.

اختارت الثورة التونسية من أجل الاقتصاد في الدم أن تمشي على حبال السياسة والمناورة لحسم معركتها مع قوى القديم، أو ما يسمّيه قاموس الثورة بالقوى المضادّة للثورة، وهو تمرين من القسوة والصعوبة على النخب التي تصدّت لقيادة وإدارة المرحلة البينية المتموجة. وكان مناط الصداع كيف نتجنب محظور التحارب الداخلي دون التضحية بالمسار السياسي وأفقه التاريخي الذي كثفه عنوان الديمقراطية.

خطوط الضغط والتشويش على هذا التمشي أو المسار أو ما توافقنا على تسميته بسياسة التوافق بعد إسقاط حكومة الترويكا، كان مصدرها وكلاء الخارج، وجيوب المنظومة القديمة وأوصياء الثورة أو بالتدقيق الثوريين الجدد.

وكلاء الخارج حرّكتهم أموال الخليج المرتعب من تموّج الثورة على محيطها العربي، ومكر الاليزي الذي لم يصدق أن “تونس الصغيرة” قادرة على المسك بمصيرها بعيدا عن ترتيباته وضوابطه، وجيوب المنظومة القديمة تحمّسوا لفكرة العودة لمجتمع الحكم من شباك الصندوق وهم الماسكون بمفاصل السوق والإدارة والإعلام، وأوصياء الثورة كان من السهل لهم أن يفتحوا النار على الجمل وما حمل باستدعاء ثنائية الكسل الذهني “الثورة والثورة المضادة”، واتهام الجميع بالتآمر على منجز الثورة والارتماء في أحضان الأزلام، وبيع الثورة مقابل فتات السلطة والكراسي، إلى آخر معزوفة المزايدة بالطهورية الثورية.

عند هذا المفصل ولدت الشعبوية الثورية في الحيز السياسي على حدود الفشل الفظيع لسياسة التوافق في إنجاز الأدنى في ملف العدالة الاجتماعية والنمو ومقاومة الفساد، واستعادة هيبة الدولة والأمن الاجتماعي.

فشل الحكومات المتعاقبة على القصبة مهّد الطريق للخطاب الشعبوي الذي يستدعي مفردات الأزمة العميقة التي واكبت العملية السياسية ليبشر بعودة الثائر ليتولّى مهمة نسف الموجود والبداية الصفرية بشطب كل ما بني على باطل التوافق.

يقفز الخطاب التبشيري الثورة عن حقائق الواقع وموازين القوّة وتعقيد الحالة التونسية سواء من حيث رخوية المضمون الثوري للحظة 17/14، وصلابة المنحى الإصلاحي، أو من حيث تعقيد العمق السوسيولوجي لبنية السلطة، أو من حيث تعقد خارطة السوق ولوبيّاته الكامنة والمتحكّمة في لعبة السلطة أو من حيث تعقيد الوضع الإقليمي وامتداده الداخلي وخطوط تأثيره وضغطه.

يتناسى الخطاب الثوري الطهوري كل تلك المعطيات ويقفز عليها لصالح أثير ورفاهة سؤال ما يجب أن يكون والإدانة السهلة للموجود السياسي، والتبشير ببدائل حالمة قد تدغدغ أحلام العامة وأشواقهم بالمدينة الفاضلة ولكن بالحاصل والملموس تشوّش على صداع البحث القاسي والمضني عن مراكمة الممكن لإنجاز الطموح وهو جوهر ومناط سؤال وهاجس السياسة.

ليست الشعبوية الثورية سوى سطر في كتاب التشويش على العقلانية السياسية السويّة الباحثة دائما عن الأنجع والأسرع لتحقيق الأقصى من الطموح العام في العدالة َالاستقرار والرفاهة.

الخلاصة من كل السابق أن الثورية اليوم ليست في الشهادة على الواقع والعنتريات الإنشائيّة في إدانة الموجود الوطني، بل في البحث الجاد والعقلاني عن أنجع الاستراتيجيّات في بناء تونس الجديدة التي تتسع للجميع وتستجمع كل مكامن القوّة للبلد من أجل وضعها على سكة الأمن والانتاج والرفاهة بعد أن حسمت لحظة 17 / 14 سؤال الحريّة وقطعت تاريخيا وسياسيا مع الاستبداد.

جوهر العملية الثورية ورهانها اليوم هو في قدرتنا على إدارة الحريّة على اعتبارها بوابة الحداثة وبناء وطن وعادل، فآمن ومستقر ومنتج ومزدهر.

أمّا الشهادة الواقع والتشنيع على النخب الحاكمة فتمرين سهل في ظل الديمقراطية، ومكانه الطبيعي المجتمع المدني وإذا انتقل الي الحيز السياسي تحوّل إلى عامل تشويش على الأولويّات الوطنية، وعنصر تعقيد للأزمة ومفعول استمرار لعناوينها وفواصلها، وهو يعتقد صادقا أنّها بصدد حلّها.

(يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق