راي رئيسي

الظاهر والخفيّ في معركة المرسوم 116

تحصين للمشهد السمعي البصري أم فرض للوصاية عليه؟

أثارت المبادرة التشريعية التي تقدّم بها نواب ائتلاف الكرامة من أجل تنقيح المرسوم 116 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011 الكثير من اللغط داخل الأوساط الإعلامية وحتّى السياسية والنقابية. المبادرة تنص على تعديل الفصل 7 من المرسوم 116، وتنص على أن الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصريّ هيئة جماعية يقع انتخباهم من قبل مجلس نواب الشعب وبالأغلبية المطلقة لأعضائه، على أن يتمّ انتخاب رئيس الهيئة ونائبه وأعضائها لمدة ستّ سنوات غير قابلة للتجديد، ويقع تجديد انتخاب ثلث أعضاء الهيئة كل سنتين بالتناوب، وتنص على أن إحداث القنوات الإذاعية أو التلفزيونية الفضائية لا يخضع لأيّ ترخيص..

مقابل هذه المبادرة التشريعية وهذه التنقيحات وجدنا أنفسنا أمام حالة من الهستيريا الشديدة وأمام معركة حامية الوطيس استنفر فيها إعلاميون كل أسلحتهم ضد المبادرة التشريعية وأصحاب المبادرة، معركة رفعت كشعار لها الدفاع عن حرية الإعلام وحمايته من التدجين..

حالة الهستيريا التي لا نجد لها في الحقيقة أي مبرّر منطقي نستنفر فيها كإعلاميين للذود عن حرية الإعلام، تجعلنا بالضرورة على يقين أنّنا أمام معركة فيها ما هو ظاهر وفيها ما هو خفي..

ولكن قبل أن نتحدث عن الظاهر وعن الخفي في معركة تنقيح المرسوم 116، دعونا بداية نصف المشهد “الميدياتيكي” كما هو بعد أكتوبر 2011..

لقد أضحى الفعل الإعلامي برمّته تقويضا صريحا لانتظارات المجتمع في المقام الأوّل، مهنيّا وأخلاقيّا. وبدل من أن يكون محرّكا لتحقيق الازدهار الفكري والثقافي والاقتصادي في البلاد، تحوّل الإعلام إلى ممارسة فوضوية وعبثية تهدّد السّلم الاجتماعيّة. فقر معرفي ومنهجي ومهني.. أحكام مستعجلة، واستنتاجات اعتباطية وتحاليل مبنية على شبهات وخطابات تحريضية، سيناريوهات هدم وفتنة، إثارة وتحريض وصناعة فتن واتّجار بأوجاع التونسيين، هدم لعرى التعايش والتسامح في المجتمع التونسي.. وظيفة “التوريط” و”المغالطة ” باتت من الوظائف الأساسية للإعلام في تونس ما بعد الثورة، دائسة بأقدامها جواهر القضايا المتعلّقة بالبناء والتعمير والتأسيس الديمقراطي، في مرحلة دقيقة من تاريخ تونس..

تحالف قائم بين “لوبيات” المال والإعلام ومع أطراف خارجية أيضا لها أجندات محددة… موارد هائلة تم ضخها عن طريق رجال الأعمال – منذ ثورة 14 جانفي وحتى الآن – لإنشاء قنوات فضائية جديدة، للسيطرة على التوجه السياسي.. وهكذا تحول المجال الإعلامي من سيطرة نظام (سياسي) استبدادي إلى سيطرة نظام آخر (رجال الأعمال) لا يختلف عنه جوهريا.

والمواطن المغلوب على أمره اليوم ليس فقط مطلعا على البذيء من البرامج بل أيضا على أصداء الصراعات بين تلك اللوبيات ونشر غسيل بعضها البعض الأمر الذي يُبعد المواطن عن الاهتمام بالشأن العام وعن المشاركة السياسية ويُفقد الثقة في الإعلام وفي جديته ونزاهته..

منابر تقوم بعملية تشويه واغتصاب مُمنهجة، من قبل بارونات المال والعصابات المالية التي ارتبط تاريخها بالفساد والإفساد وبالعائلات المشبوهة…

هيئة تعديلية للإعلام السمعي البصري منتهية الصلوحية تمارس دور بوليس إعلامي لا هي استطاعت أن ترتقي بالقطاع السمعي البصري الذي تردّى إلى أدنى مستوياته، ولا وضعت حدّا لما يقتحم علينا بيوتنا رغما عنا من محذورات وعنف مقرف وتدمير لبراءة أطفالنا.. ولا وضعت حدّا لإعلاميين مأجورين تورّطوا في تقديم مضامين مزيّفة ومزوّرة وأطلقوا العنان لمنتحلي صفات ومسؤوليات ليتحدثوا في الشأن العام والخاص.. ولا وضعت حدّا لاستغلال منابر إعلامية تنشر الفتنة والكراهية بين التونسيين، ولا فرضت احترام أخلاقيّات المهنة والتزام الموضوعية على كل وسائل الإعلام، حتى تكون أكثر مصداقية وتحظى مضامينها باحترام الجميع. بل إن كل ما فعلته هذه الهيئة هو الكيل بمكيالين وتصفية حسابات سياسوية وإيديولوجية بالوكالة عن أطراف حزبية ومالية.. هذا تقريبا ما يطفح على سطح المشهد الميدياتيكي في تونس ما بعد 23 أكتوبر2011..

 

الظاهر في معركة المرسوم 116

الظاهر في معركة تنقيح المرسوم 116 هو خوف وخشية واشفاق على حرية الإعلام ومحاولة تدجينه من طرف الأحزاب الممثلة في المجلس ومن طرف رجال الأعمال الذين سيجعلون منه وسيلة للاستثمار والتربح والحفاظ على مصالحهم الشخصية..

إذا الظاهر أنّ هناك خشية من أن تشرّع هذه المبادرة التشريعية للفوضى في قطاع الإعلام وتفتح الباب أمام المال الفاسد والمشبوه للتغلغل في المشهد السمعي البصري وتفسد الحياة العامة وتضرب قواعد التنافس النزيه ومبادئ الشفافية والديمقراطية.. وكل هذا يستدعي استنفارا لكل أبناء القطاع وهياكله للدفاع عن حرمة القطاع واستقلاليته وعن حرية التعبير المهددة..

 

الخفي في معركة المرسوم 116

الخفي في معركة المرسوم 116 هو أنّ الإعلام في جزء كبير منه بات رهين ماكينة إعلامية قديمة وغرف خلفية متنفّذة منذ زمن ما قبل الثورة معادية للانتقال الديمقراطي، ولا يزال خدمها وسدنتها يحصّنون قلاعها إلى اليوم، هذه الماكينة تقاطعت مع مجموعة من رجال أعمال فاسدين كانوا موالين للنظام الدكتاتوريّ وجمعوا ثرواتهم في تلك الفترة، وبعد الثورة سارعوا لامتلاك إذاعات وتلفزيونات تحتكر المشهد وتلعب وظيفة دعائية يستفيدون منها ويحصنون بها أنفسهم ويبيضون بها فسادهم..

غرف التخطيط الإعلامي هذه وبمساندة ودعم قوى خارجية معادية للثورات ضخت بسخاء لتزييف وعي شعبي كان سيصب كله في وعاء الجديد الثوري، من الطبيعي والمنطقي جدا أن يستميتوا ويستنفروا كل أسلحتهم من أجل أن يُبقوا على احتكارهم للمشهد الإعلاميّ، وسيطرتهم عليه.. ولذلك يحولون دون أيّ مشروع ثوري تقدمي وتحرري يستهدف إصلاح القطاع حتى يكون مواكبا للحظة الحرية التي تشهدها البلاد.

الخفي في معركة المرسوم 116 هو أن حراس غرفة العمليات هذه يدركون جيدا أن إلغاء الترخيص في إحداث التلفزيونات والإذاعات سيرفع أيديهم عن المشهد الميدياتيكي ويأذن بتلاشي سلطتهم ونفوذهم عليه وتحكمهم في مضامينه وتوجيه وعي الرأي العام.. لذا من الطبيعي أن يلتجؤوا لمعركة حرية الإعلام سلاحا لإسباغ مشروعية على استنفارهم، يظللون بها السذج والأغبياء ويزيفون بها وعي التوانسة… فالإعلام بالنسبة إليهم حرّ طالما ظل تحت قبضتهم، أمّا إذا أفلت منهم فقد صار إلى الفوضى..

ولأنّهم الوجه الآخر للنظام الأوحد فهم يحذّرون من الفوضى التي يرونها نتيجة حتمية لمبادرة تحرير القنوات الإعلامية بإعفائها من التراخيص المشروطة التي يجب أن لا تخرج من ناديهم الذي يدخلون فيه من يشاؤون ويوصدونه في وجه من يشاؤون..

يريدون أن يوهموننا أن الحامي الوحيد للمشهد السمعي – البصري هو وجود هيئة تشرف على إعطاء التراخيص، والحقيقة أنهم يفرضون علينا أبشع أنواع الرقابة.. الرقابة التي ذكّرنا بها هشام السنوسي عضو الهايكا، ذات يوم عندما خرج علينا قائلا “وماذا لو كان الملف القانوني لقناة معينة مكتملا وماذا لو استوفت كل الشروط، هذا لا يعني بالضرورة أن نعطيها الترخيص” قالها في لحظة لا وعي منه ربما، ولكنه نبهنا حينها إلى خطورة ما يحصل، نبهنا إلى خطورة أن يتحكم طرف معيّن في تراخيص بعث القنوات التلفزيونية والاذاعية وجعلها تحت رحمة نزواته وأهوائه وميولاته الذاتية..

إن أكبر مشاكل وقضايا الإعلام في تونس حاليّا لا تكمن مطلقا في إسناد التراخيص بل تتجسّد في غياب آليات إلزامية بتطبيق أخلاقيّات ونواميس تتقيّد بها المؤسسات الإعلامية.. تكمن في عدم ضبط طبيعة المخالفات ودرجة خطورتها والعقاب المناسب لها، وفي عدم إسناد الاختصاص إلى القضاء في إصدار العقوبة ضد المخالف، وفي غياب آليات سن الصلح في المخالفات المتعلقة بحرية الاتصال السمعي والبصري، تكمن في عدم تقنين أخلاقيات المهنة، ليكون لنا مضمون إعلامي شفّاف ونزيه ومسؤول وهادف ووطني وجريء، يكرس الديمقراطية وحرية التعبير ويحفظ كرامة المواطن.

كما أنه لو توفرت إرادة صادقة لتنقية المشهد “الميدياتيكي”، كان يكفي على سبيل المثال كسر احتكار رجال الأعمال للإعلام الخاص، ووضع قواعد تنظيم ملكية وسائل الإعلام. ويمكن في هذا الصدد أن نستشهد بالتجربة الفرنسية التي اقترحت في هذا الإطار تحديدا، ألا تزيد نسبة تملُّك الفرد الواحد وأسرته لما يزيد عن 10 % من رأس مال أي قناة إعلامية، وألا يسمح للفرد بأن يجمع ما بين المشاركة في ملكية أكثر من وسيلة.

فضلا عن ضرورة قيام الأجهزة الرقابية المختلفة بالبحث والتحرّي في حجم الأموال التي يتم استثمارها في الفضائيات، ومعرفة مصادرها وملّاكها وأهدافهم الحقيقية منها..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق