راي رئيسي

الغنوشي الذي جاور أتاتورك وأكرم بورقيبة

منذ طرح شكيب أرسلان سؤال بصيغة السؤال المزدوج لماذا تأخّرنا وكيف تقدّموا؟ انقسم مجتمع النخبة في العالم الإسلامي بين باحث عن أسس النهوض في الذاكرة والتاريخ، وبين متحمّس لاستيراد الحداثة المنجزة في الفضاء الغربي .

إرادة التجاوز ورغبة المصالحة ومصلحة التوافق، دفعت بعض الإسلاميين إلى البحث عن سند نظري تاريخي لخيار الشراكة السياسية الذي فرضته معادلة موازين القوّة الماثلة في المشهد التونسي.

في تقديري يسقط أصحاب هذا المسعى في خلل منهجي يفتح على المفارقة عند حدّ الخلاصة التي تقول بوحدة المنبت العقائدي أو الفكري أو الإيديولوجي بين بورقيبة والغنوشي.

بورقيبة في تونس بعد أتاتورك في تركيا كان الممثل السياسي الرسمي للمدرسة اللائكية أو العلمانية التغريبيّة، أي التي حاولت من خلال مشروع حكم أن تستبدل أسس وثوابت ثقافية صبغت الوجود الحضاري للأمة بثقافة جديدة ومستوعبة من فضاء حضاري مغاير..

بورقيبة كان ثوريا في المسألة الثقافية وكان نقيضا تاريخيا للإسلاميّين، الذين يمثلون في المقابل تيّار الأصالة الحاسم في مسألة خيرية الأمة الإسلامية ومرجعيتها العقائدية .

ما يوحّد بورقيبة والغنوشي وحدة منبت سؤال الإصلاح، هو حيرة أرسلان والأفغاني وعبدة ورشيد رضا وعلي عبد الرازق وطه حسين والعقاد.

ففي حين انخرط الإسلامي الحركي في أفق النهضة على قاعدة الإحياء والتجديد والانفتاح على المنجز التقني للغرب، انخرط العلماني في أفق التقدّم على قاعدة الاندماج في الزمن الثقافي الغربي كزمن كوني وأفق أنسنة شامل، وعلى قاعدة القطيعة مع الإرث العربي الإسلامي أو تأويله بما ينسجم مع مطلوب سؤال التقدّم: كيف؟

لا أرى معنى في اختراق التاريخ الفكري والسياسي الحديث بتأويلية تشطب المسافة بين تيّار الأصالة والمعاصرة لإسناد موقف سياسي أو خيار مرحلي مهما كانت حيويته للحفاظ على الاجتماع السياسي.

كنت سأتفاعل مع من يقول أنّ الإسلاميّين أثبتوا قدرة على الاندماج في لحظة الحداثة السياسيّة أكبر بكثير من الحداثيّين المحليين وهذا ليس في تونس فقط. وكنت سأتفاعل مع من يقول أن الحداثي تحاصره ذاكرة فشله الايديولوجي والسياسي وتسارع تشظي فكرة الحداثة نفسها في الحيّز الغربي، وهو أمام تحدّي واجب المراجعات الكبرى الذي يثبت الإسلامي أنّه كان الأكثر عمقا في تقدّمه نحو وسط التسوية بين مطلب الأحياء وواجب التجديد.

هناك مؤشرات هامة على أن جيلا جديدا من الإسلاميّين والعلمانيّين يراكم مراجعاته السياسية ويتقدّم نحو المشترك الوطني ومبدأ التعايش وإدارة التعدّد وهو تعبير عن مراجعات كبيرة بدأها رموز الثقافة العالمة بعد هزيمة 67 وتواصلت النقديات لتشمل الأجهزة المفهومية والأنسقة التي أفرزتها والتجارب التي عبّرت عنها وهذا التراث النقدي بدأت خلاصاته تتحوّل إلى ممارسة في السطح السياسي وتؤشر لحظة ما بعد الثورات العربية على أنّها ستكون التعبير التاريخي لتخمّر مفردات زمن المراجعات الذي أسّست له الثقافة العالمية في الثمانينات خاصة.

وتثبت بداية التجربة قدرة وازنة للإسلامي على التأقلم مع مستلزمات الحداثة السياسية في لحظتها الديمقراطية بل يثبت الإسلامي التونسي قدرة أكبر من خصمه الحداثي على إدارة التعايش.

المعنى في تقديري يجب أن نبحث عنه في هذه المسافة التي سبق بها الإسلامي الحداثي أو العلماني نحو إدارة اللحظة العلمانية السياسية من دون التضحية بالمرجعية المحافظة وأظن أن المطلوب من العلماني في الحالة أن يبحث عن جذر يربطه بمرجعية الإسلامي لا العكس للحساب محصول التجربة التاريخية الماثلة يشهد مسار الدمقرطة والحداثة السياسية أن يتقدّم بالتوازي مع خط الهوية والمصالحة مع الذات وهذا يقتضي من الطرف الحداثي أن يبذل جهده في اتجاه الخروج من قوالب فكره الوضعاني والتحرّر قبضة النسق.

ما أفصحت عنه الانتخابات الأخيرة كان يبدو كأنه انتصار شعبي لممثلي تيّار المحافظة (سعيّد والغنوشي ومخلوف) والحسم في المدرسة البورقيبية اللائكية بكلّ تلويناتها، ولعلّ في إدّعاء المهرّجة عبير موسي وكتلتها تمثيل البورقيبية دلالة عميقة على نهايات البورقيبية الحزينة، دلالة أعمق على تراكم الوعي الشعبي بتجاوز ثنائيات نهاية القرن التاسع عشر، وحسم عنوان الهوية الذي كان أهم دالة إيديولوجية للمتربصين بالديمقراطية التونسية الوليدة.

الحيّز السياسي التونسي اليوم يتخلّص من أهم مفاعيل الوهم وتزييف الوعي بالأولويات الوطنية وهي المقابلة المخاتلة بين الحداثة والهويّة. ولا شكّ أنّ درس الدروس الذي يحصحص من الحالة التونسية يتعلّق بحقيقة قدرة الحريّة أن تقفز على ألغامها بأناقة. وقابليتها القصوى علي تشغيل آليات الفرز والحسم في اتجاه عقلنة المجال السياسي والعودة بها إلى حدوده الوظيفية المتعلقة بموضوع الحكم وإدارة الشأن العام بأقصى مفاعيل النجاعة.

يبدو أن الغنّوشي قد حسم معركته مع بورقيبة والبورقيبية سياسيّا في وقت قياسي، لأنّه ببساطة انتبه إلى أن معركته مع المشروع البورقيبي كانت في جوهرها معركة الثقافة وليست معركة السياسة. فبيّن التراكمية والبطء التي تواكب ديناميكية الثقافي والتسارع والحدية التي تصبغ حركية السياسة يكمن معنى التأويل الذي يركّز على موت البورقيبية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق