الافتتاحية

الغنوشي والثورة و25 جويلية..
هل أكّدت الأحداث الأخيرة صوابية خيارات الرجل؟.
هل بات التوافق قدرنا اليوم مثلما كان المنقذ لنا في 2014؟

1

يبدو أن الذي حدث يوم 25 جويلية كان نتيجة تقاطعات داخلية وخارجية التقت في تلك اللحظة على أن التجربة التي بدأت سنة 2011 لم يعد بإمكانها الاستمرار، على الأقل بالشكل الذي كانت عليه عشية 25 جويلية، ولا بد من أن يقع تصحيح مسارها.

وكل ما جرى بعد ذلك من مظاهرات وحرق وافتعال للخطر الداهم وصولا إلى تفعيل الفصل 80 من الدستور، ليس إلا إخراجا لما نتج عن تلك التقاطعات من قرارات.

ولكن هذه التقاطعات لم تتفق على ما يبدو على البديل أو على الأقل الشكل الذي ستتّخذه عملية التصحيح هذه.. وهو ما يفسر الجدل الذي وقع لاحقا بين الانقلاب وتصحيح المسار..

بعض التقاطعات كانت تريدها تصحيحا لمسار الثورة ويقف وراء هذا الموقف من يصرّون على أن تستمرّ تجربتنا في الانتقال الديمقراطي وأن يكون تصحيح المسار فاصلا في هذه المسيرة.. والبعض الآخر يرىد أن يتخذ “تصحيح المسار” شكل الحسم مع منظومة الثورة (حلّ البرلمان وحلّ الأحزاب وإلغاء العمل بالدستور …) أي ان يتحول الى “انقلاب”، سواء كان ناعما أو ذو نصاب قمعي عالي الدرجة على غرار ما وقع في بعض الجوار العربي.

والتدخلات الأجنبية الكثيرة والمتسارعة، كانت كلها تصبّ في هذا الاتجاه، بين من يدفع إلى أن يذهب الانقلاب إلى منتهاه، وبين من يصرّ على تعديل الأوتار حتى يبقى ما جرى يوم 25 في حدود تصحيح المسار.. وفي كل مرّة تميل الكفة فيها إلى جهة تتدخل جهات في محاولة لتعديلها.

وفي انتظار حسم الأمور باتجاه معين – لأنّ كل خيار له استتباعات وترتيبات سواء أمنية أو سياسية وكل إجراء يحتاج إلى أضواء خضر وحمر إقليمية ودولية وحتى داخلية – فإن ما يحدث الآن أشبه بملء للفراغ وإشغال للوقت ومحاولة تقديم شيء ما للمواطنين كإنجازات تتحقق يوميا سواء في علاقة بالاحتكار أو الحرب على الفساد أو ما يروج مؤخرا عن تغيير العملة وغيرها من المواضيع التي أعتقد أنّها لشغل الساحة في انتظار تبيّن المخططات الحقيقية..

 

2

كل هذا الجدال وهذه الدعوات إلى الاستئصال واستعمال القوة القاهرة للدولة للحسم مع منظومة الثورة، دليل واضح على أن ما وقع يوم 25 جويلية لم يسقط هذه المنظومة، نهائيا على الأقلّ، وأنّ ما وقع ليست ثورة كالتي ذهبت ببن علي، وإنّما هي خليط من أجندات داخلية (إعلامية وسياسية) وشيء من الغضب الشعبي الحقيقي على فشل منظومة الثورة في تحقيق أهدافها..

هذا الفشل جماعي دون شك، تتحمله الأطراف التي حكمت كل حسب نصيبه من الحكم، كما تتحمّله القوى التي ناصبت الثورة العداء من المنظومة القديمة ظنا منها أن الأمر سيعود إليها بمجرّد غلق قوس الثورة كما يتحمله الخصوم الايديولوجيين اضافة الى بعض أصحاب المصالح الذين ظنوا أن خلاصهم في إسقاط منظومة الثورة، وهم يجنون اليوم حصاد سوء تقديرهم.

للأسف، هناك من يريد تحميل الفشل لطرف بعينه أو لشخص بعينه، وهذا فيه إجحاف كبير، فالثورة نعم “فشلت” في الجانب الاجتماعي، ولكنها حققت مكاسب أخرى لا تقل أهمية، فقد حافظت على الحقوق والحريات التي يشتكي الجميع الآن من فقدانها، كما نجحت في كتابة دستور للبلاد وفي التداول السلمي على السلطة في أكثر من مناسبة.. حتى الفشل في الجوانب الاجتماعية سيقع تنسيبه اليوم بعدما راينا تخبّط المنظومة الجديدة والصعوبات التي تجدها حتى في صرف الأجور علاوة على ارتفاع الأسعار بدل أن تنخفض وتلبّد أجواء الاستثمار في بلادنا بالغيوم وضبابية العلاقة مع الصناديق الدولية…

حتى ما كانت تشكو منه منظومة الثورة من عرقلة لكل جهودها في الإصلاح والنهوض الاقتصادي، الذي كان محل تندر من قبل الكثيرين، باتت اليوم الذريعة الأساسية التي يستعملها أنصار الرئيس لتبرير ارتفاع الأسعار وندرة بعض المواد في السوق.

ولا أعتقد أنّ بمقدورنا اليوم تقييم ما جرى بموضوعية ودون تأثيرات اللحظة وصعوباتها، لأنّنا ببساطة لا زلنا في قلب التفاعلات الجارية ولا بد لأيّ عملية تقييم من أن تأخذ مسافة (زمنية وحتى نفسية) من الحدث، عدا ذلك فإنّها ستكون بمثابة محاكمة انتقامية وتصفية حسابات شخصية أكثر منها قراءة موضوعية لما جرى..

 

3

وحتى نكون واضحين ونسمّي الأشياء بمسمّياتها، نقول أن الذين يحمّلون منظومة التوافق والنهضة والشيخ راشد الغنوشي تحديدا المسؤولية عن هذا الفشل، هؤلاء ينطلقون في موقفهم من نفس المنطلقات السابقة لما ناصبوه العداء لاعتبارات حزبيّة ضيّقة، وهذا يعني أن موقفهم يحاول ركوب حدث 25 جويلية، ولكنه في الحقيقة امتداد لصراعات التموقع السابقة، علاوة على أن هؤلاء هم أنفسهم الذين طالما احتجوا على التوافق بالتخويف من السيناريو المصري فلما بات هذا السيناريو ماثلا أمامهم وبدل أنّ يعتذروا عن خطأ تقديرهم السياسي وعن حججهم الواهية التي استندوا عليها… نراهم يمعنون في الخطيئة.

هؤلاء جزء رئيس من منظومة الفشل، لأنّهم ساهموا في تهرئة صورة حركتهم، الرافعة الأساسية للانتقال الديمقراطي، وعملوا ما في وسعهم على ضرب صورة زعيمهم الذي كان أحد الركائز الأساسية لتلك العملية.. ولم يدركوا الأبعاد الكبرى لما يجري في تونس باعتباره جزءا من تحوّلات حضارية كبرى تشهدها المنطقة، وليست بلادنا إلّا جزءا من تلك التحوّلات الدراماتيكية الجارية، وهذا ما كان يشغل زعيمهم، بينما ظلّت رقابهم مشدودة إلى صراعات الخلافة وحسابات التموقع أو الحصول على نصيب من المجد عبر المشاركة في “إدارة التوافق”..

هؤلاء الذين أنكروا المخططات التي نبه اليها الشيخ والتي كانت تعمل منذ 2012 و2013 على الانقلاب على المسار، بحجة التخويف من السيناريو المصري، والذين كانوا يضعون أيديهم في أيدي من كانوا يخططون ويبرمجون للانقلاب، بحجة الخيار الثوري الذي أفرزته نتائج الانتخابات، عليهم اليوم الاعتذار عن خطأ تقديرهم بدل الإمعان في الهروب الى الامام وقلب الحقائق، وتحميل غيرهم المسؤولية عما جرى.

الغنوشي أثبت صحة وصوابية موقفه السياسي منذ إصراره على خروج النهضة من الحكومة زمن علي العريض مرورا بالتوافق وغيرها من المواقف، وخياراته هي التي مدّت في عمر الانتقال الديمقراطي حتى 25 جويلية.. وكل ما جناه الغنوشي “أنّه سعى ما استطاع لحماية التجربة ولو على حساب حقوقه وحقوق أبناء النهضة، إيمانا منه بأن الصبر على الشعوب من واجب القيادة الراشدة…”.

وما وقع يوم 25 دليل على صحّة توقعاته وتقديراته، وصحّة خياره في الخروج من الحكومة وفي الذهاب في سياسة التوافق، وصحة ما نبه اليه وحذر منه، لا العكس، ولا زال الغنوشي إلى اليوم يحاول حماية التجربة لأنّه كان بشكل من الأشكال مؤتمنا عليها.. ولا يمكن أن نفهم التنازلات التي أقدم عليها في سياق الحسابات الحزبية والسياسة الضيقة، أو السياقات الداخلية فقط، ولكنها تفهم أو تقرأ في إطار آخر هو إطار التحوّلات الكبرى التي تشهدها منطقتنا والعالم، والتي لا يوجد شخص غيره مؤهل مثله لأن يلعب أدوارا مهمّة فيها..

قد يكون الغنوشي حمّل حزبه أبعادا أكبر مما يحتمل، وقد يكون الحزب عجز أن يكون في مستوى اللحظة التاريخية في أبعادها الكبرى التي تتجاوز الاطار الحزبي الضيق بل وتتجاوز البعد “المحلّي”، لذلك ظلت “ماكينة” الحركة تدور في “الهواء” كما يقال، وتطحن الفراغ، وتشتغل بصغائر الأمور بعيدة كل بعد عن الأدوار التاريخية التي كان يجب لحزب مثل حركة النهضة أن يلعبها في هذه اللّحظة من تاريخ تونس والمنطقة.

كيف قدّر الغنوشي مرحلة ما بعد الباجي قائد السبسي؟ هل كان عليه التعاطي بطريقة مختلفة مع نتائج انتخابات 2019 وإصرار مجموعة من أبناء حركته على الحكم بــ 54 نائبا فقط؟ هل كان عليه التخلي في وقت أبكر عن حكومة المشيشي؟ هل كان عليه بذل جهد أكبر للتواصل مع الرئيس؟ كلّها تبقى أسئلة مشروعة، ولكن الأكيد والثابت اليوم أن البلاد لا زالت تحتاج إلى حكمة ورصانة وعقلانية الرجل، بل لعلها اليوم أحوج إليها ممّا سبق.

فلحظة التوافق كانت خيارا سياسيا نعم، ولكنها كانت أيضا (قدر) تونس لتجنب حرب أهلية كانت وشيكة، وهو قدر جعل الخطين المتوازيين الذين لا يلتقيان أبدا كما قال المرحوم الباجي قائد السبسي، يلتقيان، وكذلك سيكون التوافق والحوار والجلوس على نفس الطاولة قدرنا اليوم لإنقاذ تونس.. الثورة والدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق