أهم الأحداثاخر الأخبارالافتتاحيةتونسسلايدر

الغنوشي والنهضة.. التأسيس الثاني

محمد الحمروني

قبل أكثر من خمسين سنة التقى ثلة من الشباب المنافح عن الهوية العربية الإسلامية التي همشتها سياسة الحداثة البورقيبية. التقى راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وصالح بن عبد الله … فكانوا نواة مشروع إسلامي تحوّل بعد عقد إلى حزب محظور يقبع قادته في السجون، وحركة جماهيرية قادت المعارضة ضد نظام بورقيبة وبن علي حوالي 30 سنة. وتشارك منذ 10 سنوات في الحكم بعد ربيع عربي متقلب فشلت أغلب تجاربه.

في هذه الرحلة الطويلة حافظت النهضة رغم المحن التي تعرضت لها على وجودها، وعلى تميزها داخل منظومة الحركات الاسلامية لرهانها منذ البداية على الديمقراطية والمشاركة والمواطنة، أي ما يمكن أن يشكل ملامح الاسلام الديمقراطي الذي شهد منعطفا حاسما سنة 2016 بالفصل بين الدعوي والسياسي الحزبي.

وفي هذه الرحلة الطويلة كان الغنوشي “الثابت / المتحوّل”، فرغم أنه لم يكن دائما رئيس الحركة، إلا أن موقعه كزعيم ورمز للاتجاه الإسلامي في تونس، كان يزداد ثبات ورسوخا بمرور السنوات والتجارب، وتعدد المعارك التي خاضها داخل النهضة وفِي المشهد السياسي وفي المحيط الخارجي.

تشكلت للغنوشي صورة رمزية فريدة في النهضة، بفعل المعارضة الشديدة التي وجدها في الثمانينات وبعد المحنة وقبل الثورة وصولا إلى الصراع المفتوح في ما بات يعرف بمعركة الخلافة والذي نجح الشيخ بطريقته في امتصاص الصدمات، في استيعابه ضمن ديناميكية داخلية سحبت البساط من تحت أقدام من انتظر انفجار النهضة.

تشكلت هذه الصورة في علاقة بالمشهد السياسي والعلاقات الخارجية حيث كان ينظر للغنوشي باعتباره الممثل الوحيد للنهضة، من طرف النظام ومن طرف القوى السياسية الأخرى، ولعل اللّحظة الفارقة كانت في امتحان حكومة التكنوقراط، حيث قال مبعوث إحدى الدول الكبرى لرئيس الحكومة وقتها حمادي الجبالي، بوضوح أن موافقة الغنوشي ضرورية لنجاح المبادرة.

في كل المعارك التي كان محورها، عرف الغنوشي كيف يحافظ على وحدة النهضة، وكيف يكون موقفه هو الراجح دائما في توجيه الخط السياسي، وخاصة في لحظات مفصلية في تاريخ الحركة والبلاد. سنوات 1981 حين دفع للخروج من السرية إلى العلن وتحويل التنظيم إلى حزب، و1995 حين اختارت النهضة التمايز عن تيارات العنف ردا على قمع النظام الذي بلغ حد الاجتثاث و2010 حين خرج مؤكدا أن نظام بن علي سقط رغم أن التوجه الغالب في المعارضة وقتها هو منحه فرصة لـــ 7 نوفمبر جديد، و2012 حين قاد جبهة رفض التنصيص على الشريعة في الدستور، و2013 حين أمضى على خارطة الطريق التي أنهت الأزمة وحين دفع بانفتاحه على المنظومة القديمة ممثلة بكمال مرجان الذي صوت حزبه على حكومة لعريض، والباجي قائد السبسي شريك التوافق في المشهد السياسي، وصولا إلى سنوات ترويض المنظومة القديمة التي أرادها اليسار الاستئصالي مخلب قط لتنفيذ مخططه الاجتثاثي، في إطار رؤية تفاعلية أساسها قبول النهضة بالاندماج في منظومة عمل سياسي جديد متمايزة مع النهج التقليدي للحركات الإسلامية وخاصة في علاقتها بالدولة .

نجح خط الغنوشي في ما فشلت فيه أغلب الحركات الإسلامية التي حشرتها المنظومة القديمة في زاوية التهميش أو التدجين أو الاجتثاث.

الآن يعيش الغنوشي لحظة أكثر أهمية من اللّحظات السابقة، ومعركة حاسمة بالنسبة إليه وبالنسبة إلى النهضة وإلى الوطن. لقد انتهت مرحلة التأسيس الأول من 1969 إلى 2021، لتبدأ معركة التأسيس الثاني أي التداول القيادي وتسليم النهضة إلى الجيل الجديد، وحسم مسألة “التونسة” حتى لا تبقى رهينة وجود الغنوشي في موقع الرئيس أو الزعيم، ولتتجاوز الحركة هاجس “المجهول” الذي يخشاه كل من يدرك حجم الفراغ الذي سيتركه رحيل راشد الغنوشي عن كرسي الرئاسة.

كيف يعيش الغنوشي لحظة التأسيس الجديد؟ وهل تعني بالنسبة إليه بذل الغالي والنفيس ليبقى في كرسيه مهما كان الثمن ولو كان وحدة الحركة؟ وهل رضخ الغنوشي للضغوط أم أنه بصدد المناورة ليقلب الطاولة في المؤتمر القادم ويفرض بقاءه رئيسًا؟

الحقيقة أن الغنوشي انسان قبل أن يكون سياسيا أو زعيما، والنهضة بالنسبة إليه ليست حزبا، أو منصبا بل هي قطعة منه. فهو الأب المؤسس الذي رأى في وقت من الأوقات بعض أبنائه يحاولون جمع متاعه وإلقائه خارج البيت الذي شيده على مدار نصف قرن.

لعلها لحظة قاسية تلك التي عاشها الرجل وشعر بها محبوه، لحظة مؤلمة، كان من الممكن أن تتحول في ظروف أخرى مع رجل غير الغنوشي ومحيط غير محيطه، إلى مشهد لا يسُر إلا أعداء النهضة وأعداء الديمقراطية.

الأكثر إيلامًا هو أنه لم يسع إلى رئاسة مدى الحياة، ولا في احتكار المجد والسلطة، ولم يكن حوله من يتمعش من بقائه دون وجه حق، ولكن أراد تداولا جديا يبقي الحركة موحدة وقوية وفاعلة في محيطها، أي أن يُسلّم الأب المؤسس المشعل والبيت في أحسن أحواله.

لقد كان له أن يمانع سنة 2012 في تضمين التقييد الزمني للرئاسة، أو أن يحتكر الوجود في الدولة في المنصب الذي يريده وقتها. ولكن الواضح أنه فكّر بعقل واع بحركة الزمن وأعطى الفرصة لقيادات الجيل الثاني للتدرّب على الحكم من الجبالي إلى البحيري إلى الهاروني إلى المكي إلى زيتون إلى السعيدي، وقدّم في الحزب الجلاصي ولعريض وغيرهما، ولما حدث الزلزال وانهارت تجربة الترويكا وخسرت النهضة تشريعية 2014، والرئاسية التي ساندت فيها قواعدها المرزوقي، تقدم ليحمي التجربة وهو المسار الذي انتهى بانتصار النهضة في التشريعية سنة 2019 وتحولها إلى عمود التجربة الديمقراطية.

وأعتقد جازما أن الغنوشي لم يكن ليقبل الترشح للانتخابات التشريعية ورئاسة البرلمان إلا ترسيخا لهذا المسار، أي التموقع الذي يمكّنه من مرافقة الانتقال القيادي وتسليم المشعل إلى الجيل الجديد، وتقوية عود التجربة الديمقراطية بوجود زعيم بحجمه على رأس مؤسسة بأهمية البرلمان. لم تكن رئاسته للبرلمان مسألة اعتباطية أو حبا في السلطة، وإلا لاختار رئاسة الحكومة. ولكن الواضح أنه كان ينظر بعين إلى تحديات الداخل النهضوي، وكيفية التموقع الجيد ليرافق الانتقال القيادي الذي تُؤخّر اتمامه أزمة الكورونا، وبعين أخرى ينظر إلى تجربة الترويكا التي كادت تنسف البيت الديمقراطي.

التحديات اليوم خطيرة وهي تقتضي لمواجهتها نهضة موحدة، وانتقالا قياديا آمنا، ومواصلة لعب دور إيجابي في المشهد السياسي في علاقة بالمناخ العام في البلاد وضرورة إرساء منظومة حكم قوية وناجعة قادرة على الوصول بالبلاد إلى الانتخابات القادمة سنة 2024.

إنها رؤية الغنوشي في ما أعتقد حفاظا على النهضة ودورها في حماية التجربة الديمقراطية، وحفاظا على زعامة امتدت لنصف قرن، ولا يمكنه تضييعها في معركة خسرها قبله زعماء حطموا أحزابهم بل أوطانهم حتى يحافظوا على كراسي السلطة، أو انتقاما ممن حاول التمرد عليهم.

وكل المؤشرات تدل على أن الزعيم والأب المؤسس يتعايشان في عقل الغنوشي ونفسيته مع السياسي الوطني الواقعي، الذي يفكّر في مصلحة تونس قبل كل شيء. الغنوشي وضع قطار النهضة على سكة التأسيس الثاني، الذي يحتاج انصراف الجهود لتحقيق هذه الغاية التي تتحقق فيها مصلحة النهضة ومصلحة الوطن في لحظة مفصلية مفتوحة على كل الخيارات.

وهو بذلك يعطي اشارة انطلاق رحلة جديدة للنهضة حزبا قادرا على الحكم متجذرا في الديمقراطية، وللغنوشي متقلدا رئاسة من الرئاسات الثلاثة، ليخيب مسعى من توقع للنهضة الانقسام والتطاحن الداخلي، وتوقع للأب المؤسس التقاعد أو الخروج من الباب الصغير بعد هذه الرحلة الطويلة من الزعامة المستحقة التي تنتهي بتأسيس جديد بعد نصف قرن من التأسيس الأول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق