الافتتاحية

الغنوشي وخصومه ومعركة الديمقراطية..
التأسيس لحساب التاريخ والمناورة لحساب المصلحة..

ممّا لا زلت أذكره عن رئيس الجمهورية الأسبق الأستاذ الباجي قائد السبسي رحمه الله، نقلا عن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، قوله له وهو يمازحه، لدي لك مفاجأتان، الأولى سارة والثانية “أقل سرورا”، أما السارة فهي كونكم دولة ديمقراطية، وأما الأقل سرورا فهي كونكم دولة ديمقراطية..

وشرح المرحوم كلام أوباما بالقول أن ذلك يعني أن الديمقراطية فيها محاسن كثيرة ولكن فيها مساوئ ومتاعب أيضا..

 

1

نحن جيل ناضل لمدة أربعين سنة من أجل الحريّة والديمقراطية، وكان آخر وأبرز عناوين ذلك النضال محطة 18 أكتوبر المجيدة التي رفعت ثلاث عناوين رئيسية وهي الحقّ في التعبير والحق في التنظّم والعفو التشريعي العام..

وقد سبقتنا أجيال من المناضلين منذ الستينات من الزواتنة واليوسفيين واليساريين، وصولا إلى الإسلاميين.. أجيال سجلت أسماءها بأحرف من نور في زنازين وكهوف وزارة الداخلية ومقرّات أمن الدولة والاستعلامات والإرشاد..

وسقط خلال هذه المسيرة المجيدة، عشرات من الشهداء، في مخافر أمن الدولة من سباط الظلام إلى نهج 18 جانفي على يد جلادين باتت فظائع ما أتو علامة على آخر حلقات التمدّن البشري..  ومازالت عائلات العديد من الشهداء لا تعرف أين دفنت رفات أبنائها..

لذلك لا يمكن لأبناء الثورة الحقيقيين، المناضلين الصادقين من أجل الحرّية والديمقراطية، أن يتنكروا لها حتى وإن كانت بعض إفرازاتها ما نراه اليوم من رداءة في المشهد الإعلامي أو البرلماني.. وحتى إن كان أكبر مستفيد منها هم أعداؤها الذين يعملون على إجهاضها وحتى وإن استفاد منها أكبر خصومها.. وحتى وإن كان من نتائجها أن نرى بعض الحفاة العراة رعاة الشاة، من “القوادة والصبابة” زمن المخلوع، يتطاولون في البنيان على قامات فكرية ونضالية كبيرة كالشيخ الرئيس رائشد الغنوشي.

ولكن ما وقر في قلب الغنوشي ويجهله خصومه، أن من يؤمن بالديمقراطية عليه أولا القبول بأحكامها، ومن أحكامها أحيانا أن ترى بعض التافهين يتصدّرون المشهد، ومن أحكامها أيضا القبول بمخرجاتها مهما كانت..

ثانيا وهذا ما لا يدركه خصوم الغنوشي وخصوم الحرّية والديمقراطية أن كل استهداف يتعرّض له وكل محاولة للنيل من قامته ورمزيته، شهادة له ودليل إدانة لخصومه.. قد يفرح بعض صغار العقول بأن ينالوا من الرجل نيلا حتى وإن كانت كلمة بذيئة بحقّه تخرج من أفواههم.. ولكن تلك الكلمة شهادة له وشهادة عليهم، لأن ذلك يؤكّد فعلا أننا في ديمقراطية حقيقية وأن تونس تكفل حرّية التعبير للجميع حتى وإن كانت هذه الحرّية تبدو للبعض أحيانا خرقاء أو حمقاء.  وأن الغنوشي هو الوريث الحقيقي والشرعي لدولة الاستقلال التي ناضلت من أجل الحرّية والديمقراطية، وكانت أبرز نقائصها.

الذين يسبّون الغنوشي على الملأ ثم يعودون إلى بيتهم سالمين آمنين لم يمسّهم سوء.. هم يشهدون له ويشهدون على النظام السابق الذي يدافعون عنه.. فما يتمتّعون به من حرّية تصل حدّ الإجرام بحق خصومهم ما كان ليسمح بعشرها في عهد أنظمتهم البائدة، ولا يكاد يحلم بها مواطنو بعض الأنظمة التي تقف وراء هؤلاء، وتنقل ما يجري في برلماننا على الهواء مباشرة وهي التي ليست فيها برلمانات أصلا.

 

2

معركة الديمقراطية في تونس وفي المنطقة معركة جوهرية ومصيرية، وليست خصومة ظرفية أو معركة من معارك التموقع السياسي ولا هي من قبيل معارك تصفية الحسابات الإيديولوجية.. حت وإن بدت لبعضهم أنها كذلك.. معركة الحرّية والديمقراطية ليست معركة لحساب السياسية.. إنّها معركة تدار لحساب التاريخ هي معركة أمتنا من أجل الدخول في روح العصر، والخروج من عصور ما قبل العمران البشري..

معركة الديمقراطية في بلادنا والمنطقة هي عنوان للتحوّلات الكبرى لمسارات التاريخ، باتجاه استعادة شعوب المنطقة لسيادتها وحريتها وكرامتها، وهي معركة ما فوق سياسية، حتى وإن ظن البعض أن أدوات التأثير والتأثر فيها أدوات سياسية.. لذلك واهم من يعتقد أنه قادر على أن يوقف هذه التحولات بجلسة مساءلة للغنوشي، أو بمحاولة تشويهه أو النيل منه..

ولن يستطيع أي طرف أو دولة أو جهة محليّة إقليميّة أو دوليّة أن تقف بوجه مسارات التاريخ.. ولن يستطيع هؤلاء أن يوقفوا هذه التحوّلات لأنها تحوّلات عميقة تتحكّم فيها سنن وقوانين تبدو فوق وخارج نطاق البشر وقدرتهم على التأثير فيها..

لذلك لا عجب أن تفشل كل محاولات ارباك التجرية والانتكاس إلى الاستبداد، رغم ما أنفق من مليارات على محاولات الانقلاب العديدة التي استهدفتنا، ورغم الاغتيالات ورغم كل محاولات الإرباك ورغم ما نعلم وما لا نعلم، حتى بتنا نتندر بالقول “دعوها فإنها مأمورة”.

 

3

الصراع في ظاهره بين نهضة يراد وسمها بالإسلام السياسي والأخونة، لإيجاد مبرّرات استهدافها، وبين قوى تدّعي الحداثة والعلمانية والدفاع عن مدنية الدولة من التخلّف القادم من العصور الوسطى .. ولكن الصراع في حقيقته بين قوى ارتبطت وترتبط بالماضي، وترفض الأفول، وتصر على آخر ما تبقّى لها من ممكنات للبقاء، كبشار وحفتر والسيسي، وكلها عناوين سيئة لحكم العسكر الذي خرّب المنطقة طيلة ستين سنة، وبين مستقبل قادم على مهل ولكن بثبات، يبشر بالحرّية والديمقراطية وإعادة ترسيم حدود الهيمنة الاستعمارية في المنقطة..

أمام هذا الفرز التاريخي، وجد كثير من أعداء الانتقال الديمقراطي في بلادنا من أنصار المنظومة القديمة أنفسهم في تحالف موضوعي مع أنصار العسكرة ومع أنظمة العمالة والخيانة العربية التي تقصف شعوبها بالبراميل المتفجّرة ولا ترى حرجا في ذلك، في المقابل وجد أنصار الثورة والانتقال الديمقراطي في بلادنا أنفسهم في تحالف موضوعي مع قوى الحرّية والديمقراطية وكل أنصار الحق والخير في العالم، ومن هنا ولدت ما تسمّى بسياسة المحاور..

البعض يريد أن يسميها محور تركيا قطر تونس مقابل محور الإمارات السعودية مصر، أو غيرها من التسميات، ولكن الحقيقة أننا أمام محور الحرّية والديمقراطية والأنظمة القويّة والعادلة والمستقلّة، ومحور الاستبداد والعسكرة والأنظمة الفاشية العميلة والتابعة.. هذا هو جوهر المعركة وعمّق الاصطفافات الجارية فيما بيننا ومن حولنا..

والجدل الذي يدور اليوم في بلادنا وتستعمل فيه أدوات كالمساءلة والبرلمان وغيرها، هو في عمقه إنعكاس لهذا الصراع بين المحورين الذين لو أردنا تلخيصهما في كلمة تصف كلا منهما لقلنا محور الديمقراطية ومحور الاستبداد.. لذلك فإن من المخاتلة الحديث عن صراع قومي إسلامي، أو يساري إسلامي، أو دستوري إسلامي، فكثير من القوميين واليساريين والدساترة الشرفاء تخندقوا مع الثورة ومع الحرّية والديمقراطية، ما يعني أن الفرز الحاصل الآن في   تونس ويجد له امتدادات في المنطقة هو انعكاس لهذا الصراع المتجاوز للأحزاب وللاصطفافات الإيديولوجية، حتى وإن تستّر البعض أحيانا بستائرها..

ولما وجد أنصار الارتداد إلى الاستبداد أن الثورة باقية رغم كل مؤامراتهم، وأن الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب التونسي العظيم رفض الانجرار وراء دعوات الإرباك والفوضى، سعوا إلى إرباكها ومحاولة شغلها بقضايا جانبية لا تحقق منجزا يذكر يمكن أن يحسب لها ويفضح أنظمة الاستبداد التي يدافعون عنها..

كما سعوا إلى تشويه رموزها ومحاولة تحقيرهم وتتفيهم.. غير مدركين لما كنا نقول آنفا من أن هذه التحوّلات هي لحساب التاريخ ولا يمكن أن تؤثر فيها حسابات السياسة إلا قليلا، بمعنى أنها قد تربك وقد تؤخر بعض المنجزات ولكنها لا تستطيع أن توقف المنحنى العام للتاريخ الذي بات يؤشّر بوضوح إلى أن المنطقة لن تبقى استثناء ديمقراطيّا في العالم..

الفرق بين حسابات التاريخ ومساراته الكبرى وتحولاته الاستراتيجية، وبين المناورات السياسة، هو الفرق بين الغنوشي وخصومه، لذلك هم يعجبون من صبره وصموده وقدرته على مواجهة كل مؤامراتهم.. لأنهم لا يدركون الفرق بين من يعمل لحساب التاريخ وهم يعملون لحساب السياسة، ودالة التاريخ التأسيس ودالة السياسة المناورة، والتأسيس في غالبه صبر وأناة وتحمّل وتضحية، والمناورة في غالبها خداع وكذب وزور ومصالح آنيّة، لذلك كان لكل نصيبه ما تحمّلَ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق