راي رئيسي

 الفخفاخ غايت (3):
 النهضة تحسم الجولة الأولى.. ثم ماذا؟

تسارع إيقاع الأحداث بنسق جنوني منذ نهاية الأسبوع الفارط، حيث أعلن مجلس شورى النهضة وفي خطوة استباقية فاجأت الجميع عن قرارها بسحب الثقة من حكومة الفخفاخ وتكليف رئيسها ببدء المفاوضات مع الأطراف المعنية.

السؤال الذي حيّر الجميع: لماذا استبقت النهضة نتائج التحقيقات المفتوحة من أكثر من جهة رسميّة وغير رسميّة وسارعت لتفعيل موقفها من ملف الفخفاخ والذي لم تختلف فيه مع بقيّة الأطراف حيث عبّر حلفائها في الائتلاف الحاكم عن نفس الموقف تقريبا.

عند هذا الحدّ لاحظ المراقبون منذ فتح ملف شبهة فساد رئيس الحكومة، الإحراج الكبير لحزب عبّو، والذي يعتبر الفخفاخ ورقته الأساسيّة التي ساعدته على التموقع المريح في القصبة.

التيّار الديمقراطي الذي أسّس شرعيّته الانتخابية على شعار مقاومة الفساد وسجل بتدخلات نائبته الناريّة طول السنوات الماضية انطباعا لدى الرأي العام بأنه سيكون رأس الحربة في تخليص الدولة من سرطان الفساد، وكم كان صادما للرأي العام أن يتلكّأ حزب التيّار في أخذ موقف سريع وواضح منذ تقدّم شوقي طبيب بملف الفخفاخ للبرلمان، بل ورجّح الحزب حسابات المناكفة والمضاددة لشريكه في الحكم في سلسلة من ردود الأفعال عكست محدوديّة قدرة الحزب على المناورة وقلّة خبرة قياداته في إدارة اليوميات برافعة المناورة التي تفصل بين الممكن والمرغوب.

ردّة فعل التيّار الديمقراطي على قرار شورى النهضة كان متشنّجا وانعكس على بيان رئيس الحكومة الذي جاء في صيغة بيان حزبي يساجل النهضة َيهددها بإقالة وزرائها بما عزّز القناعة لدى قيادة النهضة نفسها بأنها تحرّكت – توقيتا – في الاتجاه الصحيح.

وإذا كان ردّ فعل الفخفاخ ومعه وخلاله حزب التيّار الديمقراطي متوقّعا ومداره تخويف النهضة من إقالة وزرائها أو إقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، فإن ما لم يتوقعه الرأي العام هو ردّة فعل الرئيس الهيمنة صيغة وخطابا على قرار مجلس الشورى.

فقد راج ليلة انعقاد مجلس الشورى أن الغنوشي التقى رئيس الجمهورية وتباحث معه في ملف الفخفاخ، بل أن جزء من الأوساط المقرّبة من قيادة النهضة أفادوا أن مجلس الشورى ما كان ليوافق على تسريع قرار سحب الثقة لولا ما أفاد به الغنوشي من اتفاق مع رئيس الدولة.

لم يفهم المراقبون لحدّ الساعة دلالة استدعاء الرئيس للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ليحضر اجتماعه مع رئيس الحكومة حول موضوع أزمة شبهة الفساد التي تلاحقه، وقد فهمها الرأي العام بعد تصريح الرئيس الذي جاء مكذّبا لما راج في منصّات التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية من أن لقاء الغنّوشي/سعيّد سيدشن مرحلة جديدة من التوافق والانسجام بعد أن توتّرت علاقة الرجلين منذ بداية العهدة النيابية الجديدة.

بدت النهضة وكأنّها تسير في طريق ملغوم تحت قصف دعائي مكثّف، وضغط سياسي رهيب من قرطاج والقصبة وباردو، حيث نشطت زعيمة الحزب الحرّ الدستوري في تمرير لائحة سحب ثقة من الغنوشي، وتواطئ معها أغلب شركاء النهضة في الحكومة في لعبة كسر عظام مكشوفة.

بعد يومين فقط ردّت النهضة عبر مجلس الشورى وأصدرت بيانا قصيرا تتمسّك فيه بنفس القرار وتباشر تجميع التوقيعات لسحب الثقة.

الجديد أن أكثر من ثلثي الشورى صوّت هذه المرة للتسريع بتنزيل الموقف وهو ما أشّر على جدية النهضة في حسم الأمر بسرعة غير معهودة وضعت الجميع أمام الأمر الواقع وضيّقت على خصومها هامش المناورة.

آخر تداعيات قرار النهضة كان اجتماع رئيس الدولة منذ ساعات مع الغنوشي الطبوبي ودعوته رسميّا الفخفاخ للاستقالة.

كثيرون لن يغيب عنيهم فاصل الفرق بين الاستقالة والإقالة والشغور، ففي الشكل وليس في الأصل يعود التكليف إلى قرطاج أو إلى باردو أي لسعيد أو الغنوشي.

إذا استحضرنا ردّة فعل الفخفاخ على قرار شورى النهضة فالأرجح أنّه لن يخوض معركته إلى آخر رمق بالمرور على البرلمان، و سيقبل دعوة الرئيس ويستقيل في الساعات القادمة لتعود المبادرة لرئيس الدولة.

سبق أن نبّه كاتب هذه السطور في مقال الأسبوع الماضي إلى ضرورة تجنّب المرور بقرطاج لمستندات مذكورة، أهمها أن الرئيس صاحب أجندة سياسيّة راديكالية خاصة، والخشية حقيقية أن يستعمل الرئيس ورقة التكليف الدستوري في أفق التسريع بإنجاز مشروعه المعلن تحت شعار الشعب يريد. كل المحظور أن تنعمد دوائر الاستشارة لدى الرئيس تعقيد ملف التكليف الجديد لحل البرلمان والانطلاق فعليّا في مسار إنجاز مشروع قيس سعيّد بتمشّي دستوري ناعم ظاهره الالتزام بالدستور والقانون وباطنه تدشين مسار استبداله وكل المنظومة القائمة ببديل الرئيس.

في هذا الفاصل ستتعرّى كل الاستراتيجيّات الكامنة وتبرز حسابات الربح والخسارة بين قرطاج ومونبليزير.

بقية الفاعلين في المشهد السياسي سيكون دورهم تعديليا ضمن هذا المسار، وقد تابعنا نموذجا لسلوك التيّار وقبله حزب الشعب، اللذان تسابقا لعرض مظلتهم الحزبية لرئيس بدا لهم مستقلا ودون غطاء إيديولوجي وسياسي وحزبي.

المهم اليوم أن فاصل رحيل الفخفاخ في نصاب ديمقراطي سوي لا يزعج السياسة، بل يعزز الفكرة القائلة أن الديمقراطية قوّتها في قدرتها المتجدّدة على معالجة أزماتها، ما يزعج في الساعات القادمة هو أن تندرج مآلات العمليّة السياسية في أفق مغاير تماما للمطلوب الوطني الذي يضغط في اتجاه الاستقرار. فالخسارة الكبرى بعين الوطن في أن فريق الفخفاخ بدأ عمله بأرصدة نجاح كبيرة، ولكن تفجّر ملف تضارب المصالح عصف ببدايات الاستقرار السياسي وأعاد الجميع إلى لحظة الصفر في ظرف اقتصادي صعب واحتقان اجتماعي حادّ و تهديد جدّي بعودة موجة ثانية لوباء كرونا ولحظة إقليمية متموّجة ومفتوحة على كل المألات.

المزعج في كل هذا أن رئيس الدولة وفي آخر تفاعل له مع اليوميات تصرّف كجزء من اللعبة السياسية، وردّ دون موجب دستوري ولا سياسي على أحد أطراف العمليّة السياسيّة رغم أنّه لم يذكره إلا في سياق التذكير بالآلية الدستورية لتعويض الفخفاخ.

سيكون من الأنجع والأسلم لما تبقى من أمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه أن يخرج الفخفاخ من باب باردو ولكن وإن حدث وخرج من بوّابة قرطاج فالأكيد أن رحيله قد يكون بداية نقلة التجربة والمسار من أرض الأزمة إلى أخدود المأزق والكارثة.

انتصرت النهضة تكتيكيّا بسرعة بداهتها السياسية وبدت أكثر خبرة من خصومها، ووضعت الجميع في الزاوية الحادّة ومربّع ردود الأفعال، ولكن الأزمة مازالت مفتوحة على كل الاحتمالات وقد يتحكّم في مصيرها فاصل من هامش المشهد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق