راي رئيسي

الفخفاخ وتضارب المصالح.. محاربة الفساد..
“شاهد ما شافش حاجة”

يبدو جليا أنّ الفخفاخ وفريقه بدؤوا يستشعرون جديّا دقّة وخطورة ملف شركات الفخفاخ وقضية تضارب المصالح الفاضح، وربما تأكّد لهم أنه مأزق لن يتخلصوا منه بسهولة دون أن تكون لذلك ضريبة كبيرة لا بدّ أن يدفعوها لرفع الحرج وترميم صورة الدولة القوية والعادلة التي دخلت القصبة بشعار مقاومة الفساد، كما سوّقت للتونسيين..

فقد تواترت منذ أسبوع الوثائق التي تكشف تضارب المصالح الذي انخرط فيه رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ وتتمثل في حصول شركة هو مساهم فيها بما يقارب 60% ، على صفقات عمومية.

ووفق هذه الوثائق المنشورة، فقد تحصلت شركة لها علاقة بالفخفاخ على صفقتين عموميتين، الأولى تتعلق باستغلال مصبات النفايات الخاضعة لرقابة نفايات المنازل المماثلة ومراكز النقل ذات الصلة في ولايتي نابل وزغوان، على مبلغ جملي في حدود 28.9 مليون دينار. والثانية فتتعلق باستغلال المصب الخاضع لرقابة النفايات المنزلية وما شابه ذلك ومراكز النقل ذات الصلة بولاية بنزرت، بمبلغ 15.37 مليون دينار.

وأمام ما تم نشره حول امتلاك الفخفاخ لنسبة في رأسمال شركة حريفها الوحيد هو الدولة، يصرّ رئيس الحكومة ووزير مقاومة الفساد على عدم اعتبار ما وقع شكلا من أشكال الفساد أو حتى شبهة فساد، معتبرين أن ما حصل مجرّد سوء تقدير أو خلل إجرائي غير مقصود لا يرتقي حتى لوصفه بتضارب المصالح..

ويتمسك الفخفاخ وبعض أعضاء حكومته أنّه لا يوجد تضارب للمصالح لدى رئيس الحكومة في علاقة بامتلاكه لأسهم في شركة خاصة تحصلت على صفقة عمومية، حجّتهم في ذلك أن رئيس الحكومة لا يمتلك أسهما مباشرة في الشركة التي فازت بالصفقة بل يمتلك أسهما في شركة لها مساهمة في رأس مال شركة VALIS..

في المقابل، أكّد وزير حقوق الإنسان والهيئات الدستورية والمجتمع المدني عياشي الهمامي، أن “رئيس الحكومة هو عضو مجلس إدارة ووكيل ومالك أسهم بمجمع الشركات المذكور، وقد انطلق رسميا في إجراءات التخلّي عن أسهمه في المجمع لأهمية العمل لمستقبل البلاد”. وبناء على ما نشر تقدمت كتلتا قلب تونس (29 مقعدا)، وائتلاف الكرامة (19 مقعدا) المعارضتين، الأربعاء، بطلب من أجل تكوين لجنة تحقيق برلمانية للتحقيق في تضارب مصالح رئيس الحكومة.

كما نشر النائب المستقل بالبرلمان ياسين العياري صباح أمس الأربعاء على صفحته الرسمية بفيسبوك وثائق جديدة قال أنها “تكشف تضارب المصالح لرئيس الحكومة الياس الفخفاخ في علاقته بامتلاكه أسهما في شركة خاصة تعاملت تجاريا مع الدولة “.

وأكّد العياري أن القانون يفرض على الفخفاخ الخروج من أي مسؤولية وتكليف غيره بالتصرف في أسهمه في ظرف أقصاه 60 يوما من توليه المسؤولية في حين أنه لم يلتزم بذلك بالنسبة للموضوع الذي أثير سابقا لكن تبين أنه يملك شركة أخرى مع أخيه، وهو المتصرف فيها في مخالفة واضحة وصريحة للقانون ولا يمكن مغالطة الشعب في التواريخ كما حدث في القضية الأولى حيث أنه بالبحث في الرائد الرسمي تبين أن آخر تحيين حصل سنة 2014 ونشر سنة 2015 بعد خروج الفخفاخ من الحكومة و يتمثل في حيازته لمنابات الشريك الأجنبي في الشركة، أي أن رئيس الحكومة التونسية متورط و بوثائق رسمية محينة في قضية موجبة للسجن سنتين، كما أفاد النائب ياسين العياري، في نفس التدوينة أنه تلقى تهديدات على إثر ما قدمه وما كشفه من معطيات بخصوص ملف تضارب المصالح لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ. وأكد أنه سيتوجه اليوم للقضاء على خلفية هذه التهديدات، موضحا أنه لا يخشاها. وتحدث النائب عن وجود محاولات ومساع لتوريطه في بعض الملفات للانتقام منه.

إذا أمام هذا الصمت المريب لوزير مكافحة الفساد الذي يتجنب جاهدا أن يقر حتى بوجود شبهة في علاقة بمسؤول كبير في الدولة ورأس من رؤوس السلطة، شبهة تستوجب في الحد الأدنى استنفار أجهزته الرقابية لاستجلاء الحقيقة قانونيا وتسمية الأشياء بمسمياتها، فإن ثبتت شبهة الفساد فليتحمل كل طرف مسؤولية فلا أحد على رأسه ريشة كما يردد دائما، وإن ثبت العكس فكفى الله المؤمنين شر القتال وليطمئن التونسيون لرئيس حكومتهم الذي باتت تنتابهم من جانبه الكثير من الشكوك. هذا الصمت المريب، يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة ونتطلع لإجابة سريعة ومقنعة عنها:

هل هذه الدولة التي تعرض حتى عن فتح تحقيق رقابي حول مسؤول حكومي، هي حقا دولة قوية وعادلة؟

هل وزير مكافحة الفساد الذي أطلقت يده وأعطيت له صلاحيات لم يكتسبها أحد قبله ولا بعده فيها من البدع القانونية والبروتوكولية ما فيها، جاد في مقاومة الفساد؟ هل وزير مقاومة الفساد الذي رفع شعار الحرب على الفساد ومحاسبة الفاسدين وفتح جميع ملفاتهم دون استثناء ولا محاباة، فلا أحد على رأسه ريشة كما يقول والذي يعتقد غير ذلك سننتف ريشه، هل هذا الرجل جاد فعلا في حربه الذي أشهر سيفه لها فمُهدت له الأرض من أجلها وجُنّدت له كل المصالح الرقابية عُدّة وعتادا؟

هل حقا لا يوجد أحد على رأسه ريشة، وملفات الفساد تفتح اليوم دون انتقائية ودون حسابات سياسية ولا أجندات حزبية؟

هل علينا أن نصدق هذا اليوم وقد قبر تحت التراب ملف فساد صفقة الكمامات التي تورط فيه وزير الصناعة ولم يحاسب، وبعد الصلف والمكابرة في توصيف قضية الفخفاخ وشركاته، والاستماتة من أجل قبرها هي الأخرى ومواراتها تحت التراب دون أن نكلف أنفسنا حتى عناء فتح تحقيق رقابي بسيط ولو من باب ذرّ الرماد على العيون؟

في الحقيقة الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نصدقه اليوم بل ونؤمن به يقينا هو أن مقاومة الفساد كلما دخلت فيها السياسة إلا وأفسدتها وأصبحت حربا انتقائية ومخاتلة ومربكة، إما للابتزاز أو التربّح أو تكوين الكتل والأحزاب أو حلّها وتفتيتها، أو لتصفية الحسابات أو للمزايدات السياسية، وهو ما شهدناه خلال الخمس سنوات الماضية..

إذا فالحلّ الأنجع الذي من المفروض أن تمضي فيه الدولة القوية والعادلة في اعتقادي، هو ضرورة مأسسة الحرب على الفساد وإبعادها عن اللّعبة السياسية، حتى لا تفسدها وهو المعمول به في كل الدول التي لها مؤسسات قوية تكرس علوية القانون.. فالسياسي عليه فقط أن يمتلك الإرادة الصادقة في توفير الأرضية المناسبة لمحاربة الفساد ويبقى شأن خوض المعركة شأن تنهض به المؤسسات مثل المؤسسة الأمنية والقضائية والديوانة وهيئة مكافحة الفساد ومحكمة المحاسبات وغيرها من الأجهزة الرقابية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق