أهم الأحداثاخر الأخبارتقاريررأيمدوّنات حرّة

اللقاء كان جيدا.. والعشاء لن يكون الاخير..

الغنوشي يبحث عن شريك

 

لم تتسرب اخبار كثيرة عن اللقاء الثلاثي او افطار العمل الذي جمع يوم امس كلا من رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس مجلس نواب الشعب الاستاذ راشد الغنوشي ورئيس الحكومة الياس الفخفاخ.. ولكن حاصل اللقاء، وسنعود للحديث عن بعض ما تسرب عنه، ايجابي بالتاكيد، لانه ساهم باقدار كبيرة في تحفيف حدة الاحتقان التي بلغت ذروتها بداية الاسبوع بعد تصريحات الرئيس الاخيرة في قبلي، ولانه (اللقاء) ارسل برسالة ايجابية للشعب التونسي مفادها ان رجالات هذه البلاد ما زالوا يتوفرون على اقدار من الحكمة تجعلهم قادرين على حماية تونس من حالة الجنون التي ضربت مؤخرا مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصفحات التي تدعي زورا الانتصار لقيس سعيد، وهي انما تختبئ خلفه لتحاول اثارة الفتنة والتقاتل بين التونسيين بدعوتها الى تصقية بعض القوى او الرموز السياسية الوطنية.

ومثلما كانت الحكمة والعقل والبصيرة، طريقنا للخلاص من حرب اهلية كانت شبه مؤكدة في 2014 وما قبلها، بفضل التوافق الذي قام بين الشيخ راشد والاستاذ الباجي قائد السبسي عليه رحمة الله، نتمى ان يجد التونسيون ويجد الغنوشي شريكا يخلف الرئيس الاسبق، ويكون في مستوى حكمته وفطنته وايمانه بالدولة وحرصه على امنها واستقرارها، على الرغم من كل الاخطاء التي يمكن ان يكون قد ارتكبها..

1

.. جنازة الباجي قائد السبسي الرئيس السابق للجمهورية التونسية، الذي قضى اشهرا قبل اكمال عهدته الرئاسية التي بدها بعد فوزه في انتخابات سنة 2014، التي كان شعارها المعلن احداث التوازن مع حركة النهضة، ولكن خلف هذا الشعار كانت تختفي العديد من الاجندات الداخلية والخارجية التي كانت تبشر بالاقصاء والاستئصال والتحارب الاهلي..

يومها كذب الباجي اوهام الجميع، بدءا من بعض الاستئصاليين في جبهة الانقاذ وصولا الى بعد دويلات البترو دولار التي ارسلت له سيارة مصفحة كرشوة سياسية لكنه رفضها، كما رفض الانخراط في اجنداتها الخبيثة، التي ترمي الى الحاق تونس بالحريق العربي..

كنا حينها على شفى حرب اهلية، ولكن البلاد وجدت في زحمة تلك الاحداث وذلك الجنون الذي كان يدفع الى التقاتل والتناحر، وجدت رجلين، بخصال استثنائية، نجحا كل منهما في تجاوز ارث من الاحقاد والصراعات من اجل انقاذ تونس في لحظة كانت فارقة ومصيرية من تاريخها..

هوجم الاول بشراسة من قبل جناح كبير من ابناء حركته ومن “الثورجوت” واتهموه بالانبطاح والخيانة، والتنكر لمبادئ الثورة، وهوجم الثاني بشدة من قبل شركائه في جبهة الانقاذ واتهم بالتحالف مع القوى الرجعية والطلامية.. ولكن الرجلين نجحا رغم ذلك في بناء توافق وطني جنب البلاد الهزات والويلات حتى باتت تونس مضرب للامثال باعتبارها الاستثناء الوحيد في المنطقة الذي لم يات عليه الحريق العربي..

ولا اعتقد ان لسي الباجي من خصال تذكر قبل الثورة حتى يقع الاحتفاء به بتلك الطريقة بعد وفاته، وهو الذي اعترف بالكثير من الاخطاء في العهد السابق ومنها تزييف الانتخابات وغيرها، ولكن التونسيين غفروا له كل تلك الهنات، ولم يذكورا للرجل الا انه انقذ تونس من حرب اهلية بقبوله وبنائه لسياسة التوافق مع شريكه الغنوشي. نجح عقل الغنوشي الراجح وبعيد النظر في ان يجد شريكا يؤمن بالدولة ويحرص على الحفاظ عليها، ويحترم الدستور والقانون برغم كل ما قيل عن تجاوزاته في هذا الاتجاه.. خاصة في ايامه الاخيرة.

2

اليوم ووسط اجواء توحي في جزء منها بما وقع سنوات 2013 و2014، ووسط حالة التهارج السياسي، والعودة الى دعوات الارباك والفوضى وصولا الى التبشير بالدم والتصفية الجسدية.. يجد الغنوشي نفسه مجددا في رحلة البحث عن شراكة سياسية وازنة عاقلة راشدة تؤمن بالدولة وتحترم نتائج الانتخابات تكون قادرة على بناء توافق وطني جديد وواسع يمكن من بلادنا من تجاوز حالة الاحتراب التي نعيشها..

الامر صعب لانه ليس من السهل ايجاد شخصيات وازنة اليوم، وعاقلة في نفس الوقت، وتكون قادرة على مواجهة حالة التهارج هذه، فالتوافقات الكبرى لا تنجزها الا شخصيات ذات ارصدة نضالية كبيرة ورصيد شعبي ورمزي اكبر..

اليوم هناك فرصة حقيقية لايجاد ارضية للتوافق بين الرؤساء الثلاثة، وايجاد ارضية للعمل المشترك بعيدا عن لغة التخوين والتامر وعن صراع الصلاحيات.. وبعيدا ايضا عن المناكفات السياسية وعن التهارج الذي تغذيه بعض القوى التي تخشى الاستقرار في البلاد.

3

وعكس ما راج ربما او عكس ما يحاول ان يروجه البعض، فان ما تسرب عن اللقاء الاخير، بين الرؤساء الثلاثة،والانطباع الحاصل عنه، جيد بنسب كبيرة، وتم خلاله الاتفاق على جملة من المسائل منها الاتفاق على ان تصبح هذه اللقاءات دورية، كما تم الاتفاق على مزيد التنسيق بين الرئاسات الثلاثة، وتجنب التضارب بين مؤسسات الدولة.

واعتقادي ان اللقاء وبالنظر الى الظرف الذي عقد فيه، وكونه اول لقاء يجمع الرؤساء الثلاث، لا يمكن ان ننتظر منه اكثر من هذا.. يكفي انه خطوة اولى وبداية جيدة، وخطوة تبعث على التفاؤل بان نرى مؤسسات الدولة تعمل بعقلانية وانسجام وفي كنف الاحترام التام للدستور ولمؤسسات الدولة المنتخة.

فهل يعني هذا ان الغنوشي وجد الشريك او الشركاء الذين يبحث عنهم والذين يمكن ان يخلفوا الباجي رحمه الله ويكونوا اصوات حكمة وعقل.. اعتقد ان الجواب صعب الان، ولكن لا شيء يمنع هذا الثلاثي من ان يشكل قاطرة لتوافق سياسي جديد، مبني على اسس وطنية صحيحة، واجماع وطني اساسه مخرجات الانتخابات الاخيرة، بما يدفع عن بلدنا التوترات ويزيل سوء التفاهم القائم بين مختلف الفرقاء.. وهذا ما تريده غالبية الشعب التونسي، بغض النظر عن بعض الموتورين في الفايس بوك او مواقع التواصل الاجتماعي…

فاللقاء كان جيدا، والعشاء لن يكون الاخير، وهذا في حد ذاته يبعث على التفاؤل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق