راي رئيسي

المشهد التونسي مطلع 2021 .. تحولات سريعة على رمال متحرّكة

(1)

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ … بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

من حقنا جميعا أن نعتبر أن مجرّد رحيل عام 2020 وانجلائه عن سمائنا عيد، فقد كان عاما حزينا كئيبا فقدنا خلاله أحبة كثيرين، وأثخننا فيه المرض فأوهن منا الأجساد والجيوب والمعنويات، ومضت معه جل أمانينا الشخصية إن لم يكن كلها، وذهبت معه انتظاراتنا الوطنية التي لم تتحقق أدراج الرياح، و تمدّدت فيه مساحات الحزن وبسطت ظلالها الكثيفة على كل دواخلنا فلم نعد نستسيغ من الحروف والكلمات غير مرها وأحزانها وخيباتها .

هل كان يحق لنا أن نحتفل؟ أن نتبادل التهاني؟ أن نتفاءل؟ وهل كان بوسعنا أن نطوي في بطوننا عاما بائسا مضى من حياتنا نلوكه بطعم الدواجن والمرطبات المغشوشة؟ قطعا لا، فلا بقعة ضوء في آخر النفق رأينا ولا نحن إلى ما هتفنا به شتاء 2010 / 2011 انتهينا … هو عيد لمجرد تغير رقم الآحاد في السنة من الصفر إلى الواحد. ذاك الصفر الذي بات سمة وضعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبات سمة خطاب نخبتنا وممارساتها معاركها، وسمة الممارسة الديمقراطية في بلادنا.

رحيل 2020 عيد يعود، ومعه تساؤلات مبهمة كررنها حتى مججناها، وانتظارات حلمنا بتحقق جزء يسير منها، وطال انتظارنا حتى فقدنا الأمل فيها على أمل أن يكون حلول سنة 2021، السنة العاشرة للثورة، فاتحة خير علينا وعلى البلاد، فأي ملامح للمشهد التونسي مطلع السنة الجديدة ؟

 

(2)

وأخيرا، وقبل أن نقلب صفحة الروزنامة نطوي معها عام 2020، أعلن في بيان رئاسي رسمي أن الرئيس قيس سعيّد استقبل الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، أعلن عقبه قبوله بإجراء حوار لتصحيح مسار الثورة التي تم الانحراف بها عن مسارها الحقيقي الذي حدده الشعب منذ عشر سنوات ألا وهو الشغل والحرية والكرامة الوطنية، وأضاف البيان أن رئيس الدولة أكد على “وجوب تشريك ممثلين عن الشباب من كل جهات الجمهورية في هذا الحوار وفق معايير يتم تحديدها لاحقا” دون تحديد أي موعد لإطلاق الحوار.

إعلان رئيس الجمهورية عن القبول بمبادرة الاتحاد جاء بعد تلكؤ كبير منه، واستغراب واستياء من المنظمة الشغيلة التي عبر قياديوها عن استعدادهم للبحث عن مخارج وحلول أخرى معتمدين في الآن ذاته ذاك المعجم المغرور الذي كثيرا ما يستعيرون منه مفردات الوصاية على إرادة الشعب الذي أوكلهم أمانة الحديث باسمه، وأنهم لن يصمتوا إزاء مظاهر الأزمة التي استفحلت في البلاد وأن الاتحاد لن يصمت أمام ما يحدث متناسين دوما ومنكرين أبدا أن الاتحاد شاء أم أبى طرف في الأزمة، بحضوره البهي في تعطيل المرفق العام وإجبار المجموعة الوطنية على تخصيص الجزء الأكبر من موارد الدولة للتأجير دون التوقف عند تفصيل ارتفاع الأسعار مما يعني بوضوح وقوفه أيضا وراء حالة التضخم التي يعيشها اقتصاد البلاد ومواطنوها.

ويبدو أن الرئيس لم يكن فقط مكرها على القبول بالحوار، ودعمه والإشراف عليه بسبب ضغط المنظمة الشغيلة، وإنما أيضا لتعبير رئيس مجلس النواب عن القبول به، وضرورة أن يكون تحت إشراف المؤسسة التشريعية المنتخبة، وهو أمر اعتدنا أن يتسبب في طفح جلدي وحساسية مفرطة لدى مؤسسة الرئاسة يدفعها دفعا للهرولة إلى دوائر الفعل والحضور وإن لم تكن مقتنعة بوجاهة الحوار ولا مدركة لدقة الأوضاع التي تمر بها البلاد، ولا واثقة من قدرتها على إدارة الحوار، ولا مطمئنة إلى نتائجه التي يمكن أن تكون منطلقا لإصلاح أوضاع التونسيين .

وإذا كان الرئيس قد أعلن عن قبول مبادرة الحوار وقبل بالإشراف عليه، فإنه (أول ما شطح نطح) فعمد إلى تغيير اسم المبادرة الأصلي من “مبادرة للخروج من الأزمة في اتجاه خيارات وطنية جديدة” إلى “حوار لتصحيح مسار الثورة التي تم الانحراف بها عن مسارها الحقيقي الذي حدّده الشعب منذ عشر سنوات ألا وهو الشغل والحرية والكرامة الوطنية” وشتان بين هذا وذاك، شتان بين مبادرة تطمح للوصول إلى توافقات لتعديل الأوتار في محاور اهتمام مشتركة ومأزومة: في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين شعار إنشائي في ظاهره، القبول بدور التحكيم وعمقه هوس بدور قيادة الثورة والوصاية على شعاراتها التي حبرها الشباب على الجدران، ودور لم يبد الرئيس أية مواهب لأدائه على امتداد أكثر من سنة من ولايته، مثلما لم يبد أية قدرات على التجميع، ولا على التعالي على الصغائر ولا على تلبس حالة رجل الدولة، وأعلى هرم سلطتها.

كل هذا الإرباك لا يكتفي به رئيس الدولة، بل يضيف إليه تفصيلا فوضويا طوباويا يتمثل في: “وجوب تشريك ممثلين عن الشباب من كل جهات الجمهورية في هذا الحوار وفق معايير يتم تحديدها لاحقا”، فأي شباب يقصد الرئيس؟ شباب الأحزاب؟ أم شباب منظمات المجتمع المدني؟ أم شباب المنظمات الطلابية؟ أم شباب حملته الانتخابية وحراكه  وبأي آلية سيتم إفراز هؤلاء الشباب؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه هؤلاء الشباب داخل الحوار الوطني الذي يدعو له الاتحاد العام التونسي للشغل؟

 

(3)

مربط الفرس والسؤال الجوهري يتعلق بحظوظ حوار وطني يرغب الاتحاد في أن يقصي منه ائتلاف الكرامة ويرغب قيس سعيد في أن يقصي منه قلب تونس وترغب النهضة أن يكون حوارا وطنيا جامعا تشارك فيه كل الأحزاب وخاصة البرلمانية منها ولا يستثني إلا من استثنى نفسه، حوار يقوده الرئيس يحجم فيه أدوار الحكومة والبرلمان، المؤسسة التنفيذية، والمؤسسة التشريعية، متناسيا أن المقررات والتوافقات التي ستصدر عن الحوار الوطني ان انعقد يجب أن تتحول إلى تشريعات يصادق عليها مجلس نواب الشعب، فهل يصادق البرلمان على مشاريع قوانين أقصي منها، وتم تقزيم دوره فيها ؟ غبي من يعتقد ذلك .

غبي أيضا من يعتقد أن الحكومة التي لا يوجد حديث حول دور محتمل لها في الحوار ستساهم في إنجاح وتنفيذ مقرراته، قد تقبل بها اضطرارا، أو مجاملة، ولكنها قطعا لن تكون قادرة على تنفيذ مقررات لم تساهم في صوغها، والتخطيط لها.

أخيرا وليس آخرا كيف يمكن أن نطلق على حوار على المقاس وبشروط مسبقة يصف نفسه بالوطني يحلم بتغيير قواعد اللعبة مقصيّا في الآن ذاته قبل الشروع في اللعب أطرافا وطنية وازنة؟ ومن المسؤول عن توزيع بطاقات وصكوك الوطنية؟

إنه قطعا حوار الطرشان الذي عوض أن يكون جامعا من أجل نحت ملامح تغيير إيجابي للبلاد يذهب عنها رجس سنوات من التعويق والخلافات والمؤامرات، حوار أجهضه أصحاب المبادرة فيه بعقلية الإقصاء، وقبره من وضع تحت إشرافه بالتعويم والاستعراض الخطابي الطوباوي، وقضت على أخر نبض فيه أحزاب سياسية تضرب أسسه وتشكك في كل تفاصيله ويقصي بعضها البعض الآخر.

 

(4)

المشهد التونسي مطلع 2021، يشهد تحولات سريعة على رمال متحركة، من اهم ملامحها تحوير حكومي يعتقد البعض أن أوانه قد حان لإضفاء جرعة من الأكسيجين على بعض الوزارات التي تشهد حالة من الركود والموت السريري، وتعويض بعض الوزراء المقالين، وتعيين بعض الوجوه السياسية الخبيرة التي من شأنها أن تساهم في تحريك بعض المرافق التي تشهد ركودا.

وبالتوازي مع ذلك، تشهد بعض الأحزاب السياسية حراكا وتغييرات، من ذلك التوافق حول مكتب تنفيذي لحزب حركة النهضة لا جديد فيه سوى إعادة توزيع الأدوار فالوجوه هي ذاتها، وتحسين شروط التفاوض قبيل حلول النزال الأكبر خلال المؤتمر الذي طال انتظاره، كما شهدت الأيام القليلة الماضية انتخاب فاضل عبد الكافي رئيسا جديدا لحزب آفاق تونس خلفا لياسين إبراهم.

وقد يكون أكثر التحويرات جدلا هو ذاك الذي أقال بمقتضاه رئيس الحكومة مساء الاثنين 5 ديسمبر وزير الداخلية المحسوب على رئيس الدولة باعتباره أحد قادة حملته الانتخابية، ويندرج ضمن الصراع المكتوم بين أجنحة السلطة الثلاثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق