الافتتاحية

المصالحة الخليجية .. والتطورات العربية والإقليمية..
متى تدرك نخبنا أن الحلّ في الحوار لا في محاولات .. الانقلاب..

1

بعيدا عن تهارج النخبة السياسية التونسية، وصراعات التنافي التي أنهكتها وأنهكت البلاد، ومعارك التموقع والصلاحيات، ومحاولات بعض المجموعات الوظيفية متناهية الصغر الدفع بالبلاد إلى الفوضى، والانقلاب على المسار الانتقالي، بعيدا عن كل ذلك، تظهر بارقة أمل كبيرة من الخليج العربي، ومن القمّة الخليجية تحديدا، التي وضعت حدّا لأزمة مزقت النسيج العربي، وأدخلت المنطقة في دوامة من التنازع منذ 2017..

“قمة العلا”، القمة 41 لمجلس التعاون الخليجي، التي حضرها أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، سمحت بوضع حدّ لأزمة دامت ثلاث سنوات، بين قطر من جهة وكل من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين إضافة إلى دولة مصر، وذلك من خلال الاتفاق على فتح الأجواء والحدود البريّة والبحريّة، فضلا عن معالجة كافة المواضيع ذات الصلة، في إشارة إلى تداعيات الأزمة الخليجية. ..

وكان لافتا في هذه القمة، الاستقبال الحار للأمير تميم من قبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي استقبل ضيفه عند مدرج الطائرة، حتى أن وسائل الإعلام تناقلت بشكل مكثف العناق الحار بين الرجلين، وقول بن سلمان لتميم: “نورت المملكة”.

هذه القمّة وهذه المصالحة، أسعدت الكثير من قوى الخير والسلام في بلادنا والمنطقة العربية، وكل من يرون في وحدة الصف العربي وقوّته، مناعة للمنطقة وشعوبها من محاولات الاختراق وخاصة الإسرائيلية منها.. ولكن للأسف فإن هذه الخطوة، ساءت البعض أيضا، من الذين استثمروا في هذه الخصومة، والذين بنوا سياساتهم واستراتيجياتهم على هذه الأزمة وكانوا مستفيدين منها وأرادوا لها أن تستمّر وتطول بغض النظر على تداعياتها الخطيرة على الجميع.. هؤلاء الذين لا يختلف دورهم عن دور النائحات في كل واد، يفرحون بالمآتم ولا تسرّهم أفراح الآخرين..

خلال ثلاث سنوات من عمر الأزمة، تغيّرت أشياء كثيرة، وفشلت مؤامرات أكثر.. قطر نجحت في الصمود ونجح اقتصادها في التأقلم مع الأزمة، وكان الحصار كما تقول قطر مناسبة مهمّة، كي يعول الاقتصاد القطري على نفسه ويلبّي حاجياته بالاعتماد على قدراته الخاصة ويحقّق اكتفاءه الذاتي من عدد كبير من المواد الغذائية وغيرها.. كما نجحت قطر سياسيا وإعلاميا وقانونيا، وروّجت للمظلمة التي تعرّضت لها بسبب الحصار، وتمكّنت من فك العزلة السياسية الدولية والإقليمية التي كان يراد لها أن تقع فيها..

من جانبها، شعرت المملكة وكأنّها باتت تدفع لوحدها ثمن الحصار، تدفعه في اليمن بعد أن فقدت حليفا صادقا مخلصا، في مقابل تآمر وخيانة الآخرين، الذين ثبت أنهم يعملون لخدمة أجندات بعيدة كل البعد عن الأهداف التي رسمتها المملكة.. كما خسرت السعودية بحصار قطر غطاء إعلاميّا مهما لحربها في حدّها الجنوبي..

 

2

وعلاوة على التطوّرات التي عرفتها منطقة الخليج، شهدت المنطقة العربية خلال هذه السنوات الثلاث أحداثا هامة وجرت مياه كثيرة في النهر كما يقال..  في شرق المتوسط أثبتت تركيا التي كانت المستهدف الثاني بعد حصار قطر، أنها قوّة إقليمية ودولية لا يشق لها غبار، وأن محاولة استهدافها أو تجاوزها أو تجاهل دورها في المنطقة نوع من العبث الذي ما كان ينبغي أن تنخرط فيه دول عرفت بسياساتها الخارجية المتوازنة والعاقلة..  وتحوّلت الانتصارات التركية في ليبيا وسوريا وأذربيجان، التي تحققت بمفاعيل التكنولوجيا التركية، إلى محدّد في المنطقة صنع وضعا جيوبوليتيكيا جديدا في شرق المتوسط ووسطه وصولا إلى ليبيا..

مصر وعلى خلفيّة التطورات في شرق المتوسط ونتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة، سارعت إلى التواصل مع حكومة طرابلس، وقيل أن هذه التطوّرات جاءت بعد تغيّر طرأ على العلاقات التركية المصريّة، وما يقال عن لقاءات استخباراتية بين الدولتين، قد تمهد لعلاقات أوسع في المستقبل.

أضف إلى ذلك التطوّر في العلاقات السعودية التركية خاصة بمناسبة قمة العشرين الأخيرة التي احتضنتها المملكة يوم 22 نوفمبر الماضي، وتم الاتفاق خلالها بين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس التركي رجب طيب أردوغان “على جعل قنوات الحوار مفتوحة لحل الخلافات وتحسين العلاقات بين البلدين”، جاء هذا الاتفاق بعد الرسالة الرمزية والإنسانية النبيلة التي أرسلها الملك سلمان من خلال المساعدات العاجلة التي أمر بها إلى تركيا إثر الزلزال الذي ضرب ولاية إزمير غربي تركيا نهاية أكتوبر الماضي.

 

3

الثابت الآن، أن الجميع يحاول إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وعلاقاته الخارجية، بناء على تطوّرات المرحلة الجديدة وعناصرها الأساسية: نهاية حقبة ترامب، نهاية الهيمنة الغربية على العالم وخاصة على المنطقة، فالغرب (الدول الأوروبية تحديدا) لم تعد اللاعب الأساسي والمحدد الوحيد لما يجري في المنطقة وبداية ظهور قوى إقليمية كبيرة لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها.

كل ذلك يعني نهاية حقبة، تخيّلت فيها بعض القوى أنها قادرة على تغيير قدر المنطقة وإيقاف تحولها التاريخي نحو الحرّية والديمقراطية.

بناء عليه بات الآن كل طرف يعيد حسابته وتحالفاته ويرتب أوراقه وفقا للمستجدات الإقليمية والدولية الجديدة، وفي هذا السياق ستتغير سياسات وستبنى خيارات واستراتيجيات جديدة قائمة بالأساس على محاولة استعادة العمق الشعبي العربي لمواجهة التحديات الخارجية بعد أن بان بالكاشف أن الاعتماد على منطق المناولة في مسائل الأمن القومي واستعداء الشعوب وتهميشها وقمعها لم ينتج إلا مزيدا من الخراب والضعف والتبعية لبلدان المنقطة.

والأكيد الآن أن الأطراف التي راهنت على تفجير الساحة العربية وشجعت على استعداء الربيع العربي، باتت الآن في حالة من الضعف والانكشاف والعراء الاستراتيجي، خاصة بعد عودة الديمقراطيين إلى الحكم في أمريكا واثبات تركيا أنها قوة إقليمية ودولية لا تجارى ونجاح قطر في الصمود أمام محاولة استلاب قرارها السيادي الوطني..  وهو ما يبشر بتغيرات عميقة في المشهد العربي باتجاه المصالحة مع الربيع العربي ومع القوى التي جاء بها والتي آمنت بالحرية والديمقراطية، كقدر للمنطقة، دون أن يعني ذلك مسا باستقرار الدول الصديقة والشقيقة.. بل إن العمق الشعبي للربيع العربي هو الذي يمكن أن يمثل ضمانة أساسية لأمن واستقرار كل دول المنطقة

 

4

علينا في تونس أن نستفيد من هذه التطوّرات…

نستفيد سياسيا بعزل القوى التي راهنت على الفوضى والانقلاب على المسار.. بعد أن انكشفت وتخلّى أو سيتخلّى عنها “كفيلها الخليجي”، وهذا سيحقق كما نتمنى أقدارا من الاستقرار السياسي ضرورية لنا لمواجهة التحدّيات الاجتماعية التي نواجهها.

ونستفيد اقتصاديا بفتح المجال أمام كل الدول للتعاون والدعم والاستثمار في بلادنا، دون اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، المحدّد الوحيد في ذلك المصالح الوطنية العليا لبلادنا فقط لا غير.

علينا اليوم أن نلتقط اللحظة، وأن نستفيد من حالة التهدئة العامة التي تشهدها المنطقة على أغلب الواجهات.. اللحظة لحظة تهدئة ولحظة مصالحة، ولا معنى لأن تظل نخبنا السياسية تخوض في معارك الاستئصال والتنافي التي لا تنتهي.. ومحاولة الانقلاب على التجربة التي لا تتوقف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق