الافتتاحية

المكونات السياسية بين الشارع والحوار ..  وانعدام الثقة!

الشارع

الحديث عن شارع مقابل شارع، خاصة بعد مسيرة 3 أكتوبر المساندة للرئيس قيس سعيد أو التي سبقتها أي مسيرة 26 سبتمبر المعارضة له، حديث يحتاج إلى تنسيب كبير وفهم أعمق وتفكيك للمنظومات السياسية التي شاركت في المناسبتين..

.. الحديث أو تحليل تطورات الأوضاع في تونس بناء على “نظرية” شارع مقابل شارع فيه الكثير من السطحية والاستسهال، فالذين نزلوا سواء في المسيرة المعارضة أو المساندة للرئيس، لا علاقة لهم بالشارع بالمعنى الواسع للكلمة أي المواطن العادي البسيط، الذي لم يكن حاضرا في المناسبتين..

فالذين حضروا مسيرة 26 جويلية هم في اغلبهم ملتزمون أو ناشطون سياسيون أو مثقفون مهمومون بالوطن ومآلاته أو متحزبون ولكن نزلوا دون يافطات حزبية ظاهرة..

في المقابل فإن أبرز الحضور في مسيرة 3 أكتوبر هم من بقايا التجمع وعدد من عناصر النقابات الأمنية التي دعت إلى التظاهرة وبعض المكونات الحزبية وبعض النقابيين وبعض أنصار قيس سعيد من مكونات التنسيقيات..

كل هذه الأطراف تنتمي إلى منظومات سياسية ونقابية وغيرها، ولا تمثل في اعتقادي الشارع العريض الواسع غير المتحزب وغير المعني بالصراعات والتجاذبات السياسية.. ولو شارك هذا الشارع العريض في كلا المسيرتين لكانت الأعداد بعشرات الآلاف وهو ما لم يحصل..

ولكن هذا لا يمنع أن عددا هاما من المواطنين العاديين شاركوا في المسيرتين، دون أن يمثلوا الأغلبية الساحقة فيهما، وهم شاركوا إما خوفا على الدولة والتجربة الديمقراطية وخشية دخول بلادنا في المجهول (26 سبتمبر)، أو من أجل تحقيق بعض المطالب الاجتماعية أو المحافظة عليها مثل ما حصل في مسيرة 3 أكتوبر..

في كلتا الحالتين، الشارع العريض الواسع.. المواطن العادي البسيط عاد ليتخذ وضع المتفرج على صراع بين أنصار الرئيس وخصومه، وبين المشروعين الذين يمثلانهما.

 

الحوار..

في هذه الأجواء وبعد أن تبين للجميع أن “الشارع” هو في الحقيقة شوارع، وأن إجراءات 25 جويلية لا تحظ بتلك الشعبية التي تصورها البعض، وأن البلاد والشارع السياسي تحديدا منقسمان انقساما عموديا حادا، تصاعدت من بعض الجهات دعوات لحوار وطني لا يستثني أحدا..

الإشارة الأولى جاءت في البداية من فرنسا، في سياق اتصال هاتفي بين الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس قيس سعيد، تلتها تدوينة لشقيق الرئيس نوفل سعيد، قبل أن يعلن أحد قيادات حزب حركة الشعب المساندة للرئيس أن الحوار لن يشمل بعض الأطراف السياسية أبرزها حركة النهضة..

إذن موضوع الحوار، الذي “غُمر” إعلاميا رغم أهميته، عاد ليكون موضوع حديث علني أحيانا وفي الكواليس أحيانا أخرى، وهو ما يجعل منه في اعتقادي “أجندة اللحظة السياسية” بامتياز، رغم محاولات التشكيك في نوايا الداعين له، أو الأطراف التي يمكن أن تكون مستفيدة منه.. ورغم تصاعد الهجمة على الحريات وبداية ما يشبه القبضة الأمنية على البلاد..

 

انعدام الثقة

.. رغم ذلك كنت ولا أزال على يقين أن الحل الوحيد للأزمة الحالية هو الحوار، لأن البديل عنه سيكون احترابا أهليا لن تتحمله البلاد ولا العباد.. وسيدخلنا في متاهات لن نستطيع الخروج منها على غرار ما يجري في بعض الجوار العربي..  وهذا الخيار مرفوض من غالبية التونسيين وهو مرفوض أيضا من دول الجوار ومن القوى الدولية الكبرى.

ولكن للحوار شروط، فلا يمكن أن يكون الحوار، مدخلا آخر للإقصاء، مثلما يريد البعض أي أن يُحقق بالحوار ما لم يستطع تحقيقه بالإجراءات التعسفية.. وللأسف هناك من لا يزال يعتقد أنه قادر على بناء منظومة سياسية يدّعي أنها ديمقراطية تقوم على الاستبعاد “الديمقراطية الاستبعادية” .. أي استبعاد القوى الفائزة في الانتخابات والتي لها وجود حقيقي على الأرض لفائدة قوى لم تستطع في كل الانتخابات التي خاضتها طيلة عشر سنوات أن تفوز ولو باستحقاق انتخابي واحد..

وللحوار شروط أخرى أيضا، ومنها وقف حملات التخوين والسب وهتك الإعراض والنيل من الحرمات، ووضع حد لهذا الخطاب المنفلت عن كل قيود والذي يدفع البلاد إلى انقسام حاد لا تؤمن عواقبه. زلا يمكن لأي طرف أن يؤسس للحوار وهو يصف خصومه السياسيين وشركاءه في هذا الوطن بالجراثيم والخونة، ويتوعدهم ليل نهار بالزوابع والتوابع.

وأنا على يقين من أن الأسباب الرئيسية لهذا الخطاب المتوجس، هي الحالة التي تعيشها كل الأطراف في بلادنا، فالمحيطون بالرئيس يصورون له أنه مستهدف، في موقعه وشخصه، وأنه سيحاكم إن تراجع خطوة واحدة إلى الوراء..

وخصومه متوجسون من مشروعه، الذي يقوم على نسف الموجود الحالي برمته تمهيدا أو تأسيسا لمشروعه الجديد والمتمثل في بناء دولة أخرى على أنقاض الدولة الحالية، وهذا المشروع لا يعلم أحد كنهه. إلى جانب مخاوفهم من الممارسات القمعية والعودة إلى المحاكم العسكرية واعتقال الصحفيين والمدوّنيين.

نحن إذن أمام مخاوف متبادلة، وهو ما يغذي حدة الصراع ويعطي المتربصين ببلادنا وتجربتنا فرصة كي ينفخوا أكثر في كير هذه الأزمة ويفجّروا المزيد من التناقضات، خدمة لأجنداتهم الخاصة.

لذلك نحن بحاجة فعلا إلى نوع من التهدئة حتى نستطيع التمهيد للحوار إن كانت هناك رغبة حقيقية في الحوار.. وأول الخطوات في هذا المسار تبدأ بوقف هذا الخطاب المنفلت والمتشنج الذي يفرّق ولا يجمّع ويهدم ولا يبني ولا يمكن التأسيس عليه لحوار حقيقي يمكن أن يخرجنا من الأوضاع التي تردينا فيها.

ثانيا الخروج من التفكير بمنطق الربح والخسارة في تعاملنا مع فكرة الحوار في حد ذاتها وتركيز الاهتمام على إنقاذ الدولة التونسية نفسها التي باتت مهددة بالتفكك والاحتراب الأهلي لا قدر الله وبالعزلة الدولية وبالإفلاس..

نحن في لحظة تاريخية فاصلة، فإما أن نُغلّب العقل ونحتكم إليه ونحمي بلادنا وتجربتنا، أو أن ننساق وراء عواطفنا وأهواءنا ونضع بالتالي الدولة بكل مكتسباتها  ومستقبلها ومستقبل أبنائنا في مهب الريح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق