راي رئيسي

الملفات الأمنية لا تعالج في الإعلام..
دور الثقافة في تفكيك ظاهرتي العنف والإرهاب..

بداية أدعو النخبة السياسية والفكرية إلى عدم حشر نفسها في مهام الأمنيين والعسكريين وأن يتفرغوا لأداء وظيفتهم الأساسية في طرح الأسئلة وإنتاج الأفكار وتقديم الرؤى والمشاريع… كثير من تلك النخبة يتقاعسون في أداء مهامهم وينتحلون صفة غيرهم مع أنهم مدانون بالتقصير ومتهمون بإثقال كاهل الأمن والجيش بخوض معركة الداخل التي كان يمكن أن تُحسم في ساحات الفكر والإبداع ومنابر السياسة لا في الجبال والأودية والصحاري.

يقول عالم النفس والفيلسوف أريك فروم في كتابه “الإنسان بين الجوهر والمظهر” ص 110 “هؤلاء الشباب المندفعون للتضحية بالذات يختلفون اختلافا تاما عن شهداء المحبة الذين يرغبون في الحياة لأنهم يُحبون الحياة ولا يتقبلون الموت إلا إذا أُجبروا على ذلك لكي لا يخونوا أنفسهم. إن شباب اليوم الذين يندفعون للتضحية بأنفسهم هم موضع الاتهام ولكنهم ـ من جهة أخرى ـ يضعون نظامنا الاجتماعي موضع الاتهام أيضا حيث جعل هذا النظام بعضا من أفضل شبابنا في حالة من اليأس والعزلة ولم يَدَعْ لهم من سبيل للخروج من اليأس إلا الاندفاع في طريق التعصب والتدمير…”.

ربما يُتفق على تعريف العنف بكونه ممارسة إكراهية ضد طبيعة الأشياء أو ضد إرادة الآخرين ورغباتهم ،وقد يكون العنف ماديا أو معنويا مرئيا أو خفيا… والسؤال الذي يُطرح: هل إن العنف ترجمة سياسية/إيديولوجية/دينية؟ أم هو انعكاسٌ لبنية شخصية؟

قد يكون من التبسيط والسطحية القول بأن جريمة ما حصلت بسبب توفر آلة حادة وقد يكون أيضا من قِصر النظر قولنا بأن جريمة ما حصلت بقرار واع وإرادة حرة في لحظة إنجازها.

علينا ألا نفزع مما يطفح من حين لآخر على سطح مجتمعاتنا من “مشاكل” كالعنف والجريمة والمخدرات وغيرها ـ إذ المشاكل من طبيعة المجتمعات المتحركة ـ إنما الفزع من سوء التعاطي مع تلك “المشاكل” فتتحول إلى أزمات  تتولد عنها أحداث وتوابع من جنسها يعسر علاجها.

وإذا كانت طبيعة العقل السياسي ـ غالبا ـ انشداده إلى الظواهر في حركتها ومراقبة اليومي من الأحداث في احتراس وتوجس كحامل خلية نحل، فإن من أوكد مهام العقل المبدع وعلماء النفس والاجتماع الغوص في أعماق الظواهر يكشفون عن جذورها وطبيعة منابتها ومناخ توالدها أو سمادها وماء نموها. هل ثمة من طفل وُلد ليكون عنيفا؟ وهل أكد العلم أن الإجرام جينة وراثية؟ وهل وُلِد مولودٌ متوشحا سكينا متوعدا بجريمة؟ هذا الذي يصرخ فزعا لحظة هبوطه من رحم الغيب لا يدري ماذا سيفعل به الآخرون لم يختر اسمه ولا مكانه ولا مكوناتِ حليب أمه ولن يُستشار في لغة ومفردات تواصله مع العالم ولا في ألعابه ولعبه… ولا في عاداته وتقاليده ولا في برامجه التعليمية أو في نظامه الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي… كيف ينتهي من صرخة الفزع الأولى إلى مستصرخ عنف أو جريمة؟ لماذا يمتدح المزارعون أرضا تؤتي أُكُلها طيبا ولا يلعنون أرضا لا تنبت إلا نكدا؟ لماذا نُحيّي آباء الأطفال الأسوياء ولا نحمّل مسؤولية لمن أساءوا تشكيل طينة الطفولة وأفسدوا خمائرها الإنسانية؟ لماذا تتبرأ مجتمعات من بعض أولادها إذا ما مسهم نزغ من عنف أو جنوح؟ إن العاجزين والجهلة هم الذين يكسرون أجهزتهم مُعقدة التركيب إذ يعجزون عن فهم أعطابها وعن إصلاحها… وهل الإنسان غيْرُ “جهاز” معقد التركيب مُتعدّد الأبعاد لا يُجدي التعاملُ معه بقائمة الممنوعات أو الأساليب العقابية.

إن الأطفال يكرهوننا إذ نُكرههم على ما يَكرهون وإذ نصْدم فيهم براءتهم ونصدّ أسئلتهم البريئة ونُجبرهم على ترديد ما نحب ولا يحبون… تلك بذور العنف ومنابت النوازع الثأرية والإنتقامية… تنتقم الفطرة الإنسانية المشوهة مما حولها وممن حولها… عُنف تجاه الحياة والجمال والقانون والأفكار وتجاه كل مقدور على إيذائه.

قد يتلبس العنفُ لبوسا سياسيا/دينيا أو فلسفيا… وذاك أبشع أنواع العنف… عنف على جوهر الفلسفة بما هي حب الحكمة في سكينة الحقيقة وهدوء الأسئلة، وعنف على طبيعة الدين بما هو انجذابٌ أرضي إلى عالم التحرر والصفاء والعدالة، وعنف على معاني السياسة بما هي فنُّ التدبير ولطف القيادة.

إن العنف ليس نظرية وإنما هو حالة شائعة تنبع عن ذات مشوهة… علينا النظر في الخدوش النفسية والكدمات العصبية التي يعانيها من نستسهل وصفهم بالعنيفين والمجرمين. علينا تأمل تجليات العنف في المقول والمعمول واللامعقول: عنف الأسئلة/ عنف الأجوبة/عنف الإثارة/عنف الاستجابة/عنف الحقد والكراهية والحسد والنكاية والتشفي/عنف النقد والاتهام/عنف التشهي والالتذاذ/عنف الحب والاغتصاب/عنف الإشهار والأسعار… عنف النار في الخشب… تلك “حرب” سرية تنخر كما السوس أعمدة العمران البشري في غفلة من الباحثين والساسة عنف يُجاهر به المقتدرون والمسحوقون والطبقيون والمطبوقون والمتطابقون وحتى أطفال المدارس وعشاق “لعبة ركل الهواء” عنف جمراته في عُقد الذوات النفسية وسعيره في موقد كوني يتهدد الأمن والسلام والجمال ويتوعد بعل الحياة مستحيلة على من يحبها.

إن المجتمعات لا تكمن حقيقتها في النصوص البديعة وإنما تتبدى في مفاصل العلاقات وتفاصيل التعايش وقاموس التخاطب ومفردات التعبير عن الحب والفرح والقلق والحزن والغضب والتقدير والاختلاف… تلك مهمة العقلاء والحكماء وخبراء جوهر الإنسان حتى لا تُعالج الأغصان الناتئةُ بالمطارق والحبال.

النظام الاجتماعي هو مسارب حركة الأفراد اليومية من الفراش إلى المعاش وما يلاقون فيها من أساليب خطاب وطرائق تعامل قد تكون مؤذية تختزن في عمق الذات وفي اللاوعي لتختمر كطاقة انفعالية كثيرا ما تكون عنيفة… وإن أبشع عنف تمارسه المجتمعات حين تصنع الأفراد العنيفين ثم تعاقبهم ثم تستقذرهم فتصيبهم بعقدة المنبوذية فيذهبون إلى أقصى درجات العنف يُقَرّعون باب المجتمع عله يفتح إليهم أحضانه يستعيدون مكانتهم فيه.

أكاد أجزم بأن العنف ليس إلا قرع ذاكرة الطفولة المقهورة بحثا عن مساحة نفسية لاعتدال الذات وتحقيق التوازن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق