راي رئيسي

المنظومة التعليميّة في تونس: إلى أين؟

يمثل التعليم في تونس منذ الفجر الأول للاستقلال نقطة ارتكاز أراد النظام الجديد أن يعوض الثروات المهدورة بما كان يعبّر عنه بورقيبة في كل المناسبات الخطابية بأنّ تونس ثروتها الحقيقية في المادة الشخمة حسب تعبيره، ويقصد بذلك التعويل على صناعة العقول، والحقيقة أن تونس أولت التعليم أهمية خاصة قبل بورقيبة، إذ كان ذلك منذ عام 1875، حينما أنشأ خير الدين التونسي، المدرسة الصادقية. على الرغم من سعي منهج هذه المدرسة العليا إلى الحفاظ على الثقافة العربية الإسلامية، إلا أنه كان علمانيًا أيضًا، مع التركيز على العلوم العقليّة، أو المنهاج العلمي. تم قبول الطلاب في الصادقية على أساس الجدارة فقط ومثل الطلاب جميع الخلفيات – إذ شكل اليهود التونسيون ما يصل إلى ثلث عدد الطلاب في خمسينيات القرن الماضي. وفرت الكلية التعليم والسكن والطعام بدون مقابل. وبذلك نشأ شعور بالانتماء الوطني وسرعان ما أصبحت الكلية أكثر المؤسسات التعليمية مقامًا في تونس.

كما نفذت أول حكومة وطنية برئاسة بورقيبة خطة تعليمية، باعتباره استثمارا وطنيا ومُحددا أساسيا للنمو في بلد مازال يتحسس الطريق إلى الانعتاق والحرية من مستعمر جثم على أنفاسه ومنع عنه كلّ مياسم التطوّر والاستثمار الفاعل ولهذا السبب تكوّنت هيئة تعليم وطنية بعد ذلك، أي في عام 1967 لتقديم التوصيات الممكنة في النهوض بقطاع التعليم وقد تم ادماجها في خطط التنمية الوطنية. ومن هذه التوصيات التي تحولت على برامج فاعلة: الزيادة في معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي، مع التركيز أكثر على تعليم العلوم والرياضيات، مع الأخذ بعين الاعتبار إعداد وتكوين الكوادر المؤهلة للإدارة التونسية الجديدة، قادرة على بناء اقتصاد حديث بما يتوافق مع التصوّر العام الذي عمل بورقيبة على تنفيذه تحت يافطة التحديث القسري لمجتمع منهك، فوسّع في الإنفاق على التعليم حيث أصبحت تونس من أكبر الدول المُنفقة على التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حينها، وكان للتوسع في التعليم آثار إيجابية على الاقتصاد، والصحة وغيرها من مناحي الحياة المختلفة. وقد تميز نظام التعليم في عهد بورقيبة بتركيزه على الجودة بدل الكمية. فقد كان التخرّج من المدرسة الثانوية بعد اجتياز البكالوريا يعني أن يصبح الشخص جاهزًا للحصول على تعليم جامعي عال والمشاركة في المناصب القيادية في عدد كبير من المهن. كانت معدلات الالتحاق بالجامعات صغيرة. لكن هذا لم يتم باستثناء الباقين، الذين تلقوا تدريبًا تقنيًا ومهنيًا جيدًا أهلهم للمشاركة الاقتصادية.

ولكنّ هذه الجذوة التي ظلت مشتعلة طوال فترة بورقيبة على علاتها السياسية شهدت تراجعا كبيرا في عهد الجنرال ابن علي إذ تآكل النظام التعليمي في عهد الدكتاتور الحاكم بأمره. ففي الفترة ما بين عامي 1987 و2011، حوّل بن علي جامعات البلاد الشهيرة إلى “مصانع للبطالة”. ومن ثمة ساهمت سياساته الاقتصادية المضللة، إلى جانب التغيرات الديموغرافية وتقليص الدعم لنظام تعليم مهني لا مثيل له إقليميًا، في معدلات البطالة الحالية في تونس والتي تبلغ 16 بالمئة على الصعيد الوطني و36 بالمائة بين الشباب.

كما نقل الجنرال ابن علي الميزانية التي كانت مرصودة للاستثمار في قطاع التعليم في عهد بورقيبة إلى وزارة الداخلية وفرّط في ما بناه سلفه من مياسم تعليمية شهد له بها العالم، وها هي تونس اليوم تواجه أزمة تعليميّة عميقة بسبب مخرجات السياسات المرتبكة التي اتبعها نظام السابع من نوفمبر في حق التعليم وأهله، وقد  تزايد عدد الخريجين وغابت جودة التعلم ونجاعته ومراعاته لمتطلّبات السوق وهويّة المجتمع وعمقه التاريخي، وخرجت جامعاتنا الوطنية من التصنيف الدولي وانحدرت المدارس إلى هوّة سحيقة تحكمها المضاربات والربح السريع ودخل المربي في هذه الدّورة المهلكة حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من واقع للتعليم مأزوم من أساساته، وبسبب الصّراع السياسي والإيديولوجي الذي احتدم بعد الثورة لم تستطع الحكومات المتعاقبة من إحداث اختراق في المنظومة التعليمية المتهاوية حتى تحامل الأولياء على ظروفهم الاقتصادية المتردية وفرّوا بفلذات أكبادهم إلى التعليم الخاص طلبا للسلامة في التربية والعلم.

والمعلوم أن التعليم في تونس شهد إصلاحات متكررة منذ 1958 حينما سعت الحكومة التونسية إلى توحيد النظام التعليمي وتأميمه، وقسّمته إلى ثلاث مراحل (الابتدائية، الثانوية، التعليم العالي) وجعلت التعليم إلزامياً ومجانياً لجميع الأطفال. ومنذ أواخر الستينيات عرّ بت مقررات التعليم الابتدائي، ومنحت الأولوية إلى اللغة العربية لتكون لسان جميع المواد الدراسية. وأصبحت الفرنسية هي اللغة الثانية، لغة المعلومات والاتصالات التي تتيح الاطلاع على الثقافة العلمية والتقنية. وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأ تعريب التعليم التقني والعلمي ومثّل سمة مهمة من سمات السياسة التعليمية. وفي سنة 1989 طرأت إصلاحات تشريعية على النظام التعليمي، كانت تهدف إلى تحسين مستوى التعليم وتهيئة أفضل توازن بين التكوين المهني والتوظيف. تُوجت الإصلاحات بقانون عدد 91-65، بهدف تعزيز مبدأ مجانية التعليم في مختلف المراحل التعليمية، وتحقيق التعليم الأساسي. تم تقسيم التعليم الأساسي إلى مرحلتين: الأولى تدوم ست سنوات والثانية ثلاث سنوات. وكان من المقرر أن يتم تدريس جميع المواد المتصلة بالفنون والعلوم والتعليم التقني باللغة العربية في كافة فرق التعليم الأساسي. أما بالنسبة للتعليم العالي، فقد تم إصلاح منظومة الليسانس والماجستير والدكتوراه استجابة لتطور التعليم العالي الأوروبي في 1999 بموجب إعلان بولونيا الذي اعتمدته 29 دولة أوروبية. وكان الهدف من الإصلاح هو ضمان جودة التعليم العالي، والتشجيع على حراك الطلاب والمعلمين، وتيسير معادلة الشهادات ودمج الشباب بسوق العمل.

وإن الإحباط القائم اليوم بين جملة شرائح المجتمع إزاء التعليم يرتبط بدرجة كبيرة بالاقتصاد المتهاوي الذي ظلّ يسير على غير هدى في ظل تعنّت المركزية النقابيّة وارتباطاتها المشبوهة بأجندات خارجية إضافة إلى استفحال وباء كورونا في السنتين الأخريين، ولعلّ ما زاد الطين بلة هو ما حدث من مغامرة انقلابية، غير محسوبة النتائج والتي ستظل آثارها قائمة على كل الصّعد الاجتماعية والسياسية والاقتصاديّة وسيكون لسنوات قادمات عجاف. وإن كل تأخير في إصلاح المنظومة التعليمية هو إمعان في الهروب إلى الأمام ليتسع الخرق على الراتق حينما تتوفّر أسبابه.  إضافة إلى أن تونس أخفقت في إحراز تقدم اقتصادي على مدار عشر سنوات من عمر الثورة، وإن التصدي للأزمة التعليمية يمرّ حتما عبر إصلاح المنظومة السياسية والاقتصاديّة، فالقطاع التعليمي يواجه تحديات حقيقية، منها بالأساس عدم قدرة وزارة التعليم على الوفاء باحتياجات تطوير القطاع التعليمي بسبب القصور الكبير في الاستثمار في المنظومة التعليميّة. كما أن الاضطرابات المتصلة بفيروس كورونا لن يقتصر أثرها على المدى القريب، إنما ستكون لها أيضاً تداعيات على المدى البعيد بالنسبة إلى الفئات المتضررة ويرجح أن تفاقم من عموم المشاكل القائمة التي زادها الانقلاب تعميقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق