راي رئيسي

النضالات الممسوخة والذوات المشروخة
الحنين إلى الماضي أو لوثة الاستبداد

هل أخطأ الأستاذ راشد الغنوشي حين أسقط في 2014 قانون العزل السياسي وحين استبدله بنظرية التوافق؟ هل أخطأ حين لم يتحمس لنداءات مناضلي حركته بضرورة منع أعداء الديمقراطية وسليلي الاستبداد من الاستفادة من أجواء الحرية ما لم يعتذروا للتونسيين وما لم يتبرؤوا من ماضيهم؟ هل أخطأ الأستاذ راشد الغنوشي حين اعتبر الثورة تجب ما قبلها والحريةَ بحر يتطهر فيه كل من شاء؟

جمهور حركة النهضة فيه منسوب عال من الغضب، يتهم قياداته بالمبالغة في التسامح والتنازل بما جرّأ الخصوم عليهم فاستعادوا خطابهم الاستعلائي القديم وحركوا أحقادهم وعدوانيتهم وعادوا إلى رفع شعارات الإقصاء وحتى الاستئصال.

قيادة النهضة التي تريد التعامل مع واقع ساخن بعقل بارد، تجد صعوبة في فرملة حماسة شبابها واندفاعية الكثير من مناضليها يريدون الحسم الثوري ومحاسبة المجرمين والفاسدين وحتى أعوان النظام السابق من الوشاة والقوادين.

ذاك الغضب ظهرت آثاره في تراجع أعداد أنصار الحركة في انتخابات 2014 ثم في انتخابات 2019 حيث ظل خزانها الانتخابي يتضاءل كلما أبدت الحركة مرونة وتنازلا من أجل السلم الأهلي والمصلحة العامة.

هل كانت نظرية “التوافق” التي اعتمدها الأستاذ الغنوشي تعبيرا عن “خوف” أم تعبيرا عن “مسؤولية”؟

كل من لديهم وعي سياسي وشعور بالمسؤولية تجاه الوطن وتجاه التونسيين وخاصة تجاه الأجيال القادمة، يعون جيدا أن مسار “التوافق” و”التنازل” إنما هو مسارٌ رصين مسؤول يتجرّد أصحابه من الأنانية ومن غريزة الثأر ويعملون من أجل وحدة التونسيين ومن أجل سلم أهلي ومن أجل نجاح تجربة تونسية فريدة تريد أن تكون ديمقراطية وثورية بعيدا عن الصخب والتهريج والثأر والشعبوية.

كيف نكون ثوريين وإنسانيين؟ كيف نكون ديمقراطيين وتوافقيين؟ كيف نكون مناضلين ومترفين بالخصوم والمعادين؟ تلك أسئلة مهمة تستدعي التفكير فيها حتى نميز بين الثوريين والثورجيين، بين الديمقراطيين والانتهازيين، بين المناضلين والمستثمرين في النضال.

كثير ممن كانوا يتحسسون رقابهم عشية هروب رئيسهم، وممن كانوا يتوارون عن الأنظار، أصبحوا بعد أن هدأ “الموج” يطلون برؤوسهم لا فقط لأخذ نصيبهم من الحرية والكرامة والعدالة بل من أجل منع ضحاياهم القدامى من أن ينعموا بتلك الحريّة والكرامة والعدالة.

ارتفاع أصوات في أكثر من مكان تدعو إلى إخراج الإسلاميين من المشهد السياسي إنما هي “لوثة” مستفحلة في البِنية النفسية/الذهنية لمن تشربوا المذلة حتى ماتت فيهم الأشواق إلى الحرية وحتى احترقت فيهم المعاني الإنسانية فأصبحوا لا يرون المشهد إلا “جلاد ومجلود” ولا يقبلون بأن يكون التونسيون متساوين في هوية المواطنة وشركاء في الحقوق والواجبات، يتنافسون في خدمة الوطن ويحتكمون إلى آلية ديمقراطية يرضون نتائجها حين تبوح صناديق الانتخابات بنتائجها.

إن الهجمة البدائية ضد حركة النهضة، يشترك فيها خصوم الداخل والخارج، إنما هي هجمة على المسار الديمقراطي وعلى التجربة التونسية، وإنما تُستهدف حركة النهضة لأنها الطرف الأقوى في هذا المسار وهي الأكثر إسهاما لحد الآن في ضمان الاستقرار والسلم الأهلي، حركة النهضة هي القاطرة التي تجر خلفها عربات في مسار مازال انتقاليا ومازالت الحركة فيه بطيئة ولكنها واثقة وثابتة.

سيكون من “الحُمق” إبداء بعض الأحزاب لامبالاة تجاه ما تتعرض له حركة النهضة من هجمات داخلية وخارجية، بل وسيكون من الخيانة الصمت على تلك الهجمات لأنها لا تستهدف طرفا لكونه طرفا وإنما تستهدفه لأنه يمثل ضمانة للمسار برمته. فحزب النهضة حزب ميداني ملتصق بقضايا الناس وحياتهم اليومية وهو الحزب الذي يتحرك مناضلوه على الأرض في كل المناسبات حين يكون الناس في حاجة إلى خدمتهم.

بعض السياسيين ليسوا مبدئيين ولا يمتلكون شجاعة ولا ينتصرون لحق ولا يواجهون ظالما، بعض السياسيين أولئك جبناء انتهازيون لأنهم يُبدون مرونة ويُخفون عداوة ويتمنون أن يتمكن طرفٌ “آخر” من إيذاء شريك لهم في الوطن أو في المسار الديمقراطي، هم جبناء لأنهم لا يواجهون بأنفسهم ، وهم جبناء لأنهم يُبدون خلاف ما يُبطنون، وهم جبناء لأنهم يتمنون أن ينتصروا بغيرهم.

محاولة وصْم الإسلاميين ب”الإرهاب” هي محاولة لا تصدر إلا عن ذوات مهزومة وكيانات مأزومة، وهي محاولات تحاول إغراء الإدارة الأمريكية بطرف سياسي معين لكون “وصمة” الإرهاب هي من ابتداع الأمريكيين ضد كل قوة تحررية ثورية ترفض الاستبداد والظلم والاحتلال ونهب الثروات وتهديد السيادة الوطنية.

على النخبة المثقفة أن تقاوم في اللغة وباللغة لتحرير المصطلحات مما ألحق بها من تلبيس وتضليل، على تلك النخبة أن تتساءل إن كان ما تمارسه الأنظمة الاستبدادية من سجن وتشريد وتعذيب وتقتيل لمعارضيها إرهابا أم لا؟ وإن كان سلب الناس حقهم في الحياة وفي التعبير وفي التظاهر وفي الانتخاب إرهابا أم لا؟ وإن كان الانقلاب على إرادة الناس وتزوير الانتخابات وافتكاك السلطة من أهلها الشرعيين وقتل الأبرياء العزل في الساحات إرهابا أم لا؟.

إن طرح الأسئلة الكبرى يحتاج إرادة حرّة وهِمَمًا عالية وإرادة مستقلة وشجاعة فكرية وأيضا شعورا بمسؤولية تجاه الحق والحقيقة وأمام الناس والتاريخ أي:مسؤولية أما الله، وهذا ما لا يقدر عليه المهزومون ضعافُ الهمة فاقدو الجشاعة ومنزوعو الكرامة.

إن معركة الحريّة هي معركة إنسانية غير متحزبة وغير مؤدلجة، وإنما يتخذها الزائفون لحافا يخاتلون به السذج يستدرجونهم ليكونوا شركاءهم في حروب ظالمة ضد مخالفيهم في الرأي وتقديرات السياسة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق