راي رئيسي

النكوص إلى الاستبداد..
في الحاجة إلى استعادة روح 18 أكتوبر..

يعلم الجميع أنّ حالة الأحزاب السياسية من حيث القوة أو الضعف تُعد مؤشرا على حالة النظام السياسي ودرجة تطوّره في أية دولة، فالأحزاب تلعب دورا هاما في تدعيم الممارسة الديمقراطية باعتبارها همزة الوصل بين الحكام والمحكومين، بما يسمح بتنشيط الحياة الحزبية، وتعميق المشاركة السياسية للمواطنين.

ومن المتفق علية أن الأحزاب السياسية داخل أي نظام سياسي تلعب دورا هاما خاصة في فترة التحوّل الديموقراطي التي تعقب تغييرا جذريا في بنية النظام السياسي..

لذا لم يعد خفيّا اليوم وجود اتجاه في تونس مدعوم بقوّة من طرف القوى المضادة للثورة والتي تحمل أجساما نقيضة للبناء الديمقراطي، ولا تستطيع أن تعيش أو تتنفس داخل أجواء تخيّم عليه الديمقراطية، اتجاه يدفع بكل قواه نحو الانتصار لخطاب النهايات، والتأكيد على نهاية الأحزاب والحياة الحزبية، نهاية السياسة، ونهاية الديمقراطية الحزبية، وهو اتجاه متنصل تماما من كل مرجعيّة فكرية وإنسانية، ولهذا تعمل الأطراف التي “تُدِين” علنا أو إضمارا لهذا التوجه، إلى الإعلاء من “فارقية” التكنوقراط، والعمل باستمرار على تبخيس الساسة والسياسة والحدّ من فاعليتها المجتمعية.

ونلاحظ بوضح كيف يتم الاحتفاء بما يسمى “الكفاءات أو التكنوقراط”، وكيف يتم العمل باستمرار، على تشويه صورة “الكفاءات الحزبية” الملتزمة، في اتجاه بناء محور للخير والنماء، يتحدد في “اللاتسيّس”، ومحور ثان للشرّ، مفتوح على الحزبي، في المحصلة لا يُراد من وراء ذلك كله سوى تأبيد الاستبداد وكبح مسار التغيير الديمقراطي.

وتجدر الإشارة أن عمليات “الشفط” و”التجميل” التي يتعرّض لها التكنوقراط مقابل ترذيل وتشويه وتقزيم وتخوين الأحزاب بمختلف انتماءاتها الفكرية والأيديولوجية، تُبرّر غالبا على أساس أنها ضخّ لدماء جديدة في المشهد السياسي دفاعا عن الكفاءة والفعالية التي تفتقر لها الأحزاب -كما يمرّرون-، بينما هي في الواقع محاولة لإقناع الرأي العام، بأن المشروع الذي يبشرون به سيقود إلى التقليص من الفوارق الاجتماعية، وإلى تخليص الشباب وغيرهم من البطالة، وسينهي مسيرات العطش وقوارب الموت وفظاعة التهميش والإقصاء، والحقيقة أنّه مشروع لا يخرج عن منطق قتل السياسة والإجهاز على الحياة الحزبيّة..

وهكذا يتم حقن الأغلبيّة الصامتة والساخطة في بلدنا اليوم، بحقن تحت- جلدية مفادها أن لا تغيير يرتجى من حكومات الأحزاب، وبأنه لا يمكن التعويل عليها في إحداث الاصلاحات المأمولة. وأنّ الصناديق الزجاجية التي تحوي أصوات الناخبين لا يمكنها بالمرة أن تغير من الواقع المؤلم، بل على العكس من ذلك إنها تساهم في تأبيد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعانون منها..

وللأسف يحقّق هذا التوجّه المدعوم من طرف القوى المضادة للثورة في الداخل والخارج وإلى حد بعيد، نجاحات واسعة في مستوى النفاذ إلى لاوعي المواطن لخلق شرخ وأزمة ثقة كبيرة بينه وبين الأحزاب والسياسة واغتيال المعنى النبيل للسياسة، عبر تحويلها إلى فضاء للانتهازية والتلاعب بالعقول والمصائر.

هذه الجهات المعلومة منها وغير المعلومة تدرك جيدا أنّ تنظيم العلاقة السياسية بين مؤسسات الدولة الحديثة بما فيها العلاقة بين الحاكم والشعب عبر تنظيمات سياسية، تضمن استقلال سلطات الدولة وتوزيع الصلاحيات وتمنع احتكار السلطة وتشكل رقابة دائمة على أداء السلطة لعملها في النواحي المختلفة، ومن هذه التنظيمات هي الأحزاب السياسية التي يعكس وجودها صورة من صور تمتع الإنسان بحقه في التفكير والتعبير والتنظيم، إذ ينظر المجتمع الدولي إلى ديمقراطية أي نظام سياسي من خلال مدى تقبل ذلك النظام لوجود الأحزاب السياسية فلا يمكن أن تقوم ديمقراطية بدون أحزاب سياسية.

وهي تدرك جيّدا أيضا أنّ الأحزاب السياسية من أهم مؤسسات النظام السياسي المتخصصة بالعمل السياسي والتي تسعى لا إلى تكريس التخلّف وإنما التغلّب عليه وتحقيق التنمية والتحديث، وهي أحد عناصر النظام الديمقراطي ومؤسسة من مؤسساته التي تمتاز باستمرارية التنظيم، فهي تشغل جزء كبيرا من حياة المجتمعات وهي بحكم طبيعة نشاطها تكون لديها القدرة على فهم المشاكل السياسية وإيجاد الحلول الملائمة لها، كما أنها تتنافس فيما بينها على تقديم أفضل البرامج للحصول على ثقة الشعب وهي تلعب دورا مهما في عملية التحوّل الديمقراطي وإسباغ الشرعية على نظام الحكم من خلال ما تقوم به من جهود في دفع الجماهير للمشاركة في عملية اختيار القيادات السياسية أو من خلال إدماج المواطنين في الحياة السياسية وغرس القيم الديمقراطية بينهم ورفع الوعي السياسي لديهم، من أجل كل هذا تحارب الأحزاب وتستهدفها..

هذه الجهات الخفية والمعلومة تدرك جيدا أنّه في اللحظة التي تختفى فيها الأحزاب، التي تعبر عن اهتمامات الناس ومشاكلهم، فإن فرص ظهور جماعات وتنظيمات وكيانات متطرفة وشخصيات عشوائية سيكون أمرا يسيرا ومضمونا، وطبعا المستفيد الأكثر من تزييف الفعل السياسي وتحييده، هو النظام الاستبدادي، الذي يسعى دوما إلى إلغاء كل منافسة أو مزاحمة محتملة لإفاداته من حاصل التسلط والتحكم، حيث لا يُطلب من الأحزاب، في ظل هذا النظام، إلا أن تؤدي دور الكومبارس، وأن تنفذ ما يطلب منها من غير زيادة أو نقصان، فلا حق لها في تجاوز حدود الأدوار المرسومة قبلا، ولا في المطالبة بتغيير الوضع المأزوم، فقط تنحصر مهمتها في التطبيل والموالاة والخضوع إلى درجة الصفر في السياسة.

في ظل هذا المشروع الكارثي الذي يُدفع نحوه اليوم بقوة وبتسخير آليات الدولة ووسائل الاعلام المأجورة المكلفة بمهمة، والذي يهدد الحياة السياسية والحزبية ويهدد مسار الانتقال الديمقراطي وينذر بموت السياسة في تونس ويبشر بعودة الاستبداد والدكتاتورية وحكم الزعيم الأوحد محاطا ببعض العشائر واللجان والتنظيمات الشعبية العشوائية المسيرة بجهاز تحكم عن بعد.. في ظل هذا المشروع الذي تستهدف فيه جميع التنظيمات الحزبية باختلاف توجهاتها ومشاريعها الفكرية، تغرق بعض الأحزاب في مستنقع الخلافات والصراعات الأيديولوجية والحسابات الحزبية الضيقة والمعارك الهامشية العقيمة، التي يمكن تأجيلها أمام المعركة المصيرية التي تهدد وجودها من أساسه بل وتعمل على الغائها وشطبها من المشهد أصلا..

ما الذي تنظر حدوثه حتى تستفيق من سباتها وتدرك أنّها تخوض المعركة الخاطئة؟ كم حجم الخراب الذي يجب أن يلحق بالحياة السياسية وبالتجربة الديمقراطية حتى تشبع نهمها إلى البطولات لتستوعب أنها كانت تخوض معارك خاطئة ستدمرها وتدمر من حولها، وأنها كانت تحارب العدّو الخطأ وأن الثورة لم تقم على حزب حركة النهضة ولا من أجل الإطاحة بحكم الغنوشي وخلعه من السلطة؟

لا نعلم كم ركاما ستخلفه معاركها الدنكيشوتية هذه حتى تستفيق من وهمها وتفهم أن عدوّها الحقيقي اليوم هو عدوّ كل الأحزاب دون تمييز ، وهو ذاته عدوّ السياسة والمدنية والحياة الديمقراطية، عدوّ التنمية والرقي والعدالة الاجتماعية.. عدوها اليوم هو الذي يهدد وجودها وحقها في التنظم والنشاط الحزبي، وسلطتها الرقابية والتعديلية.. عدوّ اليوم هو مشروع الاستبداد وماكينته ولوبياته، التي ظلت أذرعها مبثوثة في كل مفاصل الدولة تبذل كل ما في وسعها لتدميرها ثأرا لنفسها..

ماذا تنظر هذه النخبة السياسية المهددة في وجودها اليوم من طرف خطر حقيقي لا داهم وليس وهما حتى تستنفر جميع قواها وتوحّد صفوفها وتؤجّل كل معاركها الجانبية والثانوية لتقف حصنا منيعا واحدا أمام هذا الخطر الداهم وهذا المشروع الجديد المتجدد، وتعي أنه أمام الخطر المشترك تلغي كل الخلافات وتوحد الصفوف فإما “أن تعيشوا إخوة في الميدان أو تموتوا كالأغبياء”..

وهذا ليس مستحيلا خاصة أن الأحزاب الوطنية والديمقراطية كان لها تجربة في السابق توحدت فيها أمام خطر مشترك كان يهدد وجودها ويهدد الحياة الديمقراطية برمتها، من خلال أشهر إضراب جوع في تاريخ المعارضة التونسية خاضته ضد الاستبداد، وهو الإضراب الذي شنه 8 معارضين من حساسيات سياسية وايديولوجية مختلفة سنة 2005 بعنوان “الجوع ولا الخضوع” للتنديد باستبداد نظام المخلوع بن علي.

إضراب انتهى بتشكيل هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، وهي إطار سياسي جمع الإسلامي باليساري بالعروبي، وأصدرت الهيئة تباعا ورقات مشتركة مثلت لحظة فريدة في العمل السياسي المشترك بين مختلف أطياف المعارضة. لحظة سياسية فارقة لأنها عكست ذكاء ونضجا سياسيا جسدته النخبة السياسية التي نجحت في التسامي عن خلافاتها الإيديولوجية والفكرية وتأجيلها أمام عدو مشترك يهدد وجوده ويهدد مستقبل وطن وأجيال.. حينها حسمت المعركة لصالحهم ولصالح الشعب..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق