الافتتاحية

الهايكا:
هيئة تعديلية أم وزارة إعلام في خدمة الأحزاب السياسية ولوبيات الفساد؟

1

اتهمت شركة “نسمة برودكاسات” المالكة لقناة نسمة، الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) وأطرافا أخرى بتضليل الرأي العام ومغالطته.

وذكرت القناة في بيان صدر يوم الثلاثاء 13 أكتوبر الجاري، أنّها تتمتّع بإجازة رسميّة لتعاطي نشاطها منذ انبعاثها في مارس 2009. وأشارت القناة إلى أن الهايكا رفضت تمديد إجازتها أو تجديدها، بطريقة أحاديّة تعسفيّة فيها تجاوز فاضح للسلطة.

وبينت القناة أن الهايكا تريد “تركيعها وإلغائها من المشهد الاتصالي غير مُكترثة بمصير مئات العاملين فيها وعائلاتهم. كلُّ ذلك خدمة لأجندات سياسويّة مفضوحة وتصفية لحسابات شخصيّة لا علاقة لها بالمهام التعديليّة المُناطة أساسا بعهدتها.

من جهتها عبرت قناة حنبعل عن استنكارها لقرار (الهايكا) الذي دعا القناة إلى التوقف الفوري عن البث، وشددت على أن القرار مبيت ويؤكد انخراط الهايكا في أجندة سياسية تستهدفها بقيادة أطراف سياسية معينة..

وقالت القناة في بيان حصلت الرأي العام على نسخة منه أن أحد أبرز أسباب تعطيل تسوية ملفها هو مطالبتها بتسديد دين ضخم بعنوان أتاوة سنوية (ذات خلفية سياسية) وقدرها مليونا دينار تونسي كل سنة، وهي اتاوة سلطت على القناة ظلما وعدوانا منذ تأسيسها ولم يعد لها اليوم أي مبرر قانوني..

وقالت حنبعل أن الهايكا رفضت نداءات القناة المتكررة لمساعدتها على رفع هذه “المظلمة” بوصفها هيئة تعديلية تسهر على احترام القانون وروح الدستور .. وأكدت متواصلة جهودها لإيجاد حل لهذا الإشكال بكل الوسائل القانونية الممكنة.

وجددت القناة بالمناسبة تأكيد حرصها الدائم على انتهاج الاستقلالية والاعتدال والتوازن في برامجها وضمن خطها التحرري وهو ما تبرزه تقارير الهيئات والمؤسسات المختصة – بما فيها الهايكا نفسها- حول أداء القنوات التلفزية بمناسبة أبرز المحطات السياسية والانتخابية التي شهدتها بلادنا.

 

2

الهايكا التي تستأسد اليوم على بعض القنوات.. نفس هذه الهايكا لم تحرك ساكنا أمام كوارث وجرائم كبرى ارتكبت بحق البلاد والعباد من قبل إعلام اخر مرضي عنها .. الاعلام الذي سمح بخروج ارهابي يحمل الكفن بوجه وزير الداخلية والذي سمح واعترف علنا بالكذب على الرئيس المنصف المرزوقي في ما بات يعرف بقضية الحمص، الإعلام الذي نشر صور جنودنا وهم يذبحون في الشعانبي.. الإعلام الذي سمح ويسمح يوميا بالدعوة لاستباحة دم بعض شركاء الوطن.. الاعلام الذي فسح المجال للفاشية كي تنال من الثورة وتتوعد التونسيين بالحبور والثبور وبالمشانق والسجون والمنافي .. الإعلام الذي يكذب وينشر الاشاعات يوميا من اشاعة وفاة سي الباجي إلى مئات بل آلاف الاشاعات التي تنشر يوميا.. الإعلام الذي يدفع بالبلاد دفعا الى حرب أهلية وتقاتل بين التونسيين.

أمام كل هذه الكوارث لم تتحرك الهيئات الحريصة جدا جدا عن أخلاقيات المهنة ساكنا، ولكنها في المقابل تعمل جاهدة على غلق مساحات التعبير القليلة والمحدودة وخنق أي صوت مختلف وفرض سياسة الإعلام الواحد واللّون الواحد كما كان يفعل المخلوع..

السؤال هل دور الهايكا (الذي يفترض فيه أن يكون تعديليا) هو تنمية المجال الإعلامي (بما في ذلك التشجيع على بعث القنوات والاذاعات) وإزاحة العراقيل من أمامها والحرص على أن يكون المشهد الإعلامي عاكسا للاختلاف والتنوع ولحيوية المشهد السياسي الذي تعيشه بلادنا بعد الثورة؟

أم أن دورها هو تكميم الأفواه وفرض حالة من الإغلاق على المشهد الإعلامي وفرض الصوت الواحد واللّون الواحد؟

هل دورها أن تكون راعية وداعمة لحرية التعبير أم عصا مسلطة على الفضاءات الاعلامية؟

هل دور الهايكا هو مساعدة القنوات المتعثرة حفاظا على مواطن الشغل وحفاظا على مشهد إعلامي متنوع أم أن دورها هو ضرب من تمكن من هذه القنوات من الصمود؟

 

3

من يتأمل المشهد سيعرف الإجابة ومن يرى هذا المشهد الاعلامي البائس يدرك أن الدور الوحيد الذي لعبته الهايكا ليس أكثر من أوامر الاغلاق، وكأنها تسابق الزمن لتصفية “حالة الانفتاح ” التي خلقتها الثورة والتي سمحت للعديد من القنوات بالنشاط رغم أن أغلبها أغلق فيما بعد بسبب تخلي الدولة عن دورها في دعم المجال الإعلامي ..

نعم على الدولة بدل إغلاق القنوات بحجج تقنية وفنية وقانونية مضحكة، الوقوف بوجه هذه القرارات الخرقاء لأنه لا ديمقراطية دون حرية تعبير ودون الحق في الاختلاف ودون تنوع.. ولا ديمقراطية دون حرية وهي شرطها الأساسي وشرط إمكان نجاح أي تجربة في الانتقال الديمقراطي.. ونحن لسنا بدعا من الدول ففرنسا تدعم وسائل إعلامها بملايين الأوروات سنويا وكذا تفعل العديد من الدول بما في ذلك الدول المغاربية كالمملكة المغربية الشقيقة..

 

4

إجراءات الحظر والغلق والحرب المعلنة على وسائل الإعلام تستعمل جملة من الأسانيد المسماة قانونية التي تضمنها المرسوم 116 مثل الفصلين 31 و50 لسنة 2011 والفصلين 4 و76 لسنة 2014 وغيرها من الفصول والتي كان يفترض بها أن تساعد على مزيد دمقرطة الساحة الاعلامية بعد الثورة فإذا بنا ننتكس إلى وضع أسوا مما كنا عليه زمن الدكتاتورية..

لذلك طالبت بعض القوى في البلاد بتعديل المرسوم 116 في اتجاه تصحيحي وحتى يعود هذا المرسوم ومن ورائه الهايكا إلى لعب دورهما التعديلي “والتنموي” للمشهد الاعلامي، ولكن بعض الأطراف التي تريد وضع يدها على المشهد الإعلامي وتدجينه وجعله في خدمة بعض الأجندات السياسية تمانع في ذلك بل هي تشن حربا على البرلمان وعلى الكتل التي بادرت بتقديم مشاريع قوانين لإصلاح الخلل الفادح في المرسوم 116 وتطبيق القانون بخصوص الهايكا منتهية الصلوحية والفاقدة للشرعية منذ 3 ماي 2019..

… ما جرى مع قناة حنبعل وقبلها قناة نسمة هو مثال عن الاستهداف الممنهج والهرسلة التي تخفي قرارا سياسيا مبيتا بالغلق.. فالهايكا طالبت القناة بتسوية ملفها القانوني، ولكنها قبل ذلك فرضت عليها أتاوة سنوية بمليوني دينار منذ تأسيسها، وهو مطلب تعجيزي هدفه التنكيل بالقناة وغلقها… وكان على الهايكا أن تساعد القناة وتبحث لها عن حلول لمشاكلها حفاظا على مواطن الشغل وحفاظا على واحدة من اهم المساحات القليلة المتبقية التي تحتضن الاختلاف والتنوع في بلادنا.. هذا الدور الذي كان يجب أن تلعبه الهايكا لا أن تتحول إلى جلاد للقنوات التلفزية.. وتصبح وزارة إعلام تثير اجراءاتها العديد من الشكوك حول انخراطها في خدمة أجندات سياسية وحزبية ولوبيات الفساد.

إن ما أتته بعض الهيئات التي تدعي الدفاع عن المهنة وعلى رأسها الهايكا ونقابة الصحافيين، يمثل ارهابا رسميا موجها ضد الكلمة الحرة والرأي المختلف، وهو مهزلة بأتم معنى الكلمة وهي مقدمة لإرجاع تونس إلى عصر “الظلمات” وتكميم الأفواه، وإذا أغلقت اليوم نسمة وحنبعل فغدا ستغلق كل قناة أو وسيلة إعلام لا ترضي الهايكا وبعض المتنفذين فيها..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق