راي رئيسي

الهايكا.. بين الدور التعديلي والاستقلالية ومحاولات التّسييس والاحتواء

(1)

ترافقت العودة البرلمانية لهذه السنة بحالة من التشنج والتردّد والارتباك بالنظر إلى حجم الجدل المجتمعي بشأن مشاريع النصوص التشريعية المعروضة على مجلس نواب الشعب والمتمثلة خاصة في مشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح ومشروع تنقيح القانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية بالتخفيض في الأغلبية المطلوبة لانتخاب أعضائها بالإضافة إلى المبادرة التشريعية التي تقدمت بها كتلة ائتلاف الكرامة لتنقيح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري والتي أحالها مكتب مجلس نواب الشعب على أنظار لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية منذ اجتماعه يوم 7 ماي 2020 مع طلب لاستعجال النظر.

وقد شمل التنقيح الّذي تقدّمت به كتلة ائتلاف الكرامة نقطتين أساسيتين تتعلق أولاهما بترتيبات تجديد تركيبة مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري من خلال تعديل الفصل 7 من المرسوم عدد 116 وذلك باقتراح انتخاب أعضاء الهيئة المرتقبة بالأغلبية المطلقة (109 نائبا) عوضا عن الأغلبية المعزّزة التي ينص الدستور على توفّرها لانتخاب الهيئات الدستورية (145 نائبا) وتتعلّق ثانيتهما بإضافة فصل جديد للمرسوم يتمّ بمقتضاه تعويض الإجازات بالتصاريح، وإلغاء التراخيص عند إحداث القنوات التلفزيّة وقد علّلت كتلة ائتلاف الكرامة ذلك بأنّ الحصول على إجازة بثّ لبعث قناة تلفزيّة “غير مبرّر مطلقا ولا يمكن تفسيره سوى برغبة بعض الجهات بالهيمنة السياسية أو المالية على المشهد التلفزي” في نقض صريح لمقتضيات الفصل 16 من المرسوم 116 الذي ينص على أنّ الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري هي من تتولّى البت في مطالب منح الإجازات المتعلقة بإحداث واستغلال منشآت الاتصال السمعي والبصري كما تتولّى ضبط كراسات الشروط واتفاقيات الإجازة الخاصة بمنشآت الاتصال السمعي والبصري وإبرامها ومراقبة احترامها وذلك “لتكريس مشهد إعلامي متنوّع ومتوازن يخضع إلى القانون دون سواه ويضمن المساواة التامّة بين مختلف الفاعلين في المشهد السمعي البصري”.

يذكر أن الفصل السابع من المرسوم 116 قد حدّد مدة عمل الهايكا بست سنوات غير قابلة للتجديد على أن يقع تجديد ثلث أعضائها كل سنتين بالتناوب.

وإذا اعتبرنا أن مجلس الهيئة معيّن من قبل هيئات مهنيّة إعلاميّة وقضائيّة، وأنها غير منتخبة من قبل مجلس نواب الشعب، وأنها قد باشرت عملها فعليا يوم 3 ماي 2013، فإن عهدتها تكون قد انتهت فعليّا يوم 3 ماي 2019 أي منذ حوالي سنة ونصف السنة، رغم أنها ما تزال تواصل عملها باعتبار عدم انتخاب هيئة دستورية دائمة تعوضها وفق الأحكام الانتقالية لدستور 29 جانفي 2014.

 

(2)

وفق المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 و المتعلّق بحريّة الاتّصال السّمعي البصري، تمّ في 3 ماي 2013 تزامنا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة الإعلان الرّسمي عن إحداث الهيئة العليا المستقلّة للاتّصال السّمعي والبصري التي يتمثل دورها المحوري في ضمان حريّة الاتّصال السّمعي البصري وتعدّديّته.

ووفق نفس المرسوم، تتكفّل الهايكا بتعديل المشهد الإعلامي وتنظيمه خلال فترة الانتقال الديمقراطي والاستعداد للمواعيد الانتخابيّة المقبلة ، كما تسعى إلى نشر ثقافة تعديليّة لإرساء استقلاليّة وسائل الاعلام عن كلّ السلط السياسيّة والماليّة تؤدّي ضرورة إلى طريقة جديدة في حوكمة الإعلام وخاصّة إلى الحدّ من تدخّل السّلطة في إعداد المضامين الإعلامية بالإضافة إلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية التي من شأنها ضمان مساحة حرية التعبير التي تحققت بعد الثورة، وتأصيل قيم التعدّديّة الإعلامية واستقلاليّة الصحافيين وضمان مادّة إعلاميّة عالية الجودة.

ولئن نجحت الهيئة في مواضع كثيرة في اتخاذ مواقف متوازنة من بعض التجاوزات التي أتت بها بعض المؤسسات الإعلامية واتخذت في شأنها عقوبات مالية، بالإضافة إلى إيقاف بعض البرامج أو محوها من المواقع الرسمية أو منع إعادة بثها ، فإنها تغاضت على ما يحدث في أحايين كثيرة من تعدّ صارخ على القيم المجتمعية وهتك للأعراض واعتداء عنيف على الأخلاق الحميدة بدعوى حرية الضمير، ومن افتعال أكاذيب من أجل توجيه الرأي العام في محطات سياسية فارقة، وضد أطراف سياسية بعينها.

كما أن العقوبات المسلطة من قبل الهايكا على بعض الإمبراطوريات الإعلامية التي يقف خلفها رجال أعمال وسياسيون تتعلّق بجلّهم شبهات فساد تعد في حد ذاتها ذرا للرماد على العيون، فما الذي يمثله تسليط عقوبة قيمتها خمسون أو مائة ألف دينار على مؤسسة إعلامية خاصة؟

ألا يمثل مبلغا لا يتجاوز قطرة من بحر المال الفاسد الذي يدعمها، بل ما الذي يمثله من تأثير على المؤسسة وعلى الناخبين إن هي بالغت في القيام بإشهار سياسي وتوجيه الرأي العام للتصويت لفائدة مرشح أو حزب أو قائمة تقف وراءها شركات ورجال أعمال ومال مشبوه؟

والحقيقة أيضا أن “بعض” أعضاء الهيئة، لم يحترموا واجب التحفّظ الذي تقتضيه استقلاليتهم وموقعهم الذي يقتضي الحياد عن الأحزاب السياسية وانبروا يقفزون من وسيلة إعلام إلى أخرى في مناسبات عدّة للتعبير عن مواقف سياسوية شبه متحزبة، ومتساوقة إلى حدّ كبير مع مواقف بعض الأحزاب السياسية في محطات سياسية مختلفة.

 

(3)

خلال اليوم الإعلامي الذي عقدته الهايكا يوم 7 أكتوبر الجاري حول مستقبل الإطار القانوني للاتصال السمعي والبصري اعتبرت أن مشروع القانون الذي تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة والمتعلق بتنقيح المرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري تحت عدد 34/2020 والذي أعلن مكتب مجلس النواب ضمن الروزنامة التقديرية للدورة النيابية 2020-2021 أنه سيعرض على نظر الجلسة العامة للمجلس يوم 14 أكتوبر الحالي يحمل عدة مخاطر ومحاذير لعل أولها وأدناها هو صبغته الجزئية الوقتية التي يتمثل أثرها في تأجيل التصويت على مشروع القانون المتكامل والشامل المقدم من الحكومة والذي يحمل تنزيلا للأحكام الدستورية وتطويرا لمنظومة التعديل في القطاع السمعي البصري.

ودعت إلى ضرورة التخلي عن المبادرة التشريعية “غير الدستورية والخطيرة على حريّة الاتصال السمعي البصري” بسبب دعوتها لاعتماد الأغلبية المطلقة لانتخاب أعضائها مما يمكن أن يمثل تهديدا لاستقلاليتها معتبرة أيضا أن تعويض نظام الإجازة بنظام التصريح تطبيع مع خرق القانون وتمهيد لوضع اليد على قطاع الإعلام.

كما دعت إلى ضرورة التسريع باعتماد مشروع القانون المقدم من قبل الحكومة لتنزله ضمن تكريس المقتضيات الدستورية وتميزه بالشمولية والتناغم وقد اختتمت الهايكا اليوم الدراسي بتوصيات من أهمها:

  • دعوة مجلس نواب الشعب للتخلي عن النظر في المقترح المقدم لتنقيح المرسوم عدد 116، ودعوة النواب إلى عدم التصويت لفائدته لما يحمله من نسف للمسار الديمقراطي، والانطلاق في النظر في المشروع الحكومي خاصة وأن جميع المتدخلين في المجال يتبنونه.
  • دعوة الحكومة إلى الضغط من أجل انطلاق البرلمان في النظر في المشروع الحكومي الذي يتمتع بأولوية النظر.
  • دعوة رئيس الجمهورية، في حال مرور مقترح تنقيح المرسوم عدد 116، والتصويت لفائدته من قبل مجلس النواب، إلى ممارسة حقه الدستوري في الرد.
  • دعوة المجتمع المدني إلى تنسيق وتكثيف جهود مناصرة المشروع الحكومي وإقناع المجلس والنواب بعدم التصويت لفائدة مشروع تنقيح المرسوم عدد 116 وذلك قبل انطلاق الجلسة العامة في مناقشته يوم 14 أكتوبر.

ذكر أيضا أن مجلس نواب الشعب قد قرّر تأجيل الجلسة العامة التي كان من المقرر عقدها يومي الثلاثاء والأربعاء 13 و14 أكتوبر 2020 إلى الأسبوع القادم للنظر في تنقيح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بالقطاع الإعلامي والذي قدمته كتلة ائتلاف الكرامة ولقي رفضا واسعا من الإعلاميين والنقابة الوطنية للصحفيين ونقابة الإعلام باتحاد الشغل إضافة إلى عديد المنظمات والجمعيات الوطنية الحقوقية والاجتماعية.

إن ضرورة وجود إطار تشريعي شامل يضمن حماية المكتسبات التي تحققت بعد الثورة في مجال حرية الاتصال السمعي البصري وتعديل القطاع من شانه أن يكون أحد ضمانات حماية المسار الديمقراطي ببلادنا يمكن أن تتحقق ضمن مشروع القانون الأساسي المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاتها والذي تمت صياغته وفق مقاربة تشاركية ضمن مشاورات وورشات عمل بمشاركة عديد الأطراف ذات العلاقة، ولاريب أن تحقيق معادلة ضمان استقلالية الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وحيادها وقوة نفاذ قراراتها دون تغول أو انحياز أو ممارسة لرقابة قبلية على المضامين سيحقق حالة من التوازن في المشهد الإعلامي الذي ما يزال في رحلة البحث عن الذات من قيام الثورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق