راي رئيسي

الهدنة السّياسيّة والاجتماعيّة..
أوكد ضمانة لنجاح البرامج الحكوميّة وإرساء المحكمة الدستوريّة

بمنحه الثقة لحكومة هشام المشيشي فجر الأربعاء الثاني من سبتمبر 2020 الماضي بأغلبية مريحة افتتح مجلس نواب الشعب سنة سياسية جديدة تلوح صعبة للغاية بسبب ما تعيشه بلادنا من أزمة خانقة متعددة المظاهر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا استفحل فيها تردي الأوضاع المعيشية وتزايدت خلالها أعداد المعطلين عن العمل وتوسعت بسببها دائرة الفقر، في ظل مشهد سياسي سمته البارزة التشنج والتنافي والتهارج والتعامل الذي يتراوح بين اللامبالاة والانتهازية والحسابات الضيقة مع الملف الاقتصادي والحراك الاجتماعي رغم سيول التحذيرات المتواصلة للمؤسسات المالية التي ما فتئت تدق أجراس الخطر بسبب الوضع الحرج للمالية العمومية التي باتت رهينة لدين خارجي بلغ مستويات مخيفة.

 

تحدّيات حكومة الضرورة

بنهاية سنة 2020، يتوقّع أن يبلغ الدين الخارجي لتونس 32.3 مليار دولار (ما يعادل 95 مليار دينار) وهو ما يساوي تقريبا 75 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي سياق متّصل أكّد محسن حسن الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق للتجارة في تدوينات له على صفحته بفضاء التواصل الاجتماعي أن التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تؤكد أن تونس ستسجل انكماشًا اقتصاديًا في حدود 4.3% سنة 2020، مشيرًا الى أن نسبة النمو الاقتصادي ستسجل تراجعا بـ 7% لأن قانون المالية لسنة 2020 وقع إعداده بناء على توقعات بتسجيل نسبة نمو بـ 2.7 %، مضيفًا أن هذا التراجع الاقتصادي ستكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية كبرى إضافة الى عديد الصعوبات المالية وهو ما يحتّم على حكومة الضرورة / حكومة المشيشي النجاح ولا شيء غير النجاح في تحقيق الأولويات التي أعلن عنها رئيسها خلال جلسة نيل الثقة بمجلس نواب الشعب والمتمثلة أساسا في إيقاف نزيف المالية العمومية من خلال تحسين الموارد الذاتية للدولة عبر إجراءات تهدف لاستعادة نسق نمو إيجابي خلال 2021 وذلك بإعادة نسق الإنتاج الطبيعي للموارد الداعمة للدولة بالخصوص قطاعي الطاقة والمناجم في إطار خطة متكاملة بالإضافة إلى مواصلة الإحاطة بالمؤسسات المتضررة من جائحة كورونا عبر التسريع في تفعيل إجراءات التمويل لكافة القطاعات المتضررة وإصلاح المنظومة اللوجستية ورقمنة خدمات النقل والاتصالات وجعلها أولوية وطنية لتحسين نسق الإنتاج والتصدير واستقطاب المستثمرين بالإضافة إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات لإضافة الموارد لميزانية الدولة لسنة 2021 من خلال الحد من التهرب الضريبي وتوسيع قاعدة الأداء ومراجعة بعض مكونات المنظومة الجبائية على غرار النظام التقديري.

كل ذلك يستوجب تمويل الميزانية وتعبئة الموارد من خلال تعزيز التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي والانطلاق فورا في مفاوضات مع الشركاء والمانحين الماليين وتقديم إصلاحات تأخذ بعين الاعتبار الأولويات الوطنية لاستعادة الثقة وتوفير موارد مالية إضافة إلى إحكام التصرف في النفقات العمومية من خلال ترشيد نفقات الدولة وإصلاح القطاع العمومي عبر عدة إجراءات منها دعم تنفيذ برنامج المتعلق بإصلاح الإدارة وإرساء الرقمنة والعمل عن بعد والعناية بالعنصر البشري من خلال التكوين باعتماد برامج تهدف إلى إصلاح المنظومات العمومية. وفي المجال الاجتماعي يتأكد أيضا أن تتخذ الحكومة الجديدة قرارات من شأنها المحافظة القدرة الشرائية للمواطن من خلال ترشيد منظومة الدعم وتوجيهها لمستحقيها والعناية بالفئات الهشة والمتضررين من جائحة الكورونا.

 

خارطة طريق واقعيّة

العزيمة وحدها لا تكفي وإعلان النّوايا بدوره لا يكفي ما لم تتحوّل إلى خارطة طريق واقعية براغماتية قابلة للتطبيق مضمونة النتائج قابلة للقيس تصاغ بعقول الكفاءات التونسية التي اختارها “السيستام الجديد” وقبلت بها الأطراف الوطنية الواقعية التي تعلم علم اليقين أن الوضع العام بالبلاد يستوجب نكران الذات والمحافظة على سفينتها التي تمخر عباب بحر هائج متلاطم يوشك أن يغرقها ربانها غامض مرتبك متشنج لا يعنيه من السفينة سوى الإمساك بدفتها وتذكير ركابها بأنه ربّانها الأوحد.

تلك الأطراف بعينها، لم تسمح للعابثين بخرق السفينة وتوجيهها نحو المجهول، بل ورفضت أن تنخرط في لعبة الرّبّان الذي عنّ له أن يدير الدّفّة في الاتجاه الخاطئ في الزمن الخطأ وبالطريقة الخطأ.

نجاح حكومة الضرورة، حكومة طموحات الحد الأدنى، حكومة الاختيار القسري، أمر متأكد يتوقف عليه إنقاذ البلاد والعباد من الأوضاع الصعبة للغاية التي يعيشها التونسيون. وفي نجاحها نجاح لنا جميعا، ونجاة لنا جميع يتوقف على أن تشتغل ليلا نهارا، وأن تبتدع من الحلول أنجعها، ومن الخيارات أكثرها واقعية، وأن تتوقف دعوات التعويق، وتعطيل المرفق العام، وأن تتجه البلاد حالا دون تلكؤ أو “ضربان لغة” إلى هدنة اجتماعية تلتزم بها المنظمة الشغيلة التي تتغنى دوما بشعار الوطنية الذي هو الآن وهنا على المحك خاصة بعد أن ضمنت قيادتها الحالية التمديد بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الوطني بفضل تصويت مفيد لأعضاء استجلب بعضهم في أسرتهم من المستشفيات رغم إصابتهم بالكورونا و”نجاحهم” في نقل العدوى لأكثر من ثلاثين من بين المشاركين في المجلس الوطني للتمديد.

الاتحاد عبر بوضوح عن موقفه من الهدنة من خلال تصريح ناطقه الرسمي سامي الطاهري الذي قال إن الوضع في تونس في حاجة لهدنة سياسية (ولم يقل اجتماعية) مضيفا في تصريح له على هامش اجتماع المجلس الوطني أن الحكومة يجب أن تمر وتستمر وتواصل لأننا في حاجة للاستقرار مبرزا أن الهدنة السياسية ستنعكس بالإيجاب على المسائل الاجتماعية والاقتصادية.

أما نور الدين الطبوبي الأمين العام للمنظمة الشغيلة فقد قالها بأكثر وضوحا وذلك على هامش موكب تسليم المهام بين حكومتي المشيشي والفخفاخ قال: “إنّ تونس ليست في حالة حرب للحديث على هدنة، والأهم هو كيفية خلق مناخات استقرار اجتماعي” موضحا أنّ خلق مناخات استقرار اجتماعي يتطلب عدة شروط من بينها البحث عن موارد أخرى على غرار مكافحة الاقتصاد الموازي، بعيدا عن الإصلاحات الموجعة التي يلجأ إليها الجميع على حساب أبناء الشعب عبر الترفيع في الأسعار بما يضر بالمقدرة الشرائيّة للمواطن فضلا عن تدهور قطاعات الصحة والبيئة والتعليم.

ومعنى ذلك كله أن الاتحاد من خلال تصريحات قيادته الحالية لا يرى نفسه معنيا بموضوع الهدنة الاجتماعية، ولا يرى لها موجبا باعتبار أننا لا نعيش حالة حرب.

 

في الحاجة إلى الهدنة والاستقرار

حين يصرّح رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي أن تونس اليوم في أشد الحاجة إلى الاستقرار وإلى هدنة اجتماعية وسياسية والالتفاف حول الحكومة من أجل تحقيق برنامج إنقاذ وطني ويؤكّد على هامش موكب تسليم وتسلم المهام بين الحكومة المتخلّية والحكومة الجديدة أنّ تونس في حاجة إلى هدنة واستقرار بالنظر إلى التحدّيات الضخمة التي تواجهها، على غرار التحديات الصحيّة والتنموية والمالية وأنّ الاستقرار ضروري لتقدّم البلاد التي تترسخ فيها ثقافة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ولذلك سيكون لها غد أفضل، وفق تعبيره.

حين يقول الغنوشي ذلك، وهو السياسي الأكثر حنكة وخبرة في هندسة المشهد السياسي بعد الثورة، فإنه يعني ضمنيا أيضا أنه على الجميع أن يتحمل مسؤولياته التاريخية من أجل إنقاذ البلاد من انهيار اقتصادي وانفجار اجتماعي يمكن ان يأتي على الأخضر واليابس.

الهدنة السياسية هي الأخرى من أوكد الضرورات من أجل ضمان حد أدنى من الاستقرار وتحسين المناخات والعلاقات بين مختلف الفرقاء السياسيين وبين قرطاج وباردو والقصبة حتى تتمكن الحكومة الجديدة من حلحلة أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية دون أن يلهيها عن ذلك جدل سياسي أو صراع بين الأحزاب وحتى يتمكن رئيس الجمهورية من الشروع في ما وعد به من مبادرات تشريعية تستهدف تحسن نوعية حياة “الشعب الذي يريد” وحتى يتمكن مجلس نواب الشعب من إنجاز استحقاقين أساسيين لم يعد من المسموح المضي خطوة واحدة دون إنجازهما: المحكمة الدستورية وتعديل القانون الانتخابي بالإضافة طبعا إلى تجديد أعضاء بعض الهيئات الدستورية التي انتهت آجال تجديها منذ أمد بعيد على غرار الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري ولعل إرهاصات ولادة تحالف برلماني واسع يضم حاليا حوالي 120 نائبا تبشر بأن إرساء المحكمة الدستورية باتت مسألة وقت لا غير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق