راي رئيسي

الوزير الأول المكلف ينصاع لخيار القصر يقصي الأحزاب وينقلب على نتائج الانتخاب

(1)

هو الأقل تصريحا على الإطلاق، والأكثر تحفظا على الإطلاق. اختار على خلاف من سبقوه من المكلّفين بتشكيل الحكومات أن يعمل في صمت ويفاوض في صمت دون كثير ضجيج. قد يكون تلقّى توجيهات حرفية، وقد يكون تعلّم من تجارب سابقيه الذين بالغوا في كشف أوراقهم يوما بيوم وجعلوا من حكوماتهم قضية رأي عام قبل وأثناء تشكّلها، وقد يكون تلبّس بتحفّظ كبار القادة الأمنيّين الذي يشرف على وزارتهم منذ بضعة أشهر.

جالس أعضاء الكتل وقيادات الأحزاب ورؤساء الحكومات السابقين والرئيسين الأسبقين فؤاد المبزع ومحمد الناصر، كما استمع إلى تقدير موقف للأوضاع المالية والاقتصادية للدولة من قبل محافظين للبنك المركزي، ولم يغفل أيضا عن دعوة من يمثلون بشكل أو بآخر قطاعي الصحافة والثقافة، كما كان له أكثر من لقاء مع رئيس الدولة والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي ورئيس اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية سمير ماجول.

طلب من الغنوشي لقاء عاجلا قبل انعقاد مجلس شورى النهضة خارج قصر الضيافة حيث تدور مشاوراته مع الأحزاب والشخصيات، وطلب منه خلاله منح حكومته الثقة في البرلمان مبينا أنه مع حكومة تشارك فيها الأحزاب بقيادات من صفيها الثالث والرابع.

وخلال النقطة الإعلامية التي عقدها مساء الاثنين 10 اوت 2020، قدم ملخّصا مقتضبا للقاءاته المعلنة وغير المعلنة قال فيه أن جلّ محاوريه قد أجمعوا على صعوبة الأوضاع التي تمرّ بها البلاد وأنها تمر بأزمة حادة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا عمقها حجم الخلافات بين مختلف الفرقاء السياسيين مما جعله يتجه نحو تشكيل حكومة إنجاز اقتصادي واجتماعي بكفاءات مستقلة تماما عن الأحزاب السياسية مبررا ذلك بأن “حجم التناقضات بين الأحزاب والكتل البرلمانية كبير جدّا، مما يجعل الذهاب نحو حكومة حزبية غير ممكن”.

 

(2)

أثارت النقطة الإعلامية التي وردت في منتصف الطريق وفي المنعطف الأخير من آجال تشكيل الحكومة الجديدة وعرضها على مجلس نواب الشعب التي تنتهي يوم 25 أوت الجاري ردود أفعال واسعة ومتباينة في علاقة بمشاركة الأحزاب من عدمها.

أولى ردود الأفعال وردت على لسان علي العريض القيادي في حركة النهضة الذي اعتبر أن تكوين حكومة كفاءات مستقلّة يعدّ إبعادا للأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات واعتداء على الديمقراطية مشيرا إلى أن منحها الثقة أمام البرلمان غير مضمون.

مضيفا أن الديمقراطية تقتضي تكوين حكومة سياسية احتراما لإرادة الشعب الذي انتخب أحزابا معينة لتحكمه ومهم جدّا أن تكون الأحزاب منخرطة مع الحكومة في تحمّل أعباء الأزمة التي تعيشها البلاد ومضيفا أن النهضة مقتنعة تماما بأن حكومة غير مدعومة بأحزاب سياسية ستصطدم بواقع صعب للغاية ولن تتمكن من الصمود طويلا.

وفي ما يتعلق بموقف النهضة من قرار المشيشي قال العريض أن وفدا من الحركة سيلتقي به سيتقرّر على إثره موقفها من حكومته.

في حين عبّر رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف عن تفاجئه بقرار رئيس الحكومة المكلف المتعلق بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، معلقا بأن هذا القرار قد فرض على المشيشي ويتناسق مع موقف القصر وهو يهدف إلى ترذيل الأحزاب وتهميش نتائج الانتخابات. وشدّد مخلوف على رفض ائتلاف الكرامة لما يسمى بحكومة الكفاءات لأن الشعب التونسي لم يجرِ مناظرة لاختيار وزراء بل أجرى انتخابات لاختيار سياسيين يحكمون البلاد وقد قام باختيار أحزاب وكتل برلمانية للحكم وتنفيذ برامجها، معتبرا أن القرار انقلاب على إرادة الشعب وانحراف بالأمانة.

أما القيادي في التيار الديمقراطي ورئيس الكتلة الديمقراطية هشام العجبوني فقد دعا المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي إلى مراجعة قراره القاضي بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، معتبرا أن الوقت لا يزال مبكرا جدّا لفرضية حكومة مستقلة يمكن تفهّم تشكيلها مثلا في السنة الأخيرة من العهدة وقبل موعد الانتخابات القادمة للتقليص من الاحتقان والتجاذبات السياسية والحيلولة دون توظيف أجهزة الدولة، فمن  المستبعد جدا أن يكون للوزير المستقل أو التكنوقراط الشجاعة لتغيير الواقع واتخاذ قرارات شجاعة جريئة على خلاف الوزير الذي ينتمي إلى حزب يسعى غالبا للنجاح وفي هذا طبعا نجاح للبلاد حتى يستفيد حزبه من ذلك، مضيفا بأن إعلان المشيشي سابق لأوانه وما يزال من الممكن تعميق النقاش بخصوصه مع الأحزاب.

كما أشار إلى أن المكلف بتشكيل الحكومة اختار فرض أمر واقع وتشكيل حكومة مستقلة مضيفا: “ما معنى حكومة مستقلة؟ وزير مستقل وحكومة مستقلة لا تعني فقط الاستقلالية عن الأحزاب بل أيضا عن مراكز النفوذ وهذا هو ما يجب أن نعرفه قبل أن نحدّد موقفنا”.

من ناحيته اعتبر أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي أنّ توجّه المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي إلى تشكيل حكومة كفاءات مستقلّة سيؤدي إلى إعادة انتاج الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد من جديد وسيتسبب في تضييع الوقت.

وأضاف: “بالنسبة لنا لن تكون لحكومة كفاءات مستقلة أيّ ضمان من ضمانات النجاح في إخراج البلاد من الوضعية التي تعيشها لأنّ من أحد الضمانات الأساسية للنجاح هو البرلمان وعندما لا تكون لحكومة صلة بالأحزاب فلن تكون لها صلة بالبرلمان وبالتالي فإنّ إمكانية مرورها صعب وحتى إن مرّت خوفا من حلّ البرلمان فإنها ستواجه بعد ذلك صعوبات كبيرة جدا”.

أما الأمين العام لحزب العمال حمة الهمامي فقد اعتبر أن التوجّه نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة يأتي في سياق وأن البلاد في حالة إفلاس يعمل المسؤولون على إخفائها متسائلا: “هل ستكون حكومة المشيشي مستقلة عن الإمارات وتركيا وفرنسا ودول الخليج وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي؟” ومؤكدا أن هذا التمشي يعطينا فكرة حول ما آلت إليه الانتخابات في تونس بحيث يلقي الناخب بورقته في صندوق الاقتراع لينتخب نوابا وأحزابا ثم يتم تشكيل حكومات لا علاقة لها بنتائج الانتخابات، مبرزا أنّ هناك حربا قائمة بين قرطاج وباردو على القصبة، ومؤكّدا أنّ سعيّد أكثر طرف له مصلحة في تعميق الأزمة التي تعيشها البلاد حتى يجد المسوّغات للقيام بحلّ البرلمان.

 

(3)

وكأنه لا يؤمن إلا بذاته وبمقدساته ونظرياته الطوباوية التي لا تؤمن بالأحزاب، بل وتبشر بأننا دخلنا بعد زمن نهاية الأحزاب وقد قالها صراحة رفيقه وظله رضا لينين.

وكأنه يجد لذة في لعبة القط والفأر مع الأحزاب والكتل، يدعوها لتقديم اقتراحاتها المتعلقة بتسمية من تختارهم مرشحين لتشكيل الحكومات في ظروف مغلقة يودعونها بكشك خارج القصر دون منحها فرصة اللقاء والتشاور والتبرير، ثم يمضي في تعال ونرجسية ليقول لها: “أنا الرئيس، أنا الذي بيده الاختيار، اقترحتم.. هنيئا لكم لأنكم أنتم من اقترحتم، وهنيئا لي لأنني أنا من سيختار”.

يختار وفق هوى ومقاييس لا علاقة لها بمنطق ولا بنتائج انتخابات ولا بموازين قوى ولا باحتساب أحجام ولا بتقدير مصلحة ولا بانحياز لكفاءة. كل ذلك لا يعنيه في شيء. وكل ما يعنيه مخالفة الأحزاب والكتل وترذيلها وتسجيل أهداف باردة في مرماها وإلقاء اقتراحتها في مزابل القصر.

هذه المرة، يمضي بعيدا في فرض الأمر الواقع في اختياره للشخصية التي لم يخترها معه أحد سوى مديرة ديوانه نادية عكاشة، شخصية خبرها منذ أشهر وتبين قابليتها للانصياع والطاعة فأملى عليها شروطه ورؤيته التي تنقلب على نتائج الانتخابات وتتعالى على الأحزاب، ليضعها أمام الأمر المقضي: الإقصاء وراءكم وحل البرلمان أمامكم، فأين المفر متناسيا أن الحكومة إن مرّت بهذه الشروط وهذه المغالبة ستفشل وتسقط مع أولى عثراتها، وأنه لم يتعلم جيّدا من درس حكومته التي سقطت بالضربة القاضية وسقط معه خياره الأول الذي فشل فيه وتلطّخت صورته بمفعول قضية تضارب المصالح التي تورط فيها وزيره الأول الفخفاخ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق