راي رئيسي

انتفاضة الصناديق في خمسة عناوين كبرى

– لطفي هرماسي –

hermassilotfi64@gmail.com

 

يوم 15 سبتمبر 2019، بقدر ما كان عرسا انتخابيا ديمقراطيا تعدديا حرا وشفافا، بقدر ما كان يوما مفصليا فاصلا بين ما قبله  وما بعده باعتبار نتائجه الكمية، وتأثيراته على المشهد السياسي، والظواهر والمظاهر التي رافقته، والأوضاع التي نتجت عنه.

 

العنوان الأول: نعم كان عرسا انتخابيا بكل ما في الكلمة من معان

كل النتائج والمفاجآت لا يمكن أن تثنينا عن الحديث عن أننا عشنا عرسا انتخابيا، سبقته حملة ترويجية وحراك سياسي ونقاشات واجتماعات ومقاه سياسية وبرامج حوارية ومناظرات تلفزية. عرس انتخابي تقاطر فيه التونسيون بأقدار مختلفة على مراكز ومكاتب الانتخابات منذ الساعات الأولى من يوم الاقتراع واصطفوا صفوفا طويلة لأداء واجبهم الوطني.

عرس انتخابي لأنه ناتج عن حالة استثنائية في العالم العربي نجحت خلاله بلادنا بمقتضى ما أسست له من منظومة قانونية ودستورية في عبور محنة وفاة رئيسها في بضع سويعات.

عرس انتخابي لأن بلادنا أثبتت مرة أخرى أنها تحترم دورية استحقاقاتها الانتخابية وتحتكم إلى صناديق الاقتراع للتعبير والتغيير وترجيح المشاريع والفاعلين.

عرس انتخابي لأن جهودا ماراطونية بذلت من أجل إنجاحه تجندت لها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والجيش والأمن الوطنيان، ووسائل الإعلام بتفاوت أدائها واحترامها لمواثيق أخلاقيات المهنة وتجند لها المواطنون متابعة وانتباها وحوارا وتبادلا للرأي، والمترشحون وأنصارهم وفرق حملاتهم.

عرس انتخابي لأن النتيجة لم تكن محسومة فيه إلى الساعات الأخيرة من مساء يوم الاقتراع، بين أكثر من عشرين مترشحا كانوا حاضرين في كامل تراب الوطن وخارجه ببرامجهم واجتماعاتهم الانتخابية.

عرس انتخابي لأن الأغلبية الساحقة من التونسيين صاروا يدركون من خلال حملة هذه السنة صلاحيات رئيس الجمهورية ويتحدثون في المقاهي وسيارات الأجرة وفي كل مكان عن مفاهيم الأمن القومي والسياسة الخارجية والسيادة الوطنية والمبادرات التشريعية.

 

العنوان الثاني: زلزال سياسي يعصف بمنظومة 2014

العرس بتحضيراته ومراسمه وأهازيجه والفضاءات التي انعقد فيها، بكل طقوسه وزينته وفرحته،  أعقبه منذ الساعات الأولى من المساء زلزال بقوة 8 درجات على سلم ريختر، عصف بكامل منظومة 2014 بمكوناتها الحاكمة والمعارضة. كانت النتائج التي تكشفت عنها أمسية 15 سبتمبر 2019 عقوبة صارمة وانتفاضة للصناديق قال الشعب فيها كلمته دون تردد. لم تشفع للأحزاب الكبرى ماكيناتها الانتخابية ولا حسن انتشارها ولا حملاتها أو خطاباتها، لم تشفع لها وعودها ولا إنجازاتها الهزيلة ولا مؤشراتها الاقتصادية السلبية التي عملت على ترويجها على أنها فتح مبين وأنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان،  كما  لم تشفع للمعارضة النيابية ارتفاع أصواتها، ولا ضجيجها، ولا رفضها لمجرد الرفض، ولا تمايز مواقفها عن مواقف الائتلاف الحاكم، ولا تحميلها مسؤولية الانحباس الحراري وكوارث العالم لمنظومة الحكم.

انتفاضة الصناديق قيّمت سلبا التوافق بين النداء والنهضة الذي كانت نتائجه الاقتصادية والاجتماعية متواضعة جدا، ولم تمنح ثقتها لأي مرشح من مرشحيه.

لم تمنح رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي خاض حملة انتخابية بأضخم الإمكانيات وأفخمها، وبحماية أمنية غير مسبوقة، وقوافل من السيارات الوظيفية، ومعلقات عملاقة في كل مكان، واستغلالا لأكثر القنوات الإذاعية والتلفزية متابعة، بالإضافة إلى توظيف كل إمكانيات الدولة.

مسألة أخرى أصابت في مقتل حملة رئيس الحكومة وصورته وتتمثل في تزامن إيقاف المترشح نبيل القروي مع انطلاق الحملة الانتخابية ورسخت صورة مريبة حول شخصه ما انفكت تترسخ منذ إطلاقه لما أطلق عليه حملة محاربة الفساد، وهي صورة ازدادت رسوخا بتمرده على الرئيس الباجي الذي صنع منه زعيما ورمزا سياسيا في ظرف وجيز، ثم بتأسيسه لحزب الدولة، واعتماده سياسة الملفات لتهديد منافسيه وتصفيتهم.

الجهات الداخلية هي الأخرى غاضبة من الشاهد، الذي ترأس الحكومة لثلاث سنوات على التوالي، ولم يزرها، ولم يحقق لها شيئا يذكر، تكبر عليها ولم يتواضع لها فكان ردها من خلال الصياح والغضب وحتى “ديقاج” خلال حملته، ومن خلال عدم التصويت له خلال الانتخابات.

انتفاضة الصناديق، لم تمنح أيضا المرشح الثاني للسيستام عبد الكريم الزبيدي الذي صعدت أسهمه خلال جنازة الرئيس الباجي. قبلها كان طبيبا وأكاديميا ومسؤولا ووزيرا صامتا… ولكنه حين تحدث اكتشف الناس ضعفه الاتصالي الفادح الذي جعله محل تندر على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم الدعم الذي حظي به من قبل لوبيات وأحزاب وشخصيات فإنه لم يحظ بأي تعاطف وقبول شعبي. حكاية الدبابات وتوظيفه لصور قيادات عسكرية أثناء حملته جعلت الجميع يطلقون عليه لقب “مرشح الدبابة” المريب، الذي يخاف الناس أن يركبها لينقلب على المسار، فلم يمنحوه ثقتهم ورفعوا في وجهه البطاقة الحمراء.

 

العنوان الثالث: حركة النهضة وضريبة التوافق والتثاقل وأنانية الأصدقاء

حركة النهضة كانت هي الأخرى من بين الخاسرين من انتفاضة الصناديق. أليس الثالث في الترتيب أكثر حسرة ووجعا وألما من العاشر والعشرين والأخير؟ أليس كل صوت سرقه الجبالي الذي عاند وكابر ورفض التواضع والتنازل لرفاق دربه خسارة، وكل صوت غاضب هووي اغترفه سيف الدين مخلوف من رصيدها خسارة، وكل صوت ثورجي جناه المرزوقي مقضوما من جمهورها وأنصارها؟

الصندوق كان واضحا وصريحا مع النهضة في علاقة بتوافقها مع السيستام الذي حتم عليها التماهي معه في المواقف وتحمّل تبعات فشله وانقسامه ولهفة مكوناته على التموقع في مفاصل الدولة دون موهبة او كفاءة أو إنجازات.

منجز حكومات منظومة 2014 في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ضعيفة جدا إن لم نقل سلبية، ارتفعت خلال فترة حكمها الأسعار بشكل غير مسبوق، وشهدت قيمة الدينار انحدارا تاريخيا، وتضاعفت قيم العجز التجاري والتضخم وتورطت البلاد في مزيد من الدين الخارجي.

تردد حركة النهضة في اختيار مرشحها وتأخرها في ترجيح الخيار الداخلي على التوافقي، وأزمة تشكيل قائماتها للانتخابات التشريعية، جعل حملتها تنطلق متثاقلة متأخرة، رغم قوة مرشحها حضورا وخطابة ومصداقية ونضالية وقربا من الناس، ورغم حماسة انصار ونصيرات الأستاذ عبد الفتاح مورو من داخل النهضة وخارجها، فإن رسالة ما خبيثة، سلبية مفادها أن الترشيح غير جدي، وأن النهضة قد عقدت توافقات تحت الطاولة مع أحد مرشحي السيستام  قد أصابت الحملة بشيء من البرود ولم تبلغ في أي لحظة من لحظاتها الذروة.

النهضة مطالبة وهي تلج متثاقلة مرة أخرى حملتها التشريعية بعد دوار نتائج الرئاسية، بالمرور إلى السرعة القصوى، باستفاقة تنتفض خلالها على ما أصاب جسدها من إعياء ووهن، وأن تخوض معركة وجودية تعود بها إلى مربع مرتبتها الأولى من حيث حجم الكتلة النيابية  خاصة وأن المشهد السياسي مصاب بسيولة ستعيد تشكيله وفق خارطة جديدة تختلف في مكوناتها عما ألفناه منذ 2011.

 

العنوان الرابع: انتحار يسار الغرفة السوداء والتنظيم السري

الصفعة التي تلقاها يسار الغرفة السوداء والتنظيم السري، كانت جد مدوّية، قهرته، ومزّقته، وأذلّته وألقت به إلى ذيل الترتيب السياسي، وجعلته يجني حصيلة سنوات العربدة والصياح والعويل وصنع الأوهام والأفلام واحتلال الفنوات التلفزية للكذب على الناس وإيهامهم بوجود غرفة سرية بوزارة الداخلية، وتنظيم سري لحركة النهضة يخطط للاغتيالات السياسية التي كانت سببا في إفشال فترة حكم الترويكا التي سيشهد التاريخ انها الأفضل مؤشرات، والأفضل احتراما للحريات الفردية، والأفضل مردودية من حيث حماية الثورة من الرّدّة والانتكاسة.

اليسار التونسي ممثلا في الجبهة الشعبية التي اتخذت من النهضة عدوا تخوض ضده معركة وجود، فشلت في معركتها الحاقدة معها، فأكلها حقدها وانقسمت في أولى المحطات الانتخابية ونعت بعضها بعضا بأبشع النعوت وذهبت ريحها فجنت هزيمة نكراء أعادتها إلى مربع الأصفار، قد تعقبها هزيمة أخرى تبعثرها وتعيدها إلى حالة أبشع من التشرذم والتففت الذي كانت عليه قبل الثورة.

 

العنوان الخامس: الناخب التونسي يختار إشباع البطون وإشباع العقول

باختياره قيس سعيّد ونبيل القروي انحاز الناخب التونسي إلى خيارين فشلت فيهما النخبة السياسية بشقيها الحاكم والمعارض وهما خيار إشباع البطون الذي اشتغل عليه نبيل القروي وإشباع العقول بالمبادئ والمقولات الثورية التي اشتغل عليه قيس سعيد. لم تشبع المنظومة السياسية بطون الناس فانتفضوا عليها وتخلوا عنها، ولم تفلح في المحافظة على عذرية المقولات والشعارات الثورية التي أصابها الترذيل والتخوين وبات ” قوادة الشعب الدستورية ” وأحزابهم ومرشحتهم  يسخرون من “ثورة البرويطة” كما يسمونها ويجرؤون على التحسر على عهد ولي نعمتهم المخلوع بن علي. الناخب التونسي عبر هذه المرة وبوضوح أنه لم يعد يثق في الأحزاب التقليدية وانه يختار العودة إلى الشعارات الثورية التي صدح بها شتاء 2010 / 2011 من خلال انتخاب المرشح المستقل الذي لا حزب له ولا مال له ولا حملة له، واختار نبيل القروي الذي نجح في إيصال المساعدات الاجتماعية إلى أعماق الأرياف ونجح في مداواة مئات المرضى ومساعدة طلبة محتاجين على استكمال دراستهم، ونجح في تأثيث مئات المنازل المفقرة وهو مالم تنجح في فعله الحكومة ولا الأحزاب…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق