ثقافةرأي رئيسي

اَلْوَعْيُ اَلذَّاتِيُّ . . نَهْضَةُ وَطَنِ

 

د / عُمَرْ مَحْفُوظْ / مِصْر

Mahfoz22@gmail.com

إِنَّ تَجْدِيدَ اَلْوَعْيِ يَعْنِي اَلسَّعْيُ اَلدَّائِمُ إِلَى اِكْتِشَافِ تَوَازُنَاتٍ جَدِيدَةٍ دَاخِلَ اَلْفِكْرِ وَثَقَافَتِنَا بِمَا يَدْعَمُ وُجُودُنَا اَلْقِيَمِيُّ وَبِمَا يُعَزِّزُ فَاعِلِيَّتَنَا وَأَدَاءَنَا فِي طَرِيقِ اَلنَّهْضَةِ اَلشَّامِلَةِ ، تَجْدِيدُ اَلْوَعْيِ يَعْنِي مِنْ وَجْهِ آخِرٍ مُحَاوَلَةِ فَهْمِ اَلظُّرُوفِ اَلْجَدِيدَةِ اَلَّتِي أَوْجَدَتْهَا خِيَارَاتُ اَلشُّعُوبِ اَلْحُرَّةِ وَفَهْمِ اَلتَّحَدِّيَاتِ اَلْجَدِيدَةِ اَلنَّاشِئَةِ عَنْهُ اَلِاسْتِجَابَةُ اَلرَّاشِدَةُ إِلَيْهَا فِي اَلْوَقْتِ اَلَّذِي يُعَانِي مِنْهُ اَلْوَعْيُ اَلدَّوْلِيُّ بِالْقُصُورِ اَلذَّاتِيِّ وَلَدَيْهِ اِسْتَعَادَ كَبِيرٌ لِلْحَيْرَةِ وَالِارْتِبَاكِ وَلَا سِيَّمَا حِينَ يَتَعَامَلُ مَعَ مُعْطَيَاتٍ مُعَقَّدَةٍ دَوْلِيًّا وَإِقْلِيمِيًّا فَالْوَعْيُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى تَجْدِيدٍ مُسْتَمِرٍّ وَرِعَايَةِ دَائِمَةٍ كُلَّمَا تَسَارُعِ إِيقَاعِ اَلْمُتَغَيِّرَاتِ صَارَتْ عَمَلِيَّاتُ اَلتَّجْدِيدِ وَالْمُرَاجَعَةِ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا فِي اَلْوَعْيِ اَلذَّاتِيِّ اَلَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ اَلْإِنْسَانِ لِذَاتِهِ ، وَإِدْرَاكُهُ لِقُدُرَاتِهِ وَإِمْكَانَاتِهِ ، وَحِكْمَتُهُ فِي إِدَارَةِ مَشَاعِرِهِ وَأَحَاسِيسِهِ اَلْإِيجَابِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ ، وَفِطْنَتُهُ فِي اَلتَّفَاعُلِ وَالتَّعَامُلِ مَعَ اَلْبِيئَةِ اَلْمُحِيطَةِ بِهِ فَحِين يَتَعَرَّضُ اَلْفَرْدُ فِي سِنِي عُمْرَهُ لِجُمْلَةٍ مِنْ اَلْعَوَامِلِ اَلْإِيجَابِيَّةِ أَوْ اَلسَّلْبِيَّةِ اَلَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى أَنْمَاطِ تَفْكِيرِهِ ، وَوَضْعِيَّةُ مَشَاعِرِهِ ، وَأُسْلُوبَ تَعَامُلِهِ ، وَاَلَّتِي تُحَدِّدُ مَعَ اَلْوَقْتِ بِنَاءَ ذَاتَهُ ، وَتَكْوِينَ شَخْصِيَّتِهِ ، وَطَبِيعَةُ حَيَاتِهِ فَمِنْ اَلْمَهَارَاتِ اَلْفَاعِلَةِ وَالْمُؤَثِّرَةِ فِي تَنْمِيَةِ اَلْوَعْيِ اَلذَّاتِيِّ مَا يَأْتِي :

1 – اَلْحِوَارُ وَالنِّقَاشُ اَلْمُبَاشِرُ .

2 – اَلتَّفْكِيرُ اَلنَّاقِدُ وَالنَّظَرُ اَلثَّاقِبُ لِلْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ .

3 – اَلْجُرْأَةُ وَالْجَسَارَةُ فِي حَلِّ اَلْمُشْكِلَاتِ وَمُدَافِعَةٌ اَلْعَقَبَاتِ .

4 – اِحْتِرَامُ وَتَقْدِيرُ آرَاءٍ اَلْآخَرِينَ وَتَوَجُّهَاتِ اَلْمُخَالِفِينَ وَمُنَاقَشَتُهَا بِكُلٍّ مَوْضُوعِيَّةٍ وَحِيَادِيَّةٍ . 5

– طَلَبَ اَلدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ اَلشَّرْعِيُّ أَوْ اَلْعَقْلِيِّ أَوْ اَلْحِسِّيِّ عَلَى صِحَّةِ اَلْمَعْلُومَةِ أَوْ صِدْقِ اَلْوَاقِعَةِ . . لِيَأْتِيَ اَلسُّؤَالُ كَيْفَ نَتَحَكَّمُ فِي وَعْيِ اَلذَّاتِيِّ ؟ يُمْكِنَ لَنَا اَلْوُلُوجُ لِهَذَا اَلسُّؤَالِ عَبْرَ مَحَطَّاتِ خَمْسِ وَهِيَ اَلتَّحَدُّثُ مَعَ اَلذَّاتِ وَالِاعْتِقَادِ وَطَرِيقَةِ اَلنَّظَرِ لِلْأَحْدَاثِ وَالْعَوَاطِفِ وَالسُّلُوكِ . فَهَلْ تَحَدَّثَتْ أَيُّهَا اَلْقَارِئُ مَعَ ذَاتِكَ يَوْمًا بِالْإِيجَابِ أَوْ بِالسَّلْبِ فَأَنْتَ اَلْيَوْمُ حَيْثُ أَوْصَلَتْكَ أَفْكَارُكَ ، وَسَتَكُونُ غَدًا حَيْثُ تَأْخُذُكَ هَذِهِ اَلْأَفْكَارِ فَمَصْدَر أَفْكَارِكَ اَلَّتِي تَكَوَّنَتْ مِنْ اَلْوَالِدَيْنِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْإِعْلَامِ وَحَدِيثِ نَفْسِكَ اَلَّذِي يَهْدِفُ إِلَى وَعْيِكَ اَلذَّاتِيِّ فِي تَحَرِّي اَلْحَقِيقَةِ وَمَعْرِفَةِ اَلصَّوَابِ بِكُلِّ اَلْجَوَانِبِ اَلْمُتَعَلِّقَةِ بِمَعْرِفَةِ اَلْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ وَدَيْنِهِ وَوَطَنِهِ وَالْقَبُولِ بِالْآخَرِ لِيَحْدُث اَلشُّعُورُ بِالثِّقَةِ لِلنَّفْسِ وَتَقْدِيرِ اَلذَّاتِ اَلَّتِي تَكْشِفُ اَلْأَفْكَارُ اَلْمَغْلُوطَةُ وَالتَّصَوُّرَاتُ اَلزَّائِفَةُ اَلَّتِي تُخَرِّبُ نَسِيجَ اَلْوَطَنِ لِيَحْدُثَ اَلتَّقْيِيمُ اَلسَّلِيمُ وَالتَّقْدِيرُ اَلصَّحِيحُ لِلِانْفِتَاحِ عَلَى اَلْعَقْلِ اَلْجَمْعِيِّ وَقَبُولِ اَلتَّحَوُّلِ اَلدِّيمُقْرَاطِيِّ اَلْوَاعِي بِطَبِيعَةِ اَلْمَرْحَلَةِ حَتَّى يَحْدُثَ اَلتَّنَاسُقُ وَالتَّنَاغُمُ ، وَالِانْسِجَامُ وَالتَّلَاؤُمُ مَعَ مُكَوِّنَاتِ اَلْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ فِي أَوْطَانِنَا اَلْأَبِيَّةِ لِيَكُونَ اَلتَّعَامُلُ اَلْأَفْضَلُ ، وَالتَّكَيُّفُ اَلْأَمْثَلُ مَعَ كَافَّةِ اَلْمُشْكِلَاتِ وَالْمُتَغَيِّرَاتِ لِأَنَّ اَلْفِكْرَ اَلْعَرَبِيَّ اَلرَّاهِنَ جَاهِلٌ لِحَاضِرِهِ أَكْثَرَ مِنْ جَهْلِهِ لِمَاضِيهِ تِلْكَ حَقِيقَةُ اَلْمَرْحَلَةِ فَالْإِنْسَانُ اَلْعَرَبِيُّ اَلْيَوْمِ ضَمِير بِلَا فَرْدِيَّةٍ فَاعِلَةٍ ، جَسَدٌ لَا تَتَّضِحُ صِفَاتُهُ اَلْمُمَيَّزَةُ فِي جَسَدٍ لَا تَتْمَظْهَرْ فِيهِ اَلْمَسْؤُولِيَّةُ اَلْوَطَنِيَّةُ فَهُوَ اَلْقَاتِلُ وَالْقَتِيلُ يَقْتُلُ ذَاتُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعِي حَقِيقَةَ اَلذَّاتِ وَيَقْتُلُ اَلْآخَرُ فِي اَلْأُسْرَةِ وَالشَّارِعِ وَالْمُسْتَشْفَى وَالسَّجْنِ وَالْمَصْنَعِ وَفِي مَقَرِّ اَلْحِزْبِ اَلْحَاكِمِ أَوْ اَلْمَعَارِضِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

فَبِنَاءٍ اَلْوَعْي اَلذَّاتِيِّ ضَرُورَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ ، وَمَسْؤُولِيَّةُ اِجْتِمَاعِيَّةٌ ، تَتَضَافَرَ فِيهَا جُهُودُ كَافَّةِ اَلْجِهَاتِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ اَلتَّعْلِيمِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ ؛ لِغَرْسِ اَلْوَعْيِ وَتَنْمِيَةِ اَلْإِدْرَاكِ بِإِسْتِرَاتِيجِيَّةٍ تَتَّسِمُ بِالْمَنْهَجِيَّةِ وَالتَّنْظِيمِ ، وَتَتَّصِفَ بِالْمَرْحَلِيَّةِ وَالتَّدَرُّجِ ، وَتَتَمَيَّزَ بِالتَّرَاكُمِيَّةِ وَالتَّكَامُلِ . إِنَّ نَهْضَةَ اَلْوَطَنِ تَفْرِضُ عَلَى اَلْوَعْيِ مِنْ اَلتَّارِيخِ وَالْوَاقِعِ كُلٌّ ثَابِتٌ فَالْكَائِنَاتِ اَلْحَيَّةُ بَدْءًا بِالْفَيْرُوسِ وَانْتِهَاءِ بِالْإِنْسَانِ تَسْعَى بِإِصْرَارٍ إِلَى اَلِاسْتِقْلَالِ وَالْحُرِّيَّةِ اَلْمُتَنَامِيَةِ مِنْ أَجْلِ سُمُوَّ اَلذَّاتِ . وَلِذَا فَإِنَّ اَلْوَعْيَ اَلْإِنْسَانِيَّ يُحَاوِلُ دَائِمًا اَلنَّفَاذُ إِلَى اَلْوَاقِعِ عَلَى نَحْوٍ مُنْفَرِدٍ وَمُتَغَلِّبِ عَلَى رُؤْيَةِ اَلْمُجْتَمَعِ وَأُسْلُوبِهِ فِي اَلتَّعَامُلِ مَعَ مُعْطَيَاتِ اَلْوُجُودِ وَهَذَا يُشَكِّلُ فِي اَلْحَقِيقَةِ أَكْبَرَ مَصْدَرٍ لِلتَّجْدِيدِ اَلِاجْتِمَاعِيِّ فِي اَلصُّورَةِ اَلذِّهْنِيَّةِ اَلَّتِي هِيَ مَجْمُوعَةٌ مِنْ اَلْمَعَارِفِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ اَلَّتِي يَحْتَفِظُ بِهَا اَلْفَرْدُ وَفْقًا لِنِظَامٍ مُعَيَّنٍ عَنْ ذَاتِهِ وَعَنْ اَلْعَالَمِ اَلَّذِي يَعِيشُ فِيهِ إِنَّهَا نَاتِجٌ عَمَلِيَّةً ( خَضٌّ ) عَقْلِيٌّ وَثَقَافِيٌّ هَائِلٌ يَقُومُ بِهِ اَلْوَعْيُ مِنْ أَجْلِ تَكْوِينِ أَرْضٍ مَعْرِفِيَّةٍ صُلْبَةٍ يَتَّخِذُ مِنْهَا رَأْسِ جِسْرٍ لِلْعُبُورِ نَحْوَ اِسْتِيعَابِ مُفْرَدَاتِ اَلْوَطَنِ .

قُلْنَا وَسَنَقُولُ دَائِمًا : أَنَّ وَعْينَا يَسْعَى دَائِمًا إِلَى شَيْءِ مِنْ اَلثُّبُوتِيَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْمَبَادِئِ اَلْكُبْرَى وَالْقِيَمِ اَلْعُلْيَا فَوَعْي اَلْأَفْرَادِ عَادَةَ مَا يَتَغَيَّرُ أَسْرَعَ مِنْ وَعْيِ اَلْجَمَاعَاتِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ وَلَكِنَّ كُلَّ مِنْهُمَا يَتَغَيَّرُ عَلَى نَحْوٍ تَرَاكُمِيٍّ عَبْرَ وَسَائِلِ اَلْإِعْلَامِ اَلْبَرْمَجَةِ وَالْمُمَنْهَجَةِ فَهِيَ لَهَا تَأْثِيرٌ قَوِيٌّ فِي تَغَيُّرِ وَعْيِ اَلنَّاسِ عَنْ طَرِيقِ تَضَخُّمِ اَلْأَحْدَاثِ اَلَّتِي تُؤَثِّرُ فِي مَجْرَى اَلْوَاقِعِ وَحَقِيقَةِ اَلْوَعْيِ تَتَغَيَّرُ بِطَبِيعَةِ اَلْأَحْدَاثِ وَالصُّورَةِ وَالظُّرُوفِ اَلطَّارِئَةِ وَطَبِيعَةُ اَلتَّرْكِيبِ اَلْعَقْلِيِّ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ . وَبَعْدُ هَذَا كُلُّهُ . فَهَلْ يُمْكِنُ تَجْدِيدَ اَلْوَعْيِ اَلذَّاتِيِّ ؟ يُمْكِنَ عَزِيزِي اَلْقَارِئُ عَنْ طَرِيقِ اِتِّسَاعِ دَائِرَةِ اَلْفَهْمِ وَالْحِوَارِ وَارْتِقَاءِ مُسْتَوَى اَلتَّعْلِيمِ وَالِانْفِتَاحِ وَنَجَاحِ.

اَلتَّرْبِيَةِ اَلْقِيَمِيَّةِ اَلسَّائِدَةِ عَبْرَ اَلدِّينِ وَالْعُرْفِ نَكْزَة وَعْيٌ .

كُتُبُ عُمَرْ بْنْ عَبْدِ اَلْعَزِيزْ إِلَى اَلْحَسَنْ اَلْبَصْرِي يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ أَمْرُ اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي كِتَابٍ فَأَجَابَهُ : ( إِنَّمَا اَلدُّنْيَا حُلْمَ وَالْآخِرَةِ يَقَظَةَ وَالْمَوْتِ مُتَوَسِّطٍ وَنَحْنُ فِي أَضْغَاثِ أَحْلَامٍ ، مِنْ حَاسِبِ نَفْسِهِ رِبْح وَمِنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ ، فَإِذَا زِلْلِتْ فَارْجِعْ وَإِذَا نَدِمَتْ فَاقْلَعْ وَمَتَى جَهِلْتَ فَاسْأَلْ وَمَتَى غَضِبَتْ فَامْسِكْ . )

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق