راي رئيسي

برلمان 2020..
هل هو بحاجة إلى مدونة سلوك أم إلى التطهّر من تركة الاستبداد والايديولوجيا؟

فائزة الناصر

خصص جزء هام من اجتماع رؤساء الكتل النيابية الذي انعقد يوم الاثنين الماضي بقصر باردو بإشراف رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، لمناقشة مسألة مدوّنة سلوك برلمانية وضرورة إيجاد قواعد للعمل المشترك، لتفادي ما اعتبروه “إرباك أشغال المجلس والإساءة في حقّه وحق أعضائه”.

وتداول رؤساء الكتل فكرة تشكيل فريق عمل أو لجنة تشتغل على تطوير العمل البرلماني في مختلف أوجهه .

ويتنزّل الحديث عن مدوّنة السلوك في إطار ما شهدته جلسة يوم الأحد المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2020 من تعطيل بحوالي 40 دقيقة عن موعد انطلاقها بسبب اعتلاء نواب الدستوري الحرّ منصة رئيس المجلس ونائبيه والمكان المخصص لرئيس الحكومة لإلقاء بيان الحكومة.

وللتذكير فإن كتلة الحزب الدستوري الحرّ انطلقت في تنفيذ اعتصام داخل البرلمان منذ يوم 3 ديسمبر الحالي، بدأته أمام مكتب رئيس المجلس ثم تحوّلت به إلى قاعة الجلسات العامة، احتجاجا على مداخلة النائبة عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي في الجلسة العامة لليوم ذاته، والتي وصفت فيها نواب الدستوري الحرّ بـ “الباندية” و”الكلوشارات”، مما نتج عنه حالة من التوتر الحاد وتعطيل أشغال اللجان.

المبادرة التي لا تزال مشروعا ينظر فيه مكتب المجلس قد تلاقي استحسان ودعم نواب وقد تلاقي في المقابل صدا واستهجانا عنيفا من طرف نواب آخرين، قد يعتبرونها محاولة لاستنساخ سياسة تكميم الأفواه والتضييق على حريّة التعبير ولجم استقلالية المجلس النيابي..

بين هذا الموقف وذاك، تتبادر إلى أذهاننا بعض التساؤلات، ما الذي أوصلنا لهذا الحدّ؟ ما الذي جعلنا نبحث عن وضع مدوّنات سلوك للنائب؟ وهل السياسي اليوم بحاجة لمدونة سلوك حتى يضبط تصريحاته وخطاباته؟ ثم ما الذي يجعل نائبا بحاجة إلى وسيلة ردعية لينضبط لسلوك معين؟

إنّ ما رأيناه من خلاف تحت القبّة يصنف على أنه أول إشارات العجز الذي يبدأ برفع مستوى نبرة الصوت كوسيلة للتأكيد على الوجود في حلبة الخلاف، وبالعكس من ذلك كنا نأمل من النوّاب اللجوء إلى النقاش الهادئ والرأي السديد المبني على العلم والمنطق والإقناع بالحجة.. ومن يتصّف بذلك حتما يعلن عن رأيه بكل هدوء لأنه على قناعة تامة بأن المنطق والعلم يصطفان إلى جانبه، فالشخصيّة النيابية شخصية عامة تشترط الحذر والترفّع عن السلوكات “البطولية” و”العنترية” وردود الفعل الآنية والمتسرّعة والغاضبة.

فهذه الحادثة تعني أنها ستعكس ضعفا آخر على أداء النواب المرتبك أصلا، لأن هذا النوع من الخلافات وبهذه الطريقة السلوكية سيولّد احتقانات وتكتّلات وتحزّبات كيديّة لا علاقة لها بالعمل الديمقراطي والمصلحة الوطنية العليا، وهنا لا بدّ أن نتساءل، كيف سيناقش النواب في ظل هذه الأجواء المشحونة والكيدية مشاكل مثل: الأزمة الاقتصادية المالية وانعكاساتها، وغلاء المعيشة، والبطالة والفقر والتفاوت الجهوي وغياب العدالة الاجتماعية والفساد المستشري وارتفاع الضرائب وعدم منطقيتها، وتردّي مستوى التعليم والإصلاح الإداري والأزمة المائية ومشاكل القطاع الفلاحي، وغيرها من القضايا التي تتناسل يوميّا؟ أكيد من حقنا أن نطرح هذه الأسئلة، بل من حقّ أي مواطن عادي يتابع ما يحصل في المجلس من شجار وتناحر وتراشق بالتهم وقذف متواصل أن يتساءل كيف يمكن لمجلس كهذا أن يناقش مشاكلنا ويسن القوانين الضرورية ويتقدّم بالعمل التشريعي؟

منذ سبعينات القرن الماضي لم تكفّ العواصف الاستبدادية والدكتاتورية المعادية للحريّة في كلّ مجالاتها عن التربُّص أو الانقضاض على عناصر هذه الحرية ولوازمها، وعلى رأسها حق الاختلاف واحترام ممارسته في الحياة اليومية للناس. فقد أخذت ثقافة الحوار والاختلاف بالانحسار، وتقلّصت ألوان الحوار المجتمعي لتحلّ محلّها ثقافة الصوت الواحد واللّون الواحد التي لا تقبل الاختلاف، بل تُلقي بالمختلف الأخر في حظيرة التآمر أو الخيانة، فغابت الحوارات حول القضايا الكبرى في شتى المجالات السياسة أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.

وتمترس منذ ذاك الوقت ضعف ثقافة الحوار والديمقراطية والمواطنة في مجتمعنا بل وانعدامها في كثير من الأحيان، ليس فقط في بنية الأنظمة الحاكمة، بل في بنية التوجهات العامة والحركات والأحزاب وفي الإعلام وفي السلوكيات العامة.. التي انبنت على صراعات لا على حوارات..

بعد نفحات الحرية التي جاءت بها الثورة تولّد نوع من الرفض والتمرّد على هذه النزعة الوصائية والرسولية التي مارستها الدولة ونخبتها، وشيئا فشيئا تحوّل التمرّد إلى عنف لفظي وفكري وانفلات في مستوى الخطاب وتصاعدت لغة العنف، وطغى على لغة الحوار التخوين والتكفير والسب والقذف والتشهير والخوض في الأعراض وهتك الحرمات، وتفشت خطابات تتّقد حنقا وغيضا، خطابات مشحونة بمنسوب عال من الكراهية والرغبة في إقصاء الآخر واجتثاثه والتهييج والتعبئة المبطّنة المتبادلة، وترسخت قاعدة الضدية المباشرة والتنافي وأزمة الثقة ورفض كل ما يأتي من الآخر..

وكل ذلك هو نتاج طبيعي ومنطقي لثقافة العنف والقهر والتسلّط والاستبداد والوصاية، التي مارستها الدولة الحديثة طيلة عقود من الزمن.. ولن تمّحي أثارها التي حفرت عميقا في حياة المجتمع إلا من خلال نشر ثقافة الحوار المبنية على التسليم بحقّ الاختلاف والتنوّع، وترسيخ أدبيّات الحوار لدى الطبقة السياسيّة، والخطوة الأولى لتحقيق ذلك هو الاختلاف ليس على مستوى الكلمات أو الشعارات فحسب، بل على مستوى الممارسة الفعلية، بدءا من البيت والمدرسة والجامعة والمعمل وأماكن العبادة وصولا إلى البرلمان والحكومة والرئاسة.. واعتبار الاختلاف سُنَّة الحياة، ولن يكتمل معنى هذه الخطوة إلا بتبني الممارسة الديمقراطية في كلّ مستوياتها ومجالاتها وبالأخص منها في المجال السياسي، والقضاء على كلّ أشكال التعصب، وتثبيت ثقافة حسن إدارة الخلاف..

ولا يمكن لأي دولة من الدول أو مجتمع من المجتمعات القائمة على هذه الأرض، أن ينهض أو يتقدّم إلى الأمام من دون أن تتوفر فيه ثقافة الحوار، وحرية الفكر والتفكير وحق الاختلاف في الرأي، وفي الوقت نفسه نبذ العنف اللفظي والتخلي عن ثقافة النفي والتغييب والإقصاء، باعتبار أن ذلك يشكل الأساس الأول لتقدّم المجتمعات وتطورها..

والأكيد أنّ الحوار لا يمكن أن يفرض بقرارات أو أوامر من فوق، ولا يمكن فرضه بالقوة، ولا بمدوّنات سلوك، فهو لا يولد بالضغط ولا بالترهيب. إنما يولد بالانفتاح على الآخر المختلف عنا واحترام وجهة نظره، دون سقوط في أوحال مستنقع الإيديولوجيا المقيت ودون عداء ولا تصادم ولا تنافي، ولا تجريم ولا تخوين.. والأجمل من ذلك أن تتوفر درجة عالية من المسؤولية الوطنية، المسؤولية تجاه الشعب الذي فوضهم وحمّلهم المسؤولية لإصلاح أحوالهم وتحقيق انتظاراتهم.. المسؤولية أمام المفقرين والمحرومين والعاطلين وضحايا الفساد ومافياته.. والأكيد أن هذا الشعب غير معني مطلقا بخلافاتهم الايديولوجية أو الفكرية أو الثقافية، بقدر ما يعنيه الحلول التي سيقدمونها لحلحلة مشاكلهم، وهذا ما يجب عليهم أن يدركوه..

في هذه الحالة لن يكونوا بحاجة إلى مدونة سلوك لينضبطوا إليها بقدر حاجتهم إلى التطهّر من ترسبات ثقافة الاستبداد والتسلط والإقصاء والرأي المقدس الذي لا يحتمل الخطأ، وتملّك ثقافة الاختلاف والحوار الديمقراطي الراقي وحسن إدارة الاختلاف..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق