الافتتاحية

بعد حوار الغنوشي على الوطنية 1..
مفاصلة اتصالية حاسمة..

بين الإغراق في الخصومة والتصدّي لهموم الوطن
هل تراجع بعض القيادات النهضاوية حساباتها؟

المقابلتان التلفزيونيتان، اللتان أُجريتا يوم الأحد الماضي الأولى لرئيس مجلس النواب ورئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي على القناة الوطنية الأولى، والثانية للوزير والنائب السابق الدكتور عبد اللطيف المكّي على قناة التاسعة، كشفتا عن مفاصلة اتصالية حاسمة..

فالغنوشي أنجز وفق العديد من المراقبين واحدا من أهم حواراته على الإطلاق، لا فقط بسبب الظرف الدقيق والصعب الذي تمرّ به البلاد أو حركة النهضة، ولكن لأنه نجح في تجاوز كل تلك المصاعب، وقدّم خطابا وطنيّا مترفّعا عن الصغائر، بعيدا عن المناكفة، ولبس باقتدار جبّة رجل الدولة ونجح في تفكيك الألغام رغم كثرتها، سواء فيما يتعلق بمسؤوليته كرئيس للبرلمان أو كرئيس لأكبر حزب في تونس.

الغنوشي أدار حواره بحضور ذهني “رهيب” وأثبت إلماما واسعا بمشاكل البلاد وبالحلول التي يمكن طرحها.. وحلّق في حواره في فضاءات رحبة، امتدت من ماليزيا شرقا إلى جنوب إفريقيا، واستلهم في خطابه من الأمثال الشعبية ذات الدلالات العميقة إلى النصوص الفلسفية من فلاسة اليونان إلى الفارابي والمدينة الفاضلة.. وكان يحلّل ويبرهن ويولّد المفاهيم مثلما فعل عندما حاول أن يفكك اشكالية النظام السياسي.. وطرحه لقضية النسبية وعدم وجود نظام سياسي كامل واستحضاره لمفهوم عالم الكون والفساد لأرسطو، كما نجح بذكاء شديد في تفكيك جملة من الألغام الأخرى كقضية الاستعانة برموز النظام السابق، وضرب مثلا على ذلك “بدوكلارك” زعيم نظام الميز العنصري بجنوب افريقيا الذي عُيّن نائبا لمانديلا بعد سقوط ذلك النظام..

كما نجح الشيخ الرئيس في الدفاع عن البرلمان، بذكاء حاد وحجة بالغة أعجزت محاوره .. كل ذلك بلغة راقية ودون التجريح في أي شخص أو حزب أو جهة، كما نجح في الخروج من العديد من المطبات التي حاول محاوره ايقاعه فيها، كمسألة الرئيس الأوحد لتونس والتي أبدا فيها الغنوشي حضورا ذهنيا كبيرا، أو قضية الرسوم المسيئة التي ردّ عليها بشكل لا يبرّر الاعتداء على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولا يضعه في الوقت نفسه في حرج سياسي باعتباره رئيس واحدة من أهم مؤسسات الدولة..

وبخصوص ما يجري داخل حركة النهضة، بدا الرجل متحفّظا، متفهما لمواقف مخالفيه، مصرا على لمّ الشمل وعدم نشر الغسيل، ورد على ما أثير من قضايا تتعلق بالفصل 31 وغيرها، “بلسان الأدب ولم يقل ما يمكن استهلاكه إعلاميا ولا توظيفه سياسيّا بلسان رئيس الحزب”.

إجمالا بدا الأستاذ الغنوشي في حواره، متعال عن الخصومة سواء داخل حركته أو في البرلمان أو مع باقي مؤسسات الدولة، وأرسل رسالة على أنه شخصيّة مطمئنة ومجمعة لا مفرّقة، سواء على المستوى الوطني أو داخل حزبه، وحتى إن انتقد خصومه فبكثير من الدعابة والنكتة ودون تجريح.

في المقابل حصر الدكتور عبد اللطيف المكي نفسه في زاوية ضيّقة من الخصومة الداخلية، تتعلق بالفصل 31 وضرورة رحيل الغنوشي، مما اضطره إلى تكرار نفسه وإعادة نفس الكلام.. وبينما كان الغنوشي يتحدث عن تونس وعن النفط والفسفاط والأراضي الفلاحيّة التي يجب أن تُملّك للشباب.. كان الدكتور المكّي يتحدث عن مشاكل داخلية وتفاصيل قانونية جزئية اجرائية لا تعني التونسيين، على الأقل بشكل مباشر، ولا تحلّ مشاكلهم..

كان خطاب المكّي – للأسف – منغلقا داخل الحركة وداخل بعض الدوائر فيها، ولا يعكس لا انفتاحا ولا اتساعا في الأفق.. ومقابل الخطاب التجميعي للغنوشي وجدنا هنا خطابا صداميا في دفاعه، مُصرّ على “الخصومة” رافضا لأي حلول ممكنة لتجاوز الإشكالات المطروحة داخل الحركة وفي البلاد.

وفي مقابل الوضوح في رؤية الرئيس الغنوشي، خاصة فيما يتعلق بالجمهور الذي يخاطبه، وهو يدرك أنّه يتوجّه إلى عموم الشعب التونسي ومؤسساته الرسمية مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الدولية والاقليمية لبعض القضايا.. لم نكد نعرف من هي الجهة التي يتوجّه إليها المكي بخطابه، هل هي حركة النهضة؟ أم جزء من حركة النهضة؟ أم مجموعة المائة تحديدا؟ أم هو يخاطب الشعب التونسي في عمومه؟

وهنا لا أعتقد أن الأمر كان واضحا للدكتور المكي، فهو لم ينجح في تحديد الجمهور المستهدف بحواره، لذلك لم ينجح كما أرى في تمرير رسائله ولا خدمة صورته ولا إبلاغ فكرته..

فلا هو خاطب عموم النهضاويين، وهؤلاء يرفضون بشكل حاسم وحادّ جدا، ما يسمونه بـ “نشر الغسيل”، أي طرح خلافاتهم الداخلية في وسائل الإعلام، وخاصة إن كانت معروفة بعدائها للنهضة..

ولا هو نجح في مخاطبة الجمهور الواسع من التونسيّين، فما يطرحه وبالطريقة التي طرحها لا يعنيهم في شيء.. حتى وإن تذرّع البعض بأن ما يجري داخل النهضة شأن عام، ولكنه شأن عام بمعنى أنه قد يعني بعض النشطاء والفاعلين والمتابعين والمحللين ولكنه لا يعني تونس الاعماق..

ولا هو نجح في مخاطبة من استضافوه، وهم محسوبون على المنظومة القديمة، بل لعلّه زاد في مخاوفهم وزاد في قناعتهم بأن خطاب الغنوشي التوافقي الذي يدعوا إلى المصالحة في إطار المحاسبة والتعايش والتوافق.. أضمن لهم.

في المقابل بدا خطاب الدكتور المكّي رافضا للمصالحة والاعتذار، مصرّا على خطاب “ثوري” تجاوزته الأحداث، ولم يعد له مكان في تونس بعد 10 سنوات ثورة وبعد تجربة التوافق التي أنقذت تونس من حرب أهلية كانت وشيكة… فهو خطاب يعكس في الحقيقة تيها لدى الكثير من القوى في تونس وخاصة التي راهنت على ثورجية كاذبة كالتي عبر عنها التيار وحركة الشعب..

والخلاصة كما يرى كثير من المتابعين ان الغنوشي كان يتحدث كرئيس برلمان وكزعيم حزب فائز في الانتخابات وكرجل دولة مهموم بمشاغل المواطنين، بينما غرق المكي في تفاصيل خلافات داخلية ظاهرها فصل قانوني وباطنها معركة تموقع تتلخص في محاولة ازاحة الغنوشي قبل الاوان.

المفاصلة الاتصالية التي وقعت يوم الأحد الماضي، ربما تكون نبّهت عددا كبيرا من قواعد الحركة إلى خطورة اللعبة الإعلامية ولعب دور المظلومية ومحاولة الإساءة إلى الحركة ورئيسها عبر بعض الفضائيات.

وأعتقد أن ما وقع نبّه الكثير من الضمائر الحيّة داخل الحركة إلى خطورة هذا المسار وتداعياته على الحركة، ونتمنّى أن تستفيد كل القيادات ممّا جرى يوم الأحد والقيام بالمراجعات اللازمة والعودة لمعالجة الخلافات داخل المؤسسات لأنّها الإطار الشرعي الوحيد التي يمكن الاحتكام إليها.. خاصة وأن الغنوشي أعلن أن لا نية لديه لحكم الحركة بالمغالبة.. وأن مصدر الشرعية فيها هم أبناؤها وليست وسائل الإعلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق