راي رئيسي

بعد لقاء رئيس الجمهورية برؤساء الحكومات السابقين..
الوضع المأزقي والحلول المستعصية..

عبّر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي عن تفاؤله بـ “تخطّي الأزمة السياسية”. وبشّر بـ “بوادر إيجابية قريبا” بعد لقائه برئيس الجمهورية قيس سعيد مساء الجمعة 11 جوان 2021. وقال أنّ “تونس ستكون متعافية وستكون مؤسساتها متماسكة”. وأجرى الأمين العام اتصالات بأطراف سياسية في هذا الاتجاه وُصفت بالإيجابية.

فهل كان حوار رئيس الجمهورية مع رؤساء الحكومات السابقين صباح الثلاثاء 15 جوان 2021، تعزيزا لتفاؤل الطبوبي وخطوة في اتجاه الانفراج وإطلاق الحوار الوطني الذي تأخّر كثيرا؟ إذ تناول اللقاء “كيفية الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس” كما ورد بالصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، التي لم تنشر كالعادة سوى كلمة الرئيس سعيد، والتي كانت أيضا مثارا للجدال بين متفائلين ومتشائمين.

لم نجد صراحة في فيديو لقاء رئيس الجمهورية الأخير بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، ما يعزّز نبرة تفاؤل الأمين العام عقب اللقاء. وإذ نتفهّم توجّه الطبوبي ونبرته ونثني على مساعيه وتصريحاته وحرصه على انطلاق الحوار الوطني المتأكّد، الذي قدّم الاتحاد مشروعا بشأنه منذ أشهر، فإنّنا نظلّ بانتظار وضوح أكبر من جانب الرئيس سعيّد، الذي لا يكاد يفصح عن مواقفه، رغم الخطب المطوّلة نسبيا التي يلقيها على من يلتقيهم. ولا نجانب الصواب حين نقول صراحة أنّ خطاب رئيس الجمهورية أمام رؤساء الحكومات السابقين لم يعزّز نبرة التفاؤل، وظلّ مثيرا للالتباس والجدال في معجمه ومعانيه.

بدت دعوة رئيس الحكومة المباشر هشام مشيشي إلى اللقاء المشار إليه مع رؤساء الحكومات السابقين، وقبوله الحضور دون توضيح صاحب الدعوة لطبيعة حضوره، مثارا لتعليقات شكلية لا تخلو من وجاهة في وضعية ملتبسة. فالأصل أن اللقاء يستهدف الاستفادة من خبرة السابقين وإشراكهم في اجتراح الحلول المناسبة للأزمة المستفحلة، وهذا أمر محمود، لكن لم يظهر في اللقاء ما يدلّ على أنّ المشيشي يحضر للاستفادة بصفته شريكا لرئيس الجمهورية في البحث عن الحلول، ممّا جعل البعض يخشون من المسّ من شرعيته بصفته رئيس حكومة مباشر وليس سابقا.

وإذا تجاوزنا الشكل إلى المضمون، فإنّ الأمر يبدو أكثر تعقيدا وجدالا. فقد بدأ رئيس الجمهورية كلمته بنبرة هادئة ورسائل إيجابية في الاستفادة من أصحاب الخبرة وتكامل المؤسسات وتخييب ظنّ المراهنين على المناكفات وتحميل المسؤوليات، لكن الخطاب سرعان ما تغيّر في أغلب ردهاته، ليستعيد ما تعوّدنا عليه من الرئيس سعيد معجما ومعاني. فوصف رئيس الجمهورية الوضع بأنه “بلغ السيل الزبى” وأنّ الناس يسامون “سوء العذاب” في بلادنا وأنهم يتجمعون حول “حاويات القمامة”. وهاجم الرئيس كعادته “العملاء والمندسّين” واعتمد صيغ المبني للمجهول. وتوعّدهم باللحظة المناسبة التي سيعلم الجميع بما يفعلون.

واستحضر الرئيس سعيد معجم “الشهيق” و”النهيق” و”المستنقعات” و”الخيانة” و”الأكاذيب”. وفاجأ الحضور وسائر التونسيين والمتابعين بالحديث عن علمه بمن “سافر سرّا” وتآمر عليه مع أطراف خارجية بإزاحته من رئاسة الجمهورية بكل الوسائل، بما في ذلك “الاغتيال السياسي”. وهنا العجب والحيرة من مثل هذا الاتهام الخطير بهذه السهولة، وعدم اتخاذ إجراءات بمن يعلم رئيس الجمهورية أنه يتآمر على “قتله”، وعدم إعلام التونسيين بالخطر المحدق برئيسهم وأمنهم القومي.

وتبقى الرسائل السياسية، لا سيما المتّصل منها بالحوار الوطني المطلوب، أهمّ ما في خطاب رئيس الجمهورية. فهو المستأمن على استكمال “الانفجار الثوري” ببلادنا في إطار احترام “المؤسسات والمقامات” لكن دون تساهل أو سكوت عن “المغامرات والمغالطات”. وهو مستعدّ للحوار لكن لا يريده على الصيغة السابقة التي وصف فيها ب”الحوار الوطني”، ونال جائزة نوبل، ويفتخر اتحاد الشغل وبقية المنظمين والمشاركين بمخرجاته، ولكنه لم يكن في نظر الرئيس سعيد “لا حوارا ولا وطنيا على الإطلاق”. وهو يريده حوارا حول النظام السياسي والنظام الانتخابي. ولم يكد يتعرّض للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادّة، ولا للأوضاع الصحية الخطيرة جدا، ولا للتوازنات المالية والمديونية المثيرة للفزع. بل لمّح الرئيس مرّة أخرى أن الثروات موجودة والأموال أيضا، والمشكلة الوحيدة هي استشراء الفساد. وكاد رئيس الجمهورية أن يفصح في آخر خطابه عن مراده حين دعا مخاطبيه إلى “حوار متساوق مع مسار التاريخ” وذكر أنّه يريد “حوارا يمهّد لحوار آخر” من أجل “نظام سياسي جديد” و”دستور حقيقي”.

ما أروم التنبيه إليه من خلال هذه الوقفة مع خطاب رئيس الجمهورية الأخير أمام رؤساء الحكومات السابقين، أن لا نجتزئ الخطابات ونكتفي بما نودّ سماعه أو الترويج له، فنسوّقه ونغضّ الطرف عن باقي الخطاب، وإن كان أغلبه. وأن لا تغطّي رغباتنا في التوافقات حقيقة الخلافات. فالحوار الوطني دون إقصاء ولا وصاية، وفي جميع القضايا، يظلّ” المطلب المتأكّد. ومن مقتضيات نجاح الحوار تدقيق مواضيعه وآلياته وسقفه الزمني، والتزام جميع المشاركين فيه بمخرجاته وتوفير المناخات السياسية والاجتماعية المناسبة لإنفاذها وإعطاء المهلة الزمنية الضرورية لإنقاذ الوضع وتعافي الاقتصاد ومؤسسات الدولة. وهذا ما يستدعي وضوحا أكبر من جميع الفاعلين وانسجاما بين الراعين المفترضين للحوار لا سيما اتحاد الشغل صاحب المبادرة ورئيس الجمهورية المعروضة عليه للتبني والإشراف.

يوجد اتفاق واسع على أنّ تونس تمرّ بأزمة مركّبة ومتراكمة ومتشابكة. فهي أزمة اقتصادية واجتماعية وصحية وسياسية، تعود جذورها إلى سنوات سابقة وحكومات متعاقبة، وترتهن فيها الحلول الاقتصادية والاجتماعية للإرادة السياسية، وتهدّد فيها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المُنجز السياسي. ولكن لا يوجد إدراك مشترك للتداعيات السلبية للأزمة السياسية على بقيّة الأزمات، وزيادة تعقيدها ومنع التوصّل لحلول لها. كما لا يوجد اتّفاق على مصدر التعطيل الرئيسي لمؤسسات الدولة وتوتير المشهد السياسي ومفتاح تجاوز الأزمة السياسية. ولم يتوفّر بعد المنسوب الأدنى من الثقة الضرورية بين الأطراف، ولا المعجم المناسب المشترك، ولا الوضوح الكافي لإطلاق حوار وإنجاحه. وفي المقابل لم يعد الوقت متاحا لتأخير الحوار وترنّح الأزمة، إذ بلغ الغضب الشعبي مداه وصار منذرا بسوء العواقب. وهذا ما يجعلنا متشائلين حول آفاق الحوار الوطني المطلوب، ونصف الوضع بالمأزقي والحلول بالمستعصية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق