راي رئيسي

بعيدا عن الشعبوية .. قريبا من عوالم الناس..
تونس تتلاشى .. حقيقة لا مجازا!!

كلما كان التشخيص دقيقا وجريئا وصريحا كانت فرص المعالجة أوفر وأسرع.

السياسيون يحاذرون حين يتكلمون في الشأن الوطني وفي الأزمات مخافة ارتداد كلامهم كله أو بعضه عليهم فيخسرون بحساب السياسة بما هي الآن حِيَل الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه.

الشعوب عادة توحدها الأخطار الخارجية أو الكوارث الطبيعية أو قبضات الاستبداد فتستجمع طاقاتها ومهاراتها للدفاع عن سلامتها وعن فرص البقاء وحظوظ العيش وأشواق التحرّر.

التونسيون قبل 2011 كان ثمة ما يجمعهم حتى وإن لم يعبر أغلبهم عنه، كان ثمة خوف وكان ثمة شوق وكان ثمة رفض صامت في الغالب لما هو سائد سياسة وثقافة واقتصادا.. كان ثمة انجذاب نفسي جماعي لحُلم كامن في “الغيب” لا دليل على حدوثه إلا في دعوات الضعفاء واستشراف الخبراء وقصائد الشعراء.

لم يكن احتراق البوعزيزي رحمه الله حدثا عظيما وإنما كانت العظمة في الهشيم المحيط بانقداح نار البوعزيزي، هشيم على أهبة للاشتعال ولتمدّد ألسنة النار في كامل جغرافيا الوطن.. لم يكن البوعزيزي فردا إنما كان موقدَ غضب مُستجمعًا من أفئدة عموم الناس وزفراتهم.

تلك “النار” تحوّلت إلى حارسة لـ “الثورة” يتحَلّق حولها شباب وكهول وشيوخ الأحياء تحسبا لردود فعل أعداءَ محتملين .. لقد تبين بأن النظام لم يكن مستندا إلا إلى خوف الناس وليس له مناضلون مبدئيون ولا أصدقاء يموتون من أجله.

كان سهلا أن تُساسَ أحلامُ الناس بأي حكومة مؤقتة ناعمة تتكيّف بحسب ضغط الشارع وتتجه حيثُ يُشير وحيث يتجه.. لم تجد حكومة الباجي أي عناء في قيادة البلاد وإبلاغها مأمنها الإنتخابي في 23 أكتوبر 2011.

لأول مرّة يخرج التونسيون بتلك الحماسة والكثافة والصبر في الطوابير الطويلة لانتخاب من يمثلهم.. كانت أجمل لحظة من لحظات تجلي الأمل والوطنية والمسؤولية.

مع الأسف، نتائج أول انتخابات شفافة ونظيفة لم تُعتَمد كمنطلق للبناء الديمقراطي والتدرب المدني والسلم المجتمعي وإنما كانت منطلقًا للاصطفاف لا على قاعدة البرامج والمناهج وإنما على “غريزة” “الضِّد” حين أعلن المناضل نجيب الشابي ـ ولعله تكلم باسم آخرين ـ أنه سيكون في “المعارضة”.

منسوب الحرّية الذي تفجّر بعد هروب بن علي لم يُحسن التونسيون استثماره في إنتاج ثقافة الثورة وخطاب المستقبل ودلالات الديمقراطية ومفاهيم الموطنة والتمدن وقيم التعارف والتسامح وتقاليد الحوار والتعارف والتثاقف.

مع الأسف، لقد سمحت الحرية بتفجر براكين من العُقد النفسية ومن الأحقاد الإيديولوجية ومن الغنائمية السياسية ومن الكيد والتآمر والأنانية حتى شهدنا وخلال سنة واحدة تقريبا انبعاث أكثر من مائة حزب لا تكاد تفصل بين أسماء أغلبها ولا تميز بين شعاراتها وخطابات رموزها.

مع الأسف، لقد تفرق التونسيون من حول “الثورة” ومن حول “الحرّية” ومن حول “الديمقراطيّة” ومن حول “تونس” وتوزع الساسة وهواة السياسة بين مائتي حزب الآن أو يزيد.. وتحوّلت القنوات التلفزية إلى ساحات وغى يتبارى فيها أغلب السياسيين في “اللامعنى” ويتقاذفون بالتهم والمعايب وينبشون في تاريخ بعضهم ويبحثون عن أي أثر لدليل إدانة وتخوين وترذيل .. لقد سمّم السياسيون المشهد والفضاء السمعي البصري وشحنوا الأتباع والأشياع والمريدين بالأحقاد والكراهية والأوهام.

أجواء الصخب والتخوين والوعيد والإرباك وهتك الأعراض والتلبيس والتشويه والإضرابات الكيدية سمحت بكل أشكال الاختراق الخارجي ومن جهات عدة عن طريق السفارات والمخابرات واللوبيات والأشخاص المشبوهين ولم يكن عسيرا تنفيذ عمليتي اغتيال لرمزين سياسيين في أقل من ستة أشهر وفي واضحة النهار ودفعت البلاد إلى مزيد الارتهان للجهات المقرضة والمانحة وما يستتبع ذلك من إملاءات وضغوط تمس من سيادتنا الوطنية سياسة وتشريعا وثقافة ونمط حياة.

انقسم الشارع التونسي على نفسه في أكثر من مناسبة لا في أجواء تنافسية ديمقراطية هي ضرورية وإنما في أجواء “حربية” توشك أن تُوقع بعضا في بعضٍ لولا عناية من الله ورحمة.

السياسي عادة يقول ما تقتضيه مصلحة الحزب أما المثقف فيقول ما تقتضيه الحقيقة، السياسي يستمر عادة في الوهم، المثقف يشتغل على السؤال والنقد والنصح.

التفاؤل ليس أن نُشيع أوهاما إنما التفاؤل أن نكشف عن المخاطر دون أن نخاف منها ودون أن نفقد الثقة بقدرتنا على تجاوزها.

تونس يتهددها مُرَوّجُو الوهم ومُروّجُو اليأس على السواء.

لم يعد خافيا على التونسيين أن أحزابهم في أغلبها مفتوحة على السفارات لا على قاعدة التعارف وتبادل وجهات النظر وإنما على قاعدة “الاستقواء” و”الاسترضاء” وهو ما يهدد السيادة الوطنية والوحدة الوطنية.

الاختراقات لا تبدأ من حدود الجغرافيا إنما تبدأ من حدود الوعي ومن أسوار الأنفس والضمائر ومن سماء الروح والأشواق.

رأينا التونسيين ينقسمون على أنفسهم في أكثر من مناسبة ذات علاقة بطرف خارجي: زيارة الرئيس أردوغان/ زيارة ماكرون وتصريحه حول الإسلام والديمقراطية/ مشاريع شراكة استثمارية مع كل من تركيا وقطر، زيارة الغنوشي لتركيا، مكالمة الغنوشي مع السراج، ترشيح يهودي تونسي وتأويلاته السياسية/ تقديرات الموقف من الأحداث الإقليمية والدولية في علاقة بالملف السوري وتداخل دول العالم فيه.

ليس ثمة من خطر في تعدد وجهات النظر أو اختلاف التقديرات ولكن الخطر حين تتحول تلك القضايا الخلافية إلى قادح دائم للمعارك والأحقاد والتصنيفات المهلكة.

مع الأسف، لم نستفد من نعمة الفايسبوك ولا من نعمة الحرية لإدارة حوارات هادئة عميقة مجدية هي من صميم الثورة ومن مقومات الوحدة الوطنية ومن مقتضيات التحرر والتمدن والتنمية.

مع الأسف، لقد انفرط الكل على الكل وصرنا كما المجانين بلا عقل ولا أخلاق ولا أهداف ولا رسالة ولا صبر ولا حب ولا توقير ولا رحمة ولا صداقة ولا أخوة ولا رِفقة ولا عِشرة .. لقد صرنا بلا “قضيّة” وبلا هيبة دولة يخترقها مهربو أسلحة تكون بلاستيكية ويتحداها أبناؤها في مختلف أسلاكها فلا تقدر على حماية نفسها بالقانون ولا بروح الثورة.

التونسيون يخوضون ضد بعضهم حربا مدمرة للنسيج المجتمعي وللوشائج الأهلية وللسلم المدني ولحظوظنا في مستقبل يستقر فيه أبناؤنا وبناتنا.

مع الأسف، كانت السلطة وحدها تمارس “الخيانة” وكان “الضمير” مختبئا في أعماق الجماهير خائفة أو مترددة، اليوم “الخيانة” موزعة بمقادير بين الجميع وفي اتجاهات متعددة من خيانة الوطن إلى خيانة القضية إلى خيانة الأصدقاء إلى خيانة اللغة.

الحروب تُخاضُ دائما في اللغة وباللغة .. التونسيون يتناهشون في عوالم اللغة ويتقاذفون بمفردات من قاموس معتقٍ عُقدا وأوهاما وأنانية .. التونسيون يخسرون بعضهم ويفتحون للأعداء منافذ ومسارب .. تونس ليست آمنة .. تونس تتلاشى.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق