الافتتاحية

بغض النظر عن الوثيقة المسرّبة..
 الانقلاب هاجس يسكن جزءا من النخبة التونسية..

إنكار رئاسة الجمهورية في شخص الملحق بالدائرة الدبلوماسية لرئاسة الجمهورية علاقتها بالوثيقة التي سربها موقع “ميدل إيست أي”، ورغم أنه جاء متأخرا نوعا ما، فإن هذا الإنكار جيد وإيجابي ومهم لاستقرار الأوضاع في البلاد ولنتبين حقيقة ما يروّج عن الانقلاب الدستوري الذي تّعد له دوائر حول الرئيس..

التوضيح الذي ورد من الرئاسة مهم، رغم أنه جاء بعد تردد على ما يبدو، لأنه يزيل غيوم من الشك كثيفة خيمت على البلاد طوال يومين، التزمت خلالها مؤسسة الرئاسة الصمت، في موضوع على غاية من الحساسية مثل الانقلاب على مسارنا وتجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي.. التردد نستنتجه من التأخر في الرد أولا، ومن عدم مبادرة رئاسة الجمهورية إلى رفع شكوى قضائية ضد الموقع البريطاني، وهي لن تفعل على ما يبدو، الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا في سياق الخشية من أن تكون المحاكمة مناسبة لانكشاف الكثير من المسائل المتعلقة بما يجري في القصر وفي محيط الرئيس..

إنّ سؤال من سرّب الوثيقة ومحاولة إلصاق التهمة ببعض الأطراف السياسية وتغيير وجهة الأحداث لم يعد يجدي نفعا بعد التصريحات التي أطلقتها المستشارة الإعلامية لرئاسة الجمهورية رشيدة النيفر ولمّحت خلالها إلى إمكانية أن تكون الرسالة مسربة من القصر أو دوائر القصر.. وبعد ما تسرب عن البصمة الإلكترونية المتضمنة بالوثيقة والتي يمكن من خلالها معرفة المرسل ومكان الإرسال وصولا إلى تحديد الحاسوب الذي كتبت فيه الوثيقة..

سؤال من سرّب الوثيقة لم يعد له معنى، فالصراع حول الرئيس احتدم منذ فوزه بالانتخابات، وانقلاب التحالفات من حوله فالذين صوتوا له وآزروه ووقفوا معه باتوا الآن من أشد خصومه، والذين شككوا في قدراته ومداركه واتهموه بأبشع النعوت وشنعوا به كما لم يقع مع أي رئيس من قبل باتوا اليوم بطانته ووسادته البرلمانية.. أضف إلى ذلك فإن المجموعات الشبابية التي كانت حول الرئيس وقادت حملته التفسيرية كل هؤلاء ومن بينهم شخصيات معتبرة، لم تنجح في لقاء الرئيس مرة واحدة بعد فوزه، وهؤلاء كثر وعبروا عن امتعاضهم من الإقصاء الذي تعرضوا له عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال وسائل الإعلام، ولعلّ حزب الشعب يريد وقياداته وتصريحاتهم خير مثال على ذلك..

هذا الصراع حول الرئيس، لم يعزله عن محيطه وعن ناخبيه، فقط، بل خلق بلبلة من حوله وصراعا أضرّ بالبلاد وبمؤسسة الرئاسة، بل وصل العبث بهذه المؤسسة إلى حدّ منع وزير الخارجية المغربي الذي ذهب إلى القصر مرفوقا بوزير الخارجية التونسي من لقاء الرئيس، وأعيد على أعقابه من على أبواب القصر في مهزلة وفضيحة دبلوماسية غير مسبوقة لبلادنا.. و للأسف فهذا الصراع حول الرئيس يتخذ اليوم من التسريبات وتصفية الحسابات جزءا من أدوات معركته، لذلك فإن سؤال التسريب لم يعد له معنى الآن..

أما من جهة مضمون الوثيقة، فإن من يُنكر ما جاء فيها، هو أحد رجلين: إما أنه غبي أحمق، أو أنه يتغابى ويتحامق، وفي ذلك مخاتلة لن تمرّ.. فالمضامين التي تدعوا إلى إنزال الجيش إلى الشوارع والمدن ومناطق الإنتاج ووضع السياسيين في الإقامة الجبرية وحل البرلمان وإعلان الأحكام العرفية، بما يعني وضع اليد على الإعلام وعلى القضاء وتسييره بمراسيم رئاسية وفتح محاكم التفتيش للقنوات الإعلامية التي تعبّر عن رأي مختلف، وغيرها، كلّها مضامين وقع الحديث عنها والدعوة لها ونشرها علنا وبكل صفاقة من قبل بعض الأطراف السياسية..  ونتحدث هنا بالتحديد عن التدوينة الشهيرة لمحمد عبو التي بدأها بسؤال هل يمكن حل البرلمان؟ وأجاب بنعم… ثم أوضح كيف ذلك..  والفارق بين تدوينة عبو والوثيقة المنشورة هو أن الوثيقة التي نشرتها “ميدل ايست أي” هي عبارة عن مخطط تفصيلي لما ورد في تدوينة عبو..  ثم إنّ عقلية الانقلاب على المسار والدعوة له باتت خبزا يوميا لجزء كبير من النخب الثقافية والسياسية في بلادنا.. وتدوينات هؤلاء بما في ذلك التي تدعوا إلى الدم والقتل لا تزال مرسومة على صفحاتهم..

أعتقد أن أهمية التسريب الأخير تكمن في مجموع الرسائل التي أجزم أنها موجهة إلى القصر وإلى دوائر القصر وكل من لا يزال يحلم بالانقلاب.. وهذه الرسائل تتعلق بالجهة التي نشرت الوثائق ودلالات ذلك، وكأني بهذه الجهات تقول للمنقلبين أنها على دراية تامة بما يخططون، وأنها ستقف بوجههم وتفضحهم..

والرسالة الثانية وهي رسالة وجهت مباشرة وبالوضوح الكامل من قبل قوى دولية إلى أكثر من جهة سياسية في تونس، وهي أن المنتظم الدولي يدعم للانتقال الديمقراطي والاستقرار السياسي في بلادنا، ومن يرفض فهم هذه الحقيقة، أو يتجاهلها، ستقال له بطرق أكثر وضوحا وبطريقة عملية..

أما الرسالة الثالثة التي تضمنتها مقالات العديد من الصحافيين الكبار وحتى الباحثين والمفكرين في العالم من فرنسا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة، من francois burgat إلى nicola bo وDavid Hirst  رئيس تحرير “ميدل إيست أي” والكاتب الشهير بصحيفة الــ “The Guardian” البريطانية.. هذه المقالات تُقيّم سلبا سياسة قيس سعيد في تونس… وتُحذّر من نشأة دكتاتورية جديدة وتنبّه إلى خطورة الخطاب الشعبوي الذي يعتمده الرئيس..  ولا أدري هل تفهم الدوائر المحيطة بالرئيس والرئيس نفسه مضامين هذه الرسائل أم لا؟ وهل يدرك هؤلاء أن تلك المقالات والمنشورات تعكس بالضرورة رؤية وتقييم وربما موقف القوى الدولية الكبرى من القصر وما يجري بداخله..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق