الافتتاحية

بينت أن النهضة الأقرب إلى نبض الشارع..
ملحمة 27 فيفري تؤسس لواقع سياسي جديد وتكذب عمليات سبر الآراء وتفشل محاولات الشيطنة..

ردود الفعل غير العقلانية وغير المتوازنة التي صدرت عن بعض القوى السياسية والمنابر الإعلامية والشخصيات التي تدّعي بالوطنية، تجاه المسيرة التي نظمتها حركة النهضة يوم 27 فيفري الماضي، يمكن تفهمها، ويمكن إيجاد مبرّرات لها، لأن الصدمة كانت كبيرة، والمفاجأة كانت أكبر..  الصدمة من ذلك الحشد الذي لم تشهد تونس له مثيلا، وفق كثير من المتابعين، ومن تلك الأمواج البشرية التي ملأت العاصمة تونس في مشهد لم نكد نقف عليه في تاريخ تونس الحديثة..  والمفاجأة، من قدرة الحركة على التحشيد، رغم كل ما تعرضت له خلال عشر سنوات من شيطنة وهرسلة إعلامية غير مسبوقة، سخّرت لها إمكانات رهيبة ودعمتها قوى إقليمية وحتى دوليّة، ورغم كل المسرحيّات سيئة الإخراج بدءا من محاولة ربط النهضة بالاغتيالات السياسية ومن ثمة بالإرهاب ومن ثمة الادّعاء بأن لها جهازا سريّا، وميلشيات، حتى لا تكاد تمر دقيقة واحدة في أي برنامج تلفزي حتى وإن كان رياضيا دون التعرّض للنهضة وقياداتها وعلى رأس الاستاذ راشد الغنوشي..

رغم كل ذلك، ووسط ذهول محلي وإقليمي ودولي، انتفضت النهضة كطائر الفينيق ينهض من تحت الرماد، ويفاجئ العالم بأن كل محاولات الاستهداف والشيطنة وحتى محاولات التقسيم واللعب على التناقضات الداخلية، لم تنل من الحركة ولو قيد أنملة.  لذلك، وبدل التركيز على حقيقة الرسائل التي ترسل بها تلك المسيرة، فضّلت نخبنا السياسية الهروب من الحقيقة، وغمس رأسها في التراب، وبدل مواجهة الحقيقة حتى إن كان وهجها يؤلم الأعين أحيانا، خيّرت هذه النخب التركيز على الهوامش، مثل التكلفة العالية لحشد كل ذلك العدد من مختلف أنحاء الجمهورية، والتركيز المبالغ فيه جدا على التداعيات الممكنة لهذا الحشد على انتشار فايروس كورونا وعدم احترام النهضة وقياداتها للبرتوكول والصحي، وغيرها من التحاليل التي كانت تعبر على حالة الجنون التي أصابت بعض القوى من تلك المسيرة ومن بينها الإدّعاء بأن هذا الحشد يؤكد قرب نهاية حركة النهضة أو إفلاسها السياسي وهناك من ذهبت به التخميرة حدّ مقارنة ملحمة 27 فيفري بالمسيرة التي خرجت يوم 13 جانفي دفاعا عن المخلوع.. والكل يعرف أن لا مجال للمقارنة..

الرسائل المباشرة والواضحة للمسيرة، والتي حاولت العديد من القوى التهرب منها وتجاهلها هي التالي:

– أن عشر سنوات من الكذب والشيطنة والهرسلة الإعلامية ومحاولة اتهام النهضة بكل أنواع التهم من الارهاب إلى التطبيع مع الفساد إلى تدمير الدولة… لم تؤثر شيئا على حركة النهضة وعلى جسمها الصلب الذي أكدت ملحمة 27 فيفري المجيدة أنه ازداد اتساعا وتماسكا وصلابة.. وهو ما يطرح على وسائل الإعلام التي لا أجندة لها غير النهضة، وعلى مموليها، وعلى اللذين يسترزقون منها، أسئلة عديدة، عن الجدوى من كل حملاتهم ومما ينفقونه عليها …

والسؤال الأهم هل أن هذه الحملات آتت أكلها كما كان يريد أصحابها أم أنها أتت بنتائج عكسية؟

– أن كل محاولات خلق واقع وهمي وافتراضي سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات التي تشتغل عليها وتنفق في سبيلها أموالا طائلة، أو عبر مجموعات سبر الآراء الموجهة، والتي تهدف إلى خلق واقع سياسي موهوم ومزعوم أكثر مما تعبر عن واقع موجود حقيقة على الأرض.. كل هذه المحاولات انهارت تحت أقدام عشرات الالاف الذين تدفقوا على شارع محمد الخامس، ليؤكدوا أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض…  للأسف أن بعض الذين اعتبروا التحشييد المحتشم جدا لبعض القوى وخاصة الاجتماع الذي عقد في سوسة يوم الأحد 21 فيفري، مؤشر على صحة عمليات سبر الآراء.. هؤلاء هم أنفسهم اعتبروا أن التحشيد منقطع النظير الذي قامت به النهضة دليل على إفلاسها السياسي وقرب نهايتها..

– أن النهضة موحّدة، حول قيادتها رغم كل محاولات اللّعب على التناقضات، والنفخ في صورة بعض “الزعامات” النهضاوية، ومحاولة تقديمها على أنها يمكن أن تكون ندا للعنوشي، وأنها يمكن أن تأكل من شعبيته داخل الحركة.. والهدف طبعا هو محاولة تقسيم الحركة وضربها من الداخل بعد أن فشل الجميع في محاولة ضربها من الخارج… وأن الجسم النهضاوي الذي اعتقد البعض أنه ضعف أو خمل أو انتهى لا زال حيا متقدا حيوية وثورية وعطاء.. وأنه جاهز في أي لحظة ليضرب مجددا مواعيد مع التاريخ.

– أن من يتحدثون باسم الشعب لا يمثلون إلا أقلية قليلة جدا وأن الشعب في غالبيته مع النهضة سواء في الشارع وهو ما برهنت عليه ملحمة 27 فيفري أو في صناديق الاقتراع عبر كل المحطات الانتخابية التي مرت بها بلادنا منذ الثورة وحتى قبل ذلك..  وللهروب من هذا المأزق، تحدث بعضهم على أن من نزلوا في مسيرة 27 فيفري ليسوا من الشعب التونسي، بل هم أنصار وقواعد النهضة.. وكأن أبناء وقواعد وأنصار النهضة أتوا من المريخ .. في المقابل عندما ينجح هؤلاء في تحشيد مائة شخص ترى منابرهم الإعلامية تتحدث عن الشارع الغاضب، والشارع الرافض للمنظومة السياسية..

– إن كل المحاولات لجّر البلاد إلى حلول أمنية أو عسكرية أو كل أنواع الاجراءات الاستثنائية غير الديمقراطية وغير الدستورية، لن تمر، فالشارع الذي تتحدثون عنه ماثل أمامكم وهو الشارع الحقيقي، والمُعبّر عن مختلف فئات وأطياف وجهات البلاد.. والشارع الذي تتحدثون عنه مع دعم الشرعية والمحافظة على المسار واستكمال البناء الديمقراطي، وأن كل من يروج لما هو عكس ذلك، إنما ينفخ في ريح أو يحاول أن يُحدث ثقبا في الأمواج. ملحمة 27 فيفري المجيدة، زلزال هز الكثيرين، هناك من استفاق وحاول رؤية الامور كما هي، وأقر بالحقيقة، ودعا إلى التعامل معها بعقلانية، وهناك من أصر على غييه، وخيّر الهروب إلى الأمام والإنكار.. وبين هذا وذاك، هناك حقائق الميدان والأرض، وهناك حدث خلف ارتدادات سيكون له أثرها في الساحة السياسية داخليا وخارجيا وحتى على المستوى الجسم النهضاوي، لأن نجاح المسيرة بتلك الكيفية المبهرة فيه أيضا انتصار للغنوشي وتأكيد لزعامته على الحزب، خاصة وأن بعض “مخالفيه” دعوا إلى مقاطعتها وعدم الانخراط فيها وهنا بدا هؤلاء وكأنهم على هامش الأحداث وهامش النهضة وهامش الجسم النهضاوي..  الغنوشي أكد أنه زعامة كبرى داخل النهضة وفي البلاد وحتى على المستوى الاقليمي، سواء من خلال نجاحه في المراهنة على المسيرة أو من خلال كلمته التي كانت مجمّعة وداعية إلى التوفق وإلى التواد ونبذ الخلافات والأحقاد، والرسائل التي أرسلت بها المسيرة الحاشدة بشارع محمد الخامس هي الآن بصدد القراءة والتحليل لدى العديد من الدوائر في الداخل والخارج..

لذلك أقول وأنا متيقن أن 27 فيفري سيكون له ما بعده.. وكل التحاليل التي تتجاهل تلك الملحمة ستكون كمن يضرب في عمى..  ملحمة 27 فيفري المجيدة ستؤسس لواقع سياسي جديد، مختلف تماما عن واقع الزيف والبهتان والمشهد المفبرك الذي أراد البعض رسمه لبلادنا… خلال كامل المرحلة السابقة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق