راي رئيسي

بين الحكمة والهوج في السياسة والهرَج

الذكي من ينتصر بأقل ثمن والأذكى من ينتصرُ بلا ثمن. وإنّ المعارك التي نربحها هي التي لا نخوضها وإنّ أمضى سلاح هو الذي لا يُستعمل و”الخصم اللدود” من نرتمي في أحضانه نشل حركته ونضيق عليه مسافة التسديد فلا يجد متسعا لتخير مواضع الضربات الموجعة…

يندفعُ الأهوجُ كاشفا صدرهُ ـ يقول شجاعٌ ـ ويُصفق لهُ الأطفالُ وهواة العراك يوهمونهُ بما ليس فيه ويُزينون لهُ سدّ الأنفاس على مُخالفيه يُصورونهم لهُ أعداءً ومتآمرين… من قال إنّ ذاك “خصمٌ لدود”؟ ومن قال إنّ ذاك الخصمَ “لدود”؟ ومن قال إنّ المتخاصمين لا يُخفون في الخصومة ودّا؟…

نحتاج قراءة في الإنسان ونحتاج كل ما لا حاجة للفتنة به… أحتاجك أيها “الخصمُ” حتى أراني وحتى أعرف أنني لست وحدي في المكان ولست أنا فقط من تتبدى في كلماته “الحقيقة” أو يُبايعهُ الناسُ على أقواتهم وأرواحهم…

أنا … واحدٌ من كثيرين وواحدٌ فيهم قد لا أُرى حين يزدحمُ السيرُ وحين يُثارُ الترابُ على التراب… أحتاجك أيها الخصمُ حتى لا أكون “عدمًا” ولا أدعي “ألوهية” ولا يسكنني الصدى… في الخصومة وجعُ التدافع وقلق اليقظة وفي الصداقة شيء من الخجل والبرد ـ ولا شك مودة ونصح ٌوحمية ـ.

كلما تكاثر المختلفون تأكد أنّ الحياة بعافية وأنّ المستقبل سيتناسلُ عن خصوبة الحاضر… أحتاج كثيرا من الخصوم يخصمون فائض نشوتي وفائض أوهامي… وأخصمُ من المسافة بما يُقرب بيني وبينهم حتى لا يكون حرج في مصافحة أو احتضان… ولا خوف من “قذف” إذا ضاقت المسافة واتسعت الصدور… يخشى صُناعُ الفتن حصرَ مواقد الجمر ويخشون كل ابتسامات صفاء… يخشون خطابا يعتدلُ فيه الأملُ والألمُ بحيث يكون النقدُ وقودًا للدفع وتكون الأسئلة ومْضًا وبشائرَ لا صيدًا للأخطاء ولا تمهيدًا للفوضى.

قال حكيم لا يعرف كونه كذلك: كلما اكتشفت فيّ عيبا قديمًا عاتبت أصحابي إذ لم يُبْدُوهُ إليّ، واعتذرت لخصومي إذ عابوهُ عليّ… وقال أحدُ المسكونين: لو أنّ لديّ خصومًا حقا لدَنوْت من “الحق”، ولكنّ خصومي يختصمون عليّ وأنا أشهدُ أنّ الكل على حق لو كانوا إليه مُختلفين أو حتى مختصمين.

استعراض البلاغة والشجاعة لم يعدْ من طبع العمل السياسي ولا من سمات الثقافة… لكم حققنا انتصارات في النص ولكم مرّغنا أنوف المستكبرين والظالمين في  بحور الشعر ورماله… كنا نغوص في المعنى ونوغل في ملذات الخطابة ونطالُ بالكلمات من لا تطالهُ النسماتُ… كان “الفاهمون” ينظرون في مفاصل الحركة وتفاصيل المعاش وكان “الواهمون” يسيحون في أحلام ليس ثمة ما يؤكد احتمال تحققها… كان ثمة مُتسعٌ من العمر يومها ووفرة من الشباب ومن ظلال المكان… كان ثمة انشراحٌ للخيال وللتأويل وكنا نعتقدُ في كون “الجماهير” صنيعة بلاغية وكون “الثورة” كامنة في خمائر النصّ. كان “الفاهمون” يقولون: إنّ الحساب من علم الكتاب ومن يملك قُوتك يملك أن يقودكَ ومن يُطعمك يُلجمكَ والناسُ قلوبهم شتى ومعدتهم واحدة والفاهمُ من يبسط يدهُ على مخازن الرزق وعلى مقبض العصا.

لا براءة لأحد مما كان ولا مما سيكون… ومن كان أعلمَ فهو أعظمُ مسؤولية أمام الوطن والتاريخ وأمام الله… ولا جدوى من معرفة الحق ما لم نعرف الطريق إليه وما لم نحسن صياغتهُ… وكما الأوطان أمانة فإنّ الكلمة أمانة لا تشهدُ زورا ولا تُحرض على فوضى ولا تغيض الصدور.

ولا يكفي حسن النية ما لم نحسن التقدير إذ الأفعال بنتائجها.

أعتقد أنّ من أوكد مهام الكاتبين اليوم هو التحريض على الأمل وعلى “الارتماء في أحضان الخصوم” لتضييق المسافة بيننا وبينهم ولمنعهم من قذف ما بأيديهم من مؤذيات ولسد الفراغ على سعاة الفتن والفوضى حتى لا يجدوا ما يأفكون ولا يوقعون بين المختلفين وليس بين “الاختلاف” و”الاختلاق” سوى “نقطة” واحدة، قد تفعل الأفاعيل وتؤذي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق