راي رئيسي

بين العدمية  والصفقات المشبوهة..
 مسار سفينة تونس  إلى أين؟

– فائزة الناصر –

“مادام في الباخرة التي تبحر بالوطن من يريد أن يلقي بجزء منها في الماء للتخلص منه فلن تكون هناك ديمقراطية، ولن ينجح مسار ديمقراطي في المضي في طريقه”.. كلمة اختزل بها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي المشهد السياسي كما يريد له بعض العابثين بمصير وطن أن يكون، في نظره..

في الحقيقة هكذا فعلا يبدو المشهد السياسي بعد الانتخابات اليوم، أطراف تتحالف من أجل استبعاد غريم وأطراف تتصارع من أجل استبعاد خصم.. وجميعهم يجمعهم هوس الرغبة في الاستئثار بسطح السفينة والتخلّص من الخصم بأي ثمن كان حتى لو كان غرق السفينة بمن عليها..

تقارب أو ربما بمعنى أدق تحالفات موضوعية وتكتيكية نلاحظها هذه الأيام بين أضداد، تحالفات تبدو مشوهة وهجينة حتى ما عدنا نميز هوية هذه الأطراف ولا نفقه لخطاباتهم دلالة، فأصبحنا نستمع إلى اليساري يمتدح ويثني على الليبرالي ويتحول فجأة إلى حليف استراتيجي للرأسمالي وأقيمت علاقات القربى والمصاهرة بين فوضويين عبثيين وبين ثورجيين متنطعين وأغلق باب الثأر  بين الناطقين الرسميين باسم الثورة وبين الذين لطالما اعتبروهم خصومهم الألداء من رموز المنظومة القديمة والذين تعلقت بهم شبهات فساد. المهم خلاصة وعصارة هذا الالتقاء الموضوعي هو بالفعل ما تحدث عنه زعيم حركة النهضة بالرغبة المحمومة في التخلّص من خصم سياسي مشترك بإلقائه خارج السفينة..

ويبقى بيت القصيد وموطأ الجرح هو تونس وانتظارات شعبهاـ تونس التي تظل تنزف بسبب عبث وتنطع العابثين والفوضويين والعدميين والمزايدين بكل شيء.

تونس التي تظل تنزف بسبب فصيل من الساسة رؤيتهم كانت ولا تزال محكومة بالمصلحية والانتهازية السياسية المفرطة، المحكومة بالمصلحية التي تنفي كل مبدأ ، فتجدهم متحولين متقلبين، فقد تجده يوما مع اليسار الراديكالي المتطرف وقد تجده يوما مع اليمين المحافظ. قد يصبح أصدقاء الأمس بالنسبة لهم خصوما وقد يصبح خصوم الأمس فجأة حلفاء. هؤلاء محكومون بالانتهازية السياسية أي أنهم دائما ولا تنتظر منهم عهدا ولا ميثاقا ولا اعتبارا للمصلحة الوطنية.. هم في حالة بحث عن التموقع وعن موطئ قدم لهم في السلطة وفي الحكم بأي ثمن وتحت أي ظرف. تتبناهم ماكينة سياسة ومال ومصالح نخبوية نفوذية، تشكلت في تربة مالية إعلامية “أزلامية” اعتمدت ثقافة الضدية ولم تعتمد على ثقافة الندية.. فتكون كل مواقفهم وتصوراتهم وطروحاتهم تحوم حول هوس التموقع في السلطة وهوس الكراسي حتى لو لم يعطهم الصندوق ما يطمحون إليه. هاجسهم الوحيد هو أن يكونوا في السلطة وفي مواقع القرار والنفوذ و من أقصر السبل التي قد توصلهم إلى ذلك مباحة..

وتظل تونس أيضا تسير نحو المجهول ونحو  اللا هدف بسبب تنطع وغرور ومزايدات فصيل سياسي ثان قرر أن يكون ناطقا باسم الثورة وحاميا لها.. فصيل محكوم بروح عنترية مغرورة ومعبرة على جوع للبطولة لا يشبعه سوى التمعش بالمزايدات. فصيل كشفت كل مواقفه وخطاباته الأخيرة أنه ما ركب حصان الثورية إلا بهاجس إثبات خيانة النهضة وليس حرصا على نجاعة ومردودية الفعل النضالي في حد ذاته.

فصيل أصبحت الثورة والمزايدة بها مهنة  يمتهنها، فصيل سيطرت عليه الارادة العدمية في تصفية حسابات ايديولوجية عقيمة ونصبوا من أجلها الجنائز وشق الجيوب في وسائل الإعلام والبكائيات على مصير تونس بوجود خصم يصرون على استعدائه واعتباره الشيطان الأعظم الذي قامت من أجله الثورة..

فصيل طوح بعيدا عن كل حقائق الواقع لصالح منظور فقير وكسول لا يلتقط من الواقع سوى عناوينه الكبرى التي يعلمها القاصي والداني، ولا يعنيهم تغيير الواقع أكثر مما يطمحون إلى الشهادة عليه.

فصيل لا يلبث يردد في كل المحافل والمنابر أنّه مشفق على مصير الحقوق والحريات في تونس ومرتعب من عودة الاستبداد وبأنهم هو حامي الحريات الوحيد وضمانتها في تونس وكل من سواه هو خائن للثورة وعميل. رغم أنهم على يقين من أنّ تونس اليوم غير تونس الأمس، والتونسي الذي تنشق الحرية لن يستسلم للأسر والقيود. وأنّ التونسي الذي صدح بالحق وجاهر به لن يرضى بتكميم صوته أو إلجامه مرّة أخرى، و أنّ التونسي اليوم تمرّس على مواجهة الظلم والاضطهاد واكتسب مناعة تحميه جيّدا من أن يكون عرضة للقمع والترهيب، وأنّ المسار الديمقراطي والتنموي ماض إلى غايته رغم ارتفاع منسوب الخوف. هذا الفصيل يصرّ على دفن رأسه في التراب حتى لا يرى العالم والأوضاع المتفجرة من حوله، يمنّي الناس بجنة لا يسكنها إلا الثوّار. هاجسه الوحيد الذي يظل يسكنه يتمحور حول كيفية إثبات طهوريته ونقائه مقابل تلوث الآخرين بالفساد والتطبيع معه وطبعا على رأس هؤلاء حركة النهضة.. فتحول هدفه الأسمى لتحقيق أهداف الثورة من معاقبة أزلام النظام البائد ورموزه الفاسدين إلى الاطاحة بالنهضة واستئصالها من المشهد التونسي. وكأن الثورة التي تصدر كناطق رسمي باسمها، لم تقم على فساد المنظومة النوفمبرية بل قامت للإطاحة بالنهضة..

هذا الفصيل يصر للأسف، حتى آخر نفس فيه أن يعاند إرادة الشعب التي ترجمها الصندوق ويزيفها، لا يريد أن يفهم أنّ الشعب قد شهد بالثورية للمناضلين والأحرار  الذين خبر نضالهم قبل وبعد 17 ديسمبر 2010م، هذا الشعب آمن بما صوّت عليه في الانتخابات و مازال يحتفظ بحقّه في التصويت قادما، كما أنّه سئم كل وصاية من المتشدّقين باسمه والرّاكبين على إرادته وأفشل في أكثر من مناسبة المسرحيّات المفبركة ودموع التماسيح على مصلحة تونس من طرف الذين لا همّ له سوى اجترار الرّفض واحتراف العرقلة لكلّ مسارات الانجاز والتقدم بالمسار ويصرّ على تأجيج وتأزيم الأوضاع، فبرهن لكل هؤلاء  أنه لن يبايعهم على الفوضى ،والخراب والانهيار وقطع الأرزاق ولن يضفي شرعية لمن يسعى إلى تدمير البلاد والعباد.  هذا الشعب نفسه وفي غالبيته المطلقة قد حسم اليوم ملف اللّحظة الثورية ،وانصرف يطلب إنجازا وإعمارا واصلاحات وتنمية ومشروعا حضاريا اصلاحيا متكاملا.

هكذا هي إذن سفينة تونس، تترنح في مسارها بين تنطع ومراهقة سياسية وعدمية وانتهازية وصفقات مريبة وتحالفات مشبوهة ضد الطبيعة وضد مسار التاريخ، كل يشدّ حبل السفينة من جهته وعينه على خصمه الذي يتحين الفرص ليرمي به خارجا ويتخلص منه، غير عابئ بالسفينة ومن عليها، وإذا ما كانت تمضي في مسارها الصحيح الآمن أم لا.. تترنح في انتظار أن تأتي “أم الولد” لتحتضن كل أبنائها المتخالفين والمتصارعين وتقود السفينة وتعدّل دفة المركب وبوصلته دون أن تضطر لتلقي بأحد أبنائها خارج السفينة..

وأمام المشهدية العدمية والمرتبكة في التعاطي السياسي الذي نراه اليوم من أغلب الفاعلين السياسيين، يبدو أن قدر حزب حركة النهضة أن تلعب مرة أخرى دور “أم الولد” التي تستوعب الجميع، من اتفق معها ومن خالفها، وأن تنفتح على الجميع وتتفهم الجميع وترافق الجميع نحو تحقيق الاستقرار واستكمال المسار وضمان الوحدة الوطنية التي من دونها لن يكون هناك غير الفوضى والمجهول والعدم يتربص بالتجربة التونسية الرائدة..

فقدر النهضة أن تظل دائما صمام الأمان للتجربة التونسية وللمسار الديمقراطي وللوحدة الوطنية، طالما هي مؤمنة أنه وكيفما كان حالنا اليوم ومهما علت وتيرة خصومتنا، ومهما تعثّرت بنا الخطى وتربص بنا الأعداء ونحن نتدرّب على المشي في طريق السياسة لأوّل مرّة في تاريخ العرب، فلن تعود بنا الخطى إلى الوراء لا جزعا ولا طمعا.. وطالما هي الطرف السياسي المؤمن يقينا أنّنا وجدنا الطريق أخيرا، وأنّ السياسة وُلدت في بلادنا وأنّ الدستور صار حكما بيننا.. وأنّ رئيس الجمهورية صار محكوما بضوابط دستورية لا يخرج عنها، وأننا في طريقنا إلى القطيعة مع الاستبداد ووضع نهاية للانفراد بالرأي ولمنطق الزعيم الحاكم بأمره الذي كان يبني جسور ومجده وسلطانه على أجسادنا…

طالما هي مؤمنة يقينا أن الطريقة طويلة وشاقّة ولكنّنا لازلنا أحياء، نقاوم من أجل إحياء السياسة والقطع مع الاستبداد، وأنّ ذلك سبيلنا الوحيد إلى تعرية الفساد وتحويل ثورتنا إلى ثروة حقيقية، يسهل بها عيش الناس في بلادنا.. قدر تونس وقدر النهضة أن تظل دائما صمام الأمان، طالما هي مؤمنة يقينا أنّ ولادة السياسة على قاعدة الحرية، والديمقراطية والتعايش ستكون بلا شكّ سبيلنا الأوحد إلى غرس العدالة الاجتماعية ،وبلوغ الكرامة الوطنية وتحقيق الإقلاع الذي ننشد…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق